الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كلمة حق مسيحيو الشرق.. أهل المودة

محمد حسن التل

الأربعاء 29 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
عدد المقالات: 371
ble>
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش
كلمة حق: مسـيحيو الشرق... أهل المودة
* محمد حسن التل

 

يدور الحديث هذه الايام عن قضايا المسيحيين في الشرق والظلم الذي يقال انهم يتعرضون له ، والحقيقة اننا عندما نتحدث عن هذا المكون الاساسي من مكونات امتنا ، فاننا نتحدث عن اخوة لنا في الحياة والمصير ، والمسيحيون في الشرق هم جزء لا يتجزأ من نسيج هذه الامة ، ولهم فضل في مسيرتها التاريخية الحضارية ، و ما يسمى بقضايا المسيحيين في الشرق ، لم تبرز الا في عصور الانحطاط والتفسخ ، التي غيمت بسوادها على امتنا منذ نهايات القرن التاسع عشر ، حيث بدأت المؤامرات تأخذ شكل التنفيذ على هذه الامة.

وبنظرة متفحصة للعلاقة الاسلامية المسيحية ، يدرك الواحد تماما ، زيف الاقاويل ان هناك صراعا بين الطرفين ، فالعلاقات الاجتماعية متشابكة الى حد لا يمكن تفكيكها ، او الولوج الى اساسها ، فهي مبنية على الاقتناع التام بمفهوم المصير المشترك والدرب الواحد ، وان المراجعة السريعة لطلائع بدايات الدعوة الاسلامية ، تشير الى نماذج راقية ، من التعاطف والتعاون ومن الثقة والاحترام ، والاعتراف المتبادل بين النصارى والمسلمين ، فأول اشارة يذكرها التاريخ للمهمة العظيمة التي كانت تنتظر سيدنا محمد "صلى الله عليه وسلام" جاءت من الراهب بحيرى ، حيث اكدت حرص المسيحية واهتمامها ورعايتها لصاحب الدعوة ، والقصة معروفة للجميع ، وهي تفرض على الجميع - مسلمين ونصارى - ان يقفوا عندها طويلا ، لان بطلها رجل نصراني ، بل راهب انتهت اليه خلاصة النصرانية ، وهو في هذا الموقف ، ارسى الوشيجة الاولى ، التي قامت عليها العلاقات الوثيقة ، التي تأسست على الحب والتعاون بين المسلمين والنصارى ، عبر العصور.

كذلك قصة الهجرة الى الحبشة ، وهي الهجرة الاولى في الاسلام ، الى ارض النجاشي ، الملك المسيحي المتدين ، حيث امر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ، اصحابه بالهجرة اليها قائلا: "لو خرجتم الى ارض الحبشة ، فان بها ملكا لا يظلم عنده احد" ، ووصف الحبشة - وهي ارض مسيحية - بأنها ارض صدق ، وهذه اشارة اخرى لقوة الوشائج بين الطرفين ، والاحترام المتبادل بين الديانتين ، والاشارات في التاريخ كثيرة على قوة العلاقة بين المسلمين والنصارى ، كأصحاب رسالتين سماويتين ، واصحاب مصير مشترك ، يعيشون على ارض واحدة ، ويبنون حضارة واحدة ، قال تعالى: "لتجدن اشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا". ولم يذكر القرآن الكريم امرأة باسمها وبالنص الصريح ، الا السيدة مريم ، وهذا تكريم لها وللنصرانية.

وعلى الصعيد الاجتماعي ، فكما قلنا ، لم يعرف تاريخ الديانات مثل العلاقات الاجتماعية التي قامت بين المسلمين والنصارى ، على امتداد العالم الاسلامي. ان ما بين ابناء الحضارة العربية الاسلامية ، من مسلمين ومسيحيين على امتداد التاريخ ، من التعاون وحسن الجوار والاحترام المتبادل والشراكة الفعلية في البناء الوطني ، لا مثيل له ، وان الاحداث الشاذة التي ظهرت في بعض فترات التاريخ بين الطرفين ، جاءت نتيجة الانحسار الايماني لدى بعض المسلمين والنصارى ، وكانت نتيجة لتوجيهات وتدخلات اجنبية ، لا تريد خيرا بالمسلمين والنصارى على السواء ، يحدث اليوم في بعض اقطار امتنا ، الا دليل على هذا ، وليس الغرب الذي اساء الى النصرانية ، ببعيد عن هذا التدبير الظلامي ، في محاولات منه لم تنته منذ قرون ، وان اتخذت وجوهاً مختلفة على رأسها ، حجة الدفاع عن المسيحيين في الشرق ، ولا ينسى منصف للتاريخ ، فظاعة الظلم للديانة المسيحية واهلها ، وما ما حدث في روما نيرون ، الا صورة عن تلك الفظاعات ، التي مورست في الغرب ضد النصرانية.

لقد تبنى الاستعمار الغربي بأدواته المختلفة وعلى رأسها الصهيونية ، اثارة الطائفية في الشرق ، وبذر بذور الفتن والخلاقات بين المسلمين والنصارى ، وما زال ، تماشيا مع القاعدة التي تقول "فَرّقْ تَسُدْ".

اننا كمسلمين نعتبر اي دعوة تحاول ان تنال من الاسلام او المسيحية ، هي دعوة مشبوهة تدين اصحابها ، وتؤشر عليهم بالاتهام.

ان الانتماء الوطني والقومي ، اصبح الان امام خيارين لا ثالث لهما ، بعد ان وصلت الاوضاع الى هذا الحضيض ، فاما حشد الطاقات وجمع الشمل وتكريس ما يمكن تكريسه للقضية الكبرى ، من خلال مقومات العروبة ، - والنصرانية جزء اساس فيها - والاسلام والقوة لكل منهما ، والا فان الضياع ينتظر الجميع.

وفي هذا المقام ، لا يسعني الا ان اذكر قول امين نخلة ، الذي اشار بقوة الى تلاحم الاسلام والنصرانية ، واكد ما قاله النجاشي ان الفكرين يخرجان من مشكاة واحدة "في هوى محمد تتلاقى ملتا العرب ، ملة القرآن وملة الانجيل فكأنما الاسلام اسلامان اسلام بالدين واسلام بالقومية". فهل يعي هذا القول من غرّتهم صهيونية الغرب الموغلة بدماء ابناء امتنا واهانة مقدساتها ، دون تفريق بين مسلم ومسيحي ، وهي التي تحاول الان العبث في وحدة امتنا ، بجناحيها المسلمين والنصارى.

ان ما يحدث اليوم في الموصل ، وفي مناطق اخرى من العالم الاسلامي ، من مضايقات للمسيحيين ، لا يمت بصلة ، لا من قريب ولا من بعيد ، لواقعهم التاريخي على ارضهم وفي اوطانهم ، كأصحاب حق شرعيين فيها ، وهو امتداد للمؤامرة الكبرى على الامة ، التي لا يفرّق سدنتها بين مسلم ومسيحي،

التاريخ : 29-10-2008