الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لقد أخطأوا كثيراً.

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 13 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 524



لقد أخطأوا كثيراً، وأحدثوا ضرراً جسيماً بالبنية الأساسية للوطن  أولئك الذين أسهموا في  إضعاف الانتماء الوطني للأردن والدولة الأردنية ومؤسساتها، وأولئك الذين بالغوا في توهين عرى الارتباط بين جموع المواطنين ومظلتهم الوطنية، من خلال أدبيات المرحلة السابقة على صعيد العمل السياسي والحزبي بختلف ألوانه، حيث أثمرت تشوهاً واضحاً في علاقة بعض شرائح المجتمع بالدولة، وأدت إلى إحداث قطيعة وفجوة واسعة بين الأحزاب والجمهور العريض من جهة، وفجوة أكثر اتساعاً بين الأحزاب والنظام السياسي والسلطة من جهة أخرى، وورث الجيل الجديد تراثاً معقداً متشابكاً من الهواجس والقلق وعدم الثقة والانطباعات السلبية الراسخة التي يصعب معالجتها.

يجب أن يتم الاعتراف أولاً بهذه الحالة المشوّهة الموروثة، وتشخيص المشكلة بشكل دقيق من أجل الانطلاق نحو بناء علاقة سليمة وصحيّة بين مكونات الدولة جميعها؛ من شعب وسلطة وقوى سياسية، ويجب أن نعمد جميعاً إلى إحداث مراجعات على هذا الصعيد بطريقة جريئة وواضحة، فليس من المعقول في ظلال هذه الحالة  المشوّهة أن يتم بناء الدولة الحديثة، والحالة الحزبية السليمة، والبيئة السياسية الصحيحة، القادرة على فرز  حكومات منبثقة من الشعب، وقادرة على تمثيل طموحاته المستقبلية عبر انتخابات معبّرة تماماً عن الاتجاهات السياسية المختزنة في المجتمع الأردني.

القضية الأولى التي تسترعي الانتباه وتستحق العناية تلك المتعلقة بمسألة الانتماء، فهي ليست مسألة شكلية وليست محصورة في النطاق العاطفي، وفي الوقت نفسه لا تحل هذه القضية ضمن المستويات السياسية، ولا في نطاق الشعارات، وكتابة اليافطات والعبارات، والأهم من ذلك كله أن النصوص والتشريعات ليست قادرة على صناعة الانتماء وغرسه في النفوس، إذ لا بد من تصحيح مدخلات العملية السياسية برمتها، وتصحيح الحالة الحزبية على وجه الخصوص من أجل أن تكون الأحزاب جزءاً من الدولة، وجزءاً من منظومتها السياسية منبثقة من رحم الشعب الأردني، وتعمل على ترسيخ الانتماء للدولة الأردنية والولاء العميق  لترابها  وتاريخها وتراثها ونظامها ومستقبلها.

الانتماء للوطن  يولد مع الإنسان، وهو إحساس فطري عميق يربط الإنسان بالمكان، ولذلك لا تجد الدول والمجتمعات صعوبة في بناء قاعدة الانتماء لدى شعوبها في الأعم الأغلب، وتهذيبها وتطويرها لتصبح الوقود الأساسي الذي يحرك عجلة البناء والتطوير والإزدهار على مستوى الدولة، وخوض غمار التنافس مع الشعوب والدول الأخرى في السباق المحموم في ميدان العلم والتمدن والتحضر البشري.

ما يجب أن نعترف به أنه جرى زعزعة الانتماء الحقيقي للأردن وطناً ودولة، وتم العبث في جوهره، نتيجة ظروف سياسية ومحطات تاريخية مهمة أحاطت بميلاد الدولة والإقليم، وعملية زرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة العربية، وما تبعه من هزائم عسكرية وسياسية لحقت بالكيانات العربية زادت المشكلة تعقيداً، وأدى إلى ولادة بيئة سياسية مريضة، وأدبيات سياسية مشوهة أسهمت في إيجاد شريحة منبتة عن الوطن ولا تشعر بالانتماء له، مما يقتضي الشروع  الفوري في إعادة بناء الانتماء الوطني ورعايته وتنميته في نفوس الناشئة على أسس سليمة، من أجل إعادة ترسيخ القاعدة الصلبة الصالحة لإعلاء البنيان.

نحن الآن أمام مرحلة سياسية جديدة تفرض علينا أن ننظر إلى الواقع والمستقبل برؤية مختلفة تجعلنا ننعتق من المقولات المتوارثة، وننطلق نحو بناء الدولة الأردنية الحديثة من خلال تجميع طاقات الأردنيين جميعاً، الذين يؤمنون بأن الدولة هي منجز الشعب الأردني، وأن المؤسسات هي أدوات البناء، وهم ليسوا في صراع مع الدولة ومؤسساتها ولا في موقع النقيض، وهذا يحتم علينا تأجيج مشاعر الحب للوطن، وتعظيم المصلحة الوطنية العليا، وجعلها فوق كل المصالح الحزبية والفئوية والعشائرية والجهوية والفردية.

الأردنيون قادرون على بناء دولتهم النموذج، وقادرون على خوض معركة التطوير والتحديث بما يختزنون من طاقات وكفاءات مميزة، وبما يملكون من العزم والتصميم على تجاوز كل العقبات من أجل عزة وطنهم ودولتهم التي يقدمونها على أنفسهم وأبنائهم، ولن تقف قوة أمام تحقيق طموحاتهم المشروعة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش