الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أزمة الإخوان.محاولة للفهم

حلمي الأسمر

الأحد 3 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 2514



لا يمكن فهم الأزمة العميقة التي ضربت البنى الحساسة في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، بمعزل عما جرى للحركات الإسلامية الوسطية في العالم، وتأثيرات ثورات الربيع العربي على مجمل النظام العربي، والتغيرات العميقة التي ألمت بالمجتمع البشري، بعد الانفجار المعرفي، وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي أنهت سرية التنظيمات، وهتكت خصوصيات الحياة الخاصة للأسر، ناهيك عن التنظيمات!.

تمور منطقتنا بتغييرات بالغة العمق، والإخوان ليسوا استثناء، وما كان بالإمكان «الطبطبة» عليه في الماضي بحجة الطاعة ومقتضيات «البيعة» لم يعد مؤثرا اليوم، ولعل الحدث الزلزالي الأكبر الذي فجر كثيرا من المسلمات في الحياة الإخوانية، الانتكاسة الكبرى التي مني بها التنظيم في مصر، على نحو ربما يكون غير مسبوق، ومختلفا عن كل «المحن» التي تعرضت لها الحركة في الماضي؛ ما وضع علامات استفهام كبرى على مدى «سلامة» النهج الذي تسير على هديه الحركة، وهو ما ولد عشرات الشكوك في مدى ملاءمة الآليات التي تحكم طريقة القيادة، وفرزها، واجتهاداتها، والأهم من كل هذا علاقة الحركة الأم بالحزب الذي شكل ذراعا سياسية لها، وأفقده استقلاله الذاتي منذ اليوم الأول لتأسيسه، ويبدو أن إخوان الأردن استنسخوا الآلية المصرية ذاتها في ثنائية «الحزب والجماعة» الأمر أفقد الحزب مساحة كبيرة من حرية الحركة، وجعله مجرد «قسم» من أقسام الجماعة، كقسم الأسر، والطلاب، وغيرهما من أقسام الجماعة، بل إن هذه النظرة القاصرة، أفقدت التجربة الحزبية كلها في كلا البلدين فرصة النمو والتشكل الصحي، وجعلت من الأحزاب عموما، تشكيلات غير جدية، وفوتت فرصة ثمينة لنموها بشكل سليم!.

إلى ذلك، شكلت المقاومة الخفية والعلنية لمفاهيم «الإسلام الوسطي» معول هدم وتخريب في تنظيمات الإخوان، وأفقدت الشباب كثيرا من حماسهم تجاه «صناديق الاقتراع» وفلسفة التغيير التدريجي، والانهماك في «لعبة الديمقراطية» بعد انتهاك حرمة الصناديق؛ ما ضرب أحد المبادىء الأساسية الثابتة في النهج الإخواني، ووضع القيادات التاريخية أمام أسئلة شبابية صعبة، لا أجوبة حقيقية لها، وهو ما أفسح الطريق لتعاظم الخيارات العنفية، حيث وجدت التنظيمات «الجهادية» فرصة ثمينة في احتلال الفراغ الذي خلفه التنظيم الوسطي، بعد ضربه في غير ساحة، وتنحيته من منصات التأثير، وفضلا عن هذا وذاك، شكلت عقلية الاستئثار والإقصاء والاستحواذ لدى بعض قيادات التنظيمات الإسلامية الوسطية، فرصة ذهبية لتشكيلات قومية ووطنية، للانفضاض عن التحالف مع هذه التنظيمات، وفوت كلا الطرفين فرصا ذهبية لبناء جبهات وطنية معارضة قوية، ووفرت مساحة حرية مريحة للأنظمة للانقضاض على الجميع، ويحمل الوزر الأكبر لهذه المسألة التنظيمات الإسلامية، التي حاولت الاستئثار بالكعكة، تحت تأثير الشعور بالنصر، ووهم التمكين، كل هذه العناصر مجتمعة، أسهمت في تفجير القنابل الموقوتة التي كانت كامنة في أعماق التنظيمات الإسلامية الوسطية، ووضعتها أمام الحقيقة عارية من دون أي رتوش، فيما وجدت القوى المناهضة لها الفرصة سانحة للعبث بها، وتقوية فريق على آخر، لزيادة مفاقمة أزمتها، وإذْهاب ريحها!.

«النشوة» التي يشعر بها مناهضو ما يسمى «الإسلامي السياسي» لا يدركون أنهم أمام أزمة لا تقل خطورة عن أزمة تنظيمات الإسلام الوسطي، ذلك أن أي تهديد لبنى التنظيمات الوسطية، التي تؤمن بالتعايش مع المجتمع والأنظمة، يفتح المجال لتقوية تنظيمات التكفير والخروج على الحكام، وانتهاج سبيل التغيير العنيف، وهو خيار له ثمن باهظ على الجميع بلا استثناء!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش