الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سنّ الرشد .. والجنون!!

خيري منصور

الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
عدد المقالات: 1791
سنّ الرشد .. والجنون!! * خيري منصور

 

هل المجتمعات كالافراد لها طفولة وصبا واخيرا سن بلوغ ورشد؟ طرح هذا السؤال مرارا في القرن الماضي، وكان اول من تصدى للاجابة الراحل عباس العقاد وقد اخذ عليه خصومه مثل هذا الموقف الاستعلائي الذي يستخف بالشعوب او ما يسمى العامة، لكن ما كتبه جوستاف لوبون قبل قرن واعيد نشره الان في العالم العربي بتوقيت دراماتيكي عن سايكولوجيا الجماهير، يذهب بنا الى ما هو ابعد مما قاله العقاد واخرون، فالمجتمعات الاقل وعيا تكون قابلة للقطعنة وبالتالي للامتثالية المضادة للتمرد والعصيان.

فالشعور بالاستحقاق ليس مجانيا او مبذولا على الارصفة، ولا بد من وجود عقود اجتماعية سواء كانت بدائية من طراز الماغناكرتا البريطانية قبل ثمانية عقود او مؤصلة فكريا كالعقد الاجتماعي الذي كتبه جان جاك روسو كي تستشعر الجماعات البشرية وجودها اولا، ثم مالها من حقوق مقابل الواجبات المفروضة عليها.

المجتمعات العربية في هذه الاونة الحرجة تبدو اشبه بالابن الذي اصبح يضيق بالوصاية وعدم الاعتراف ببلوغه السن الذي يتيح له ان يتحمل اعباء وجوده وصياغة مصيره ومستقبله، لكن هذا البلوغ على ما يبدو نوعان احدهما سن رشد والاخر سن جنون وفي المجتمعات الباتريكاركية او الابوية يصح ما قاله عالم النفس فرويد عن جريمة قتل الاب فالابن عندما يحس باستقلاله يحلم بان يكون مكان ابيه وبالطبع هذه جريمة رمزية الا في الحالات التي قتل فيها ابناء اباءهم بالفعل لتعجل الميراث. لكن الشرائع السماوية والقوانين الوضعية حرمتهم من الميراث الذي تعجلوه!

سن الرشد هو وعي بالذات اولا وبالاخرين ثانيا وحين يزيد عن حده ينقلب الى ضده شان كل حالات التطرف والغلوّ. بحيث يصبح سن الجنون. حيث لا حدود ولا سدود لهذا الفيضان الذي يندلع لانه لا مصب او بوصلة.

لقد حدث في عواصم اسيوية وافريقية وامريكية لاتينية انفجارات شعبية بسبب تراكم المكبوت سواء كان نفسيا واجتماعيا او سياسيا واقتصاديا وكان من ضحايا هذه الانفجارات ممتلكات عامة للدولة واخرى خاصة للافراد. وسبق ان وقعت شعوب في رد الفعل المجنون كما حدث في روسيا بعد الحقبة الستالينية الفولاذية عندما حاول البعض اقتلاع السكك الحديدية وتدميرها لانها انجزت في عهد ستالين.

لكن هذا الهيج الشعبي القابل للاستغلال كما يقول لوبون حدودا ما ان يتخطاها حتى يصبح المشهد انتحاريا. وتصبح الخسارة موزعة على الجميع حيث ما من منتصر على الاطلاق.

والاب او الباتريارك الراشد يدرك ان الابناء لا بد ان يبلغوا سن الرشد ويتوقوا الى تحقيق الذات والاستقلال فيسعى بوعي الى رصد هذا التحول والتعامل معه بحصافة وبلا ردود افعال متوترة تضاعف من العصيان والتمرد، ونزعة التدمير.

بعكس الاب الذي تأخذه العزة بالاثم فيحاول ان يشكم ويلجم الابناء لحظة تعبيرهم للرغبة في تأكيد وجودهم، عندئذ تصبح جريمة قتل الاباء فعلية وليست نفسية او رمزية، ويتم التعامل مع الماضي على انه شرّ مطلق.

ما يحدث للافراد يحدث ايضا للجماعات البشرية لكن بصور وتجليات مختلفة قد لا تكون مرئية بوضوح للعين المجردة لكنها تدخر في باطنها مخزنا من العصيان المدمر الذي يتحول الى انتقام!

التاريخ : 09-12-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش