الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التدين بين الشكل والمضمون

د. رحيل محمد غرايبة

الاثنين 11 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 524



يمكن تقسيم «التدين» إلى قسمين من أجل تسهيل مهمة توصيل الفكرة، وتسهيل مهمة الحوار بين المختلفين حول حقيقة الإيمان والتدين وأثر ذلك على النفس أولاً، وعلى التعامل مع الآخر والمحيط الخارجي.

القسم الأول: التدين المتعلق بذات الإنسان وداخله، وهذا القسم موكول إلى الإنسان نفسه، حيث أنه لا سلطان لأحد على أحد في هذا الموضوع، ولا يملك أحد من البشر مهما أوتي من قوة وسلطة وعلم أن يشق عن قلب إنسان ويعلم ما يختزنه من اعتقاد وإيمان حقيقي، وقد استأثر الله بهذا العلم، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، ومن هنا يتفق المسلمون بإجماع على قبول ما يعلنه المرء عن نفسه بلسانه، ووجوب الاكتفاء بذلك.

التدين الداخلي علاقة تامة بين المرء وربه، من حيث الإيمان به والالتزام بأوامره على هذا الصعيد، وجل مسائل التدين الداخلي تكون في ميدان العبادات، والتي ترفع منسوب الإيمان في داخله، وتؤدي إلى سلوك طريق تزكية النفس ومراتب تهذيبها وتطهيرها، واللجوء إلى الله في التوبة والاخبات والإنابة وطلب العون والحفظ، وهو يمثل مضمون التدين الجوهري على وجه الحقيقة.

القسم الثاني : التدين المتمثل بعلاقة الإنسان بالآخرين والموجودات من حوله في هذا الكون الفسيح، حيث أن التعامل مع الآخر له درجات في القرب والبعد، تبدأ في الدائرة القريبة ثم تبتعد وتتسع حتى تشمل البشرية كلها، والإنسان لا يستطيع العيش منفرداً منعزلاً لوحده، لأن الإنسان مدني بالطبع كما قال ابن خلدون، ولكن العيش المشترك لا بد له من تنظيم ووضع قواعد وأعراف تضبط هذه العلاقة من أجل تحقيق المصالح المشتركة، ومعالجة المشاكل والاختلالات التي تعترض سبيل الحياة المشتركة وتنغص العيش والحياة، مما يقتضي حتماً اتخاذ الإجراءات والوسائل والأدوات التي تحقق العدالة وتمنع الظلم وتحول دون الاعتداء.

السلطة وظيفتها تكاد تنحصر في تنظيم العيش المشترك، وصيانة المصالح الحياتية للتجمع البشري، ومنع الاعتداء والظلم، وحراسة الحرية المقدسة الممنوحة للإنسان بصفته الآدمية، وما وضعت التشريعات إلّا لتحقيق القدر الأكبر من رغد العيش الإنساني المشترك وسعادة الحياة الفردية والجماعية.

التدين الداخلي إن صح هذا الاطلاق يلعب دوراً مهماً في تحسين شروط الحياة المشتركة من خلال ما يعطيه الإيمان للفرد من تقوى وورع وخلق وتهذيب وحسن تعامل، لأن ثمرة التدين الداخلي الحقيقي تتجلى في حسن التعامل مع المحيط الخارجي، وقد تم وضع مجموعة من القواعد في هذا الشأن منها ما يقوم على مبدأ : «أن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه»، «ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، و»إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»، وأوامر كثيرة بهذا الشأن تلخصها الآية « وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ»، وهذا المعنى هو مناط الخيرية للأمة، لأن خير الناس أنفعهم للناس، ونستطيع القول أن التعامل مع المحيط الخارجي عبارة عن الشكل الذي يظهر من خلاله إيمان المرء وحقيقة تدينه الداخلي.

الأعراف السائدة في المجتمعات والمتجذرة في سلوكهم الجمعي، استقرت في حياتهم لأنها تحقق مصلحتهم المشتركة عن طريق التجربة والمعايشة، وقد يتسلل أحياناً إلى منظومة الأعراف السائدة ما هو فاسد وغير منطقي ولذلك جاء الإسلام وحافظ على الأعراف الصالحة وأبطل الفاسد منها، وجعل العرف مصدراً مهماً من مصادر التشريع، وعمل على تنمية الذوق لدى الفرد والمجموعة، وتصويب الجانب المعياري في السلوك الجمعي.

الأعراف لها دور مهم في تنظيم الحريات العامة وحفظ الحقوق الفردية والتي ينبغي أن يتم تطويرها وتهذيبها وتحسينها بشكل اتفاقي وجهد جمعي متدرج، بما يحقق المصلحة المشتركة دون تعسف أو شطط.

هناك بعض المسائل العالقة التي تقع بين دائرة الحرية الشخصية والحياة العامة ، وهذه يتم التعامل معها بحسب الذوق العام، الذي يعد جزءاً أساسياً  من منظومة العلاقات المشتركة مثل (اللباس)، فاللباس يقع ابتداءً في مساحة الحرية الشخصية، ولكن له أثر مهم في العلاقة مع الآخرين، مما جعل المجتمعات تتواضع على ضوابط في العلاقة القائمة بين الدائرتين بشكل موزون؛ مشتقة من دين الأمة وتراثها وأعرافها ومصالحها العامة من أجل المواءمة بين الشكل والمضمون.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش