الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مشكلة الأخلاق المعاصرة

تم نشره في الجمعة 8 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

د. عصر محمد النصر



تعد مكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات، فالأخلاق هي الوسيط في علاقة المسلم بغيره، وفقدان هذا الوسيط أو دخول الخلل فيه يؤدي إلى انعكاسات سلبية على علاقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض؛ وقد شغلت الأخلاق حيزا وافرا من تعاليم الشرائع السماوية, بل والمذاهب الوضعية لما لها من أهمية كبيرة في حياة الناس وسير المجتمعات, هذا وإن كانت الأخلاق ضرورة في كل الشرائع والمذاهب إلا أنها أكملت في الإسلام على أتم صورة وأكمل بيان, فكمالها من كمال هذا الدين وتمامه :” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”(آل عمرن, الآية 3), وعلى قدر تحقق المسلم بتعاليم هذا الدين تصلح أحواله و تثمر أخلاقه وتفلح؛ ذلك أن الأخلاق هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان على نحوٍ يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل و الأتم, و مما تميزت به الأخلاق في الإسلام، ارتباطها بالإسلام كدين يراعي الفطرة ويحث على المكارم، فهو ميثاق شامل لكل أعمال الإنسان، و الأخلاق قيم عليا تضبط سلوك الناس في سبيل السعي لإقامة حياة البشر على أساسها، وهي بذلك تأخذ –ولا بد- خصائص الإسلام من شمولية وتعاون مع ثبات ومرونة، كما أن الأخلاق في الإسلام هي التي تؤثر في السلوك وتقلل آثار البيئة والعوامل الأخرى المؤثرة فيها سلبا, مما يستدعي مزيد عناية بالقضية الأخلاقية.

لا يخفى على الناظر ما وصل إليه واقعنا اليوم من ضعف منظومة الأخلاق في مجتمعاتنا، حيث انتشرت فيه صور من المحرمات, واستهان الناس بجملة منها, وهذه الانتكاسة الأخلاقية لم تأت عبثا بغير سبب بل لها أسباب متعددة أثرت فيها, من ذلك: ضعف التدين, و ضعف البعد المفهومي المؤسس والمصحح لعملية السلوك, و وجود مؤثرات خارجية, و اضطراب البيئة وتغير العوامل, حيث شهد واقع الأمة في المئة سنة الأخيرة، تغيرا كبيرا على كل المستويات السياسية منها والاجتماعية والثقافية والأخلاقية إلى غير ذلك, وقد تقدمت الأسباب المؤثرة في هذه الأوضاع فَضَعفُ التدين الذي هو ركيزة لصلاح المجتمع بل هو صلاحه، يؤدي ولا محالة لتفلت الناس من عقد كثيرة يشعر معها المرء بضعف مسؤوليته تجاه نفسه وواقعه, وفي حالة أكثر خصوصية من هذا السبب وهو ضعف البعد المفهومي المصحح والمؤسس لمنظومة الأخلاق، حيث يُفقدُ المصحح للسلوك والمنشئُ للتفكير الحسن, حتى ينقلب القبيح حسنا والحسن قبيحا في حالة من غفلة النفس والمجتمع, وأشد من ذلك أن يستمرئ الناس هذه الحالة حتى تختلط المعصية بعاداتهم وتقاليدهم, وإن من أكثر ما يعين على هذا الضعف، هو العامل الخارجي المتمثل بدخول النزعة المادية بصورها المتعددة، حيث دخلت العلمانية والاشتراكية ونزعات فكرية متعددة، وهذا بدوره زاحم المفاهيم الإسلامية في نفوس أبناء المسلمين وشوه كثيرا منها, كما ملأ فراغا في نفوس المسلمين تسبب به ضعف التدين, ومن هنا أصبحت البيئة بيئة مضطربة، تقوم على أسس غير شرعية، حيث استبدلت المفاهيم الإسلامية بمفاهيم غربية, وقد أعان على نشرها جملة من القوانين المستمدة من الغرب، ظهرت آثارها في طريقة تسير شؤون المجتمع، كما أعان على نشرها والترويج لآثارها وسائل متعددة، من مؤسسات إعلامية وأخرى اقتصادية واجتماعية ...الخ .

لئن كانت الأخلاق في الإسلام تمثل قيمة عليا تستمد قوتها وشرعيتها من الإسلام الدين الإلهي، فإن الأخلاق في المذاهب الوضعية تأخذ مشروعيتها من قوة القانون ومقدار تطبيقه في حياة الناس, و عند النظر في منظومة الأخلاق المعاصرة، نجد أنها وضعية تقوم بالدرجة الأولى على مقدار ما تحققه من منفعة دنيوية، وهي كذلك نسبية غير ثابتة، بل تختلف باختلاف البيئات، ولكي يتضح الأمر سأذكر مثالا واحدا كان له اثر كبير في أخلاق المجتمع المسلم؛ وهو النظام الرأسمالي، وهو نظام اقتصادي إلا أن له  امتدادات سياسية واجتماعية،لا ينفك عنها بحال، فهو يقوم على التوسع في مفهوم الحرية في كل شأن من شؤون الإنسان، كما يعتمد على فصل الدين عن الحياة، وتعظيم حق الفرد من غير مراعاة لشرع أو فطرة أو عقل .

من ابرز الأفكار في الرأسمالية، أن النظام الاقتصادي نظام طبيعي ليس من وضع احد، وبالتالي فهو قابل للتشكل والتبديل والتغير، كما يدعو إلى عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية, وعليه فكل ما يتعارف عليه الأفراد ويرضون به فهو مقبول، كما يدعو إلى الحرية الاقتصادية للأفراد، فيحق للفرد أن يختار العمل الذي يلائمه، والمعتبر في ذلك مقدار النفع الذي يحققه, وقد نتج عن منظومة الأفكار في الرأسمالية جملة من المظاهر، كالوحشية في الوصول إلى مصادر الطاقة حيث تولدت عن ذلك صراعات وحروب, ومن ذلك التحكم بالأيدي العاملة واستغلال حاجتها و التضييق عليها، مما حدا بكثير من الأسر المتأثرة بالبحث عن مزيد من العمل, وانشغال أفراد الأسرة كلٌ بما يعينه على البقاء وإشباع حاجاته ورغباته، وهذا بدوره تسبب بتغيير أنماط الحياة في المجتمع، كالترابط الأسري، وعمل المرأة بغير انضباط, وضعف الرقابة, كما عملت الرأسمالية ومنظومتها الفكرية على تعزيز البعد الدنيوي على حساب الأخروي، و إضعاف الوازع الديني، فالأمور تقاس بمقدار نفعها الدنيوي،  فظهرت لأجل ذلك الأنانية وحب التملك غير المنضبط والغش، وقلَّ العطاء والبذل الذي يكون لأجل الآخرة دون الدنيا، مما يعزز الفرق بين طبقات المجتمع, واوجد صراعا طبقيا له نتائجه على ارض الواقع, وقد سخرت لأجل ترويج هذه المنظومة الفكرية، وسائل إعلام ومؤسسات متعددة، فتجد على سبيل المثال الفواصل الإعلانية تضخم أمرا هو في أحسن أحواله من الكماليات, من خلال التلاعب بحواس ومشاعر المستهلك بحيث يشعر بأهمية هذا المنتج وحاجته إليه، وقد يستخدم لأجل هذا أمور غير أخلاقية كالصور المخلة بالأدب أو ما هو ابعد منه، فالأمور هنا تقاس بمقدار نفعها الحالي دون أي اعتبار آخر وبمقدار الوصول إلى المطلوب دون اعتبار أي ضابط إلّا الحرية الفردية.

وفي الختام؛ فإن ما تقدم وصفه من تغير في منظومة الأخلاق في واقعنا يستدعي إعادة النظر في منتجات الأخلاق ومحفزاتها بحيث يعاد للمجتمع تاريخه وأصالته, وللأخلاق شرعيتها وصفائها, ولا يكون ذلك إلا بتصحيح المفاهيم المؤسسة للأخلاق, وتقييم العناصر المؤثرة فيها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش