الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في قصيدة حرجٌ إضافيٌّ لإيمان عبد الهادي

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

د. محمد صابر عبيد*



الحبُّ فضاءٌ رحبٌ، ولغزٌ عميقٌ، وبابٌ مُواربٌ، يتحوّل إلى مجدٍ ذكوريّ فحوليّ على يد الشاعر، وإلى لهبٍ أنثويّ ملوّنٍ شفّافٍ على يد الشاعرة، وقصيدة ((حرجٌ إضافيٌّ)) لإيمان عبد الهادي تملأ في عتبة عنوانها الدالّ الخبريّ المفرد المنكّر (حرجٌ) بطاقة أنثويّة ملتبسة كثيفة، تعبّر عن حجم الخوف التاريخيّ المزمن من حرارة الاعتراف المحتمل، تتضاعف هذه الطاقة حين التحوّل نحو المضاف إليه المفرد المنكّر أيضاً (إضافيٌّ)، كي يحصلَ التعريفُ النحويُّ بالإضافة وتصطدمَ فكرةُ البوح باللهب المخنوق في الحنجرة، وتتعلّق العنونة على رأس المتن الشعريّ إشهاراً لافتاً لخوض تجربة شعريّة في تأنيث الحبّ وترويضه، وتحريض الكلام الشعريّ الكامن على تخصيب الفضاء، والتحرّش باللغز، واللعب بفراغ الباب الموارب.

تتألّف القصيدة من مقطعين متراكبين سرديّاً ودراميّاً، المقطع الأوّل مقطع حواريّ مقطوع بين الذات الشاعرة والفضاء الماورائيّ الغامض، ينفتح فيه حرف النداء (يا) على أفق لا محدود بلا جواب وكأنّه صرخة ذاتيّة تتعلّق بإيقاع المجهول، وتسعى إلى إيقاظ الحلم الغافي تحت حنين الجلد، واستلهام ما يتيسّر من الرؤى للعبور نحو شاطىء السلام، وهذا المقطع مكوّن من ثلاث لقطات متجانسة ومتفاعلة تدور حول بؤرة واحدة تتمركز في حلم الذات الشاعرة، أو وهمها، بؤرة تخضع لآليّة انفتاح وانغلاق يوفّر لها إيقاع (الكامل) مساحة موسيقيّة منثالة تتعزّز بقدرٍ عالٍ من التماسك النصيّ في صياغة الصور.



اللقطة الأولى مشحونة بالالتباس والخوف والتوقّع المريب إلى درجة اليقين الذي يوّفره سيميائيّاً الفعل المضارع الأنويّ (أعلمُ) وقد تكرّر مرّتين:

«يا غوثُ يا اللهُ؛ بي حرجٌ من الكلماتِ

أعلمُ أنّها ضدُّ الذي في الرّوحِ

أعلمُ أنّها ستخونُ قلبي».

فثمّة الذات الشاعرة المُنادية، وثمّة المنادى المقصود (غوثُ/ اللهُ) بكلّ ما ينطوي عليه النداء من طلب الإغاثة حين يكون المُصابُ جللاً، وثمّة الوسيلة (الكلمات) جوهر الحدث الشعريّ وقد تكلّلت بالـ (حرج) وحقّقت العِلْمَ السلبيّ (ضدُّ الذي في الرّوحِ/ ستخونُ قلبي)، فالضدّ والخيانة تصيبان الرّوح والقلب كي تحوّلا الكلمات إلى لهبٍ تجتهد أداة النداء ببلوغ المنادى من أجل إخماد بريقه، أو التقليل من سطوته على كيان الصورة.

وتستمرّ اللقطة الثانية بفتح صوت النداء على معادلة لسانيّة أقلّ انتماءً للخارج وأكثر تفاعلاً من أنثويّة الداخل:

«يا نورُ أظلمَ بي اليقينُ

أريدُ شكّاً؛ مثلَ طائرةٍ من الورقِ الشحيحِ

تطيرُ فوقَ سُطوحِ جُبّي».

فَيَقينُ الصورة الأولى (أعلمُ أنّها/ أعلمُ أنّها) ينفرطُ عِقدُهُ في الصورة الثانية نحو البحث عن شكّ (أريدُ شكّاً)، بعد توجّه النداء نحو اسم آخر من أسماء المنادى نفسه (يا نورُ أظلمَ بي اليقينُ) في صياغة طباقيّة (نورُ/ أظلمَ) متجوهرة حول فكرة (اليقين)، فالحاجة إلى الشكّ هي حاجة مثلى للوصول إلى يقينٍ آخر يتجلّى بعد شكٍّ بطعم مختلفٍ، إذ تمتدّ الصورة التشبيهيّة (الاسميّة) في انبثاقتها الأولى (مثلَ طائرةٍ من الورقِ الشحيحِ) باتجاه استرجاع طفوليّ يُورقُ في غيم الذاكرة، وتكتمل في الانبثاقة الفعليّة وهي تفتح مساحةً جديدةً لأداء الحدث الشعريّ داخل الغامض والخفيّ والمضموم (تطيرُ فوقَ سُطوحِ جُبّي)، بفضل إحالة (الجبّ) الشفافّة على مرجعيّة معيّنة تكتظّ بالأمل المكتنز في جوف المعنى التناصّيّ.

أمّا اللقطة الثالثة فترسم صورة الاعتراف المعبّر عن جوهر المحنة إذ تبلغُ الحاجةُ مرتبةَ التوجّه نحو المنادى في تسميته المالكة:

«يا مالكَ المُلكِ انتفيتُ من البلادِ

ولستُ أعلمُ لي مكاناً غيرَ بابكَ

أتّقي العتباتِ بالنزرِ اليسيرِ من الوقوفِ

أهشُّ بالصّبرِ الجميلِ على تراتيلي وحبّي».

فتنفتح الحكاية الشعريّة على فعّاليّة صوفيّة تستعير لغتها من المعجم الصوفيّ الوجدانيّ الذي يختصر المسافة بين الذات والإله إلى أضيق مساحة ممكنة، وتتّجه الرسالة الندائيّة الأولى إلى (مالك المُلك) في صورة شكوى غربويّة موجِعة (انتفيتُ من البلادِ)، يعمل فيها الفعل (انتفيتُ) على تكبير شكل النفي وتوسيع آليّة اشتغاله الحدثيّ، حيث تبلغ المحنةُ العاطفيّة أوجها فتقترب المسافةُ الصوفيّةُ بينهما أكثر في الرسالة الثانية (ولستُ أعلمُ لي مكاناً غيرَ بابكَ)، ليكون (بابك) هو الفاصل الوحيد بين المنادي والمنادى الذي يتيح الفرصة لممارسة صوفيّة تؤنّث الأشياء بالتعبّد في محراب الحبّ الغائب (أتّقي العتباتِ بالنزرِ اليسيرِ من الوقوفِ/ أهشُّ بالصّبرِ الجميلِ على تراتيلي وحبّي)، فالفعلان (أتّقي/ أهشّ) يمضيان في حراثة لغويّة عميقة في شبكة من الدوالّ الاسميّة المتجوهرة حول الفضاء العشقيّ (العتباتِ/ النزرِ/ اليسيرِ/ الوقوفِ/ الصّبرِ/ الجميلِ/ تراتيلي/ حبّي)، ضمن دائرة حدثيّة مغمورة بدراما ثريّة تستطلع المعنى الشعريّ كي تحفّزه باتجاه الولاء للصورة، وهي تتشكّل في سياق تمثيليّ يستحضر شعريّة الروح الصوفيّة المفعمة بالعشق من أجل بلوغ إشراقة مُنتظَرة يحملها المقطع الثاني من القصيدة.

في المقطع الثاني يحصل تحوّل بنائيّ عميق على صعيد الصورة والإيقاع وتمثيل الحدث الشعريّ، حين يبدأ بالجملة الوحيدة المنطلقة من منطقة الآخر الذي يحضر صوته المُنادي في مطلع المقطع ثم يختفي كأنّه حلمٌ أو وهمٌ:

«تقولُ: إليّا!

توسّلتُ ما يستطيعُ الجليلونّ في غربةِ الظنِّ

هذا شعاعُكْ

سينقبُ نقباً كبيراً بقلبي الصغيرِ

فتهوي حوائطُهُ في التولّهِ

تطلُعُ من غايةِ الضوءِ

تغربُ في غايةِ الضوءِ

شمساً

قلاعُكْ

يشِفُّ الزجاجُ بها، ويهشّمني في التولّهِ أيضاً

وأعرفُ أنّي أشِفُّ فكيف سأغفو؟

وقد لوّنتني العطايا

وأصحبتُ حتفَ الشظايا:

جليّا».

تحتشد هذه الدعوة المباشرة الظاهرة/ الخفيّة في قلب الذات الشاعرة (تقولُ: إليّا!) لتغمرها في حيرة أكبر وحرج إضافيّ أعمق يقودها إلى الفعل التّوسليّ الأنثويّ (توسّلتُ)، إذ يشرق الضوء أخيراً من فضاء الآخر في صورة الحلم أو الوهم (هذا شعاعُكْ)، وتدخل الذات الشاعرة تحت سلطته في غمار رؤيا صوفيّة عشقيّة أنثويّة تحكي محنة الحرج الإضافيّ في حراك سرديّ حكائيّ، تتجلّى في خضمّ حيواته وأفعاله وتموّجاته الحالةُ الوجدانيّةُ العاطفيّةُ وقد بلغت أعلى درجات صحوها (وأعرفُ أنّي أشِفُّ فكيف سأغفو؟)، بعد أن تعالت على ضغط التهشيم والتمزيق (ويهشّمني في التولّهِ أيضاً/ وأصحبتُ حتفَ الشظايا:)، وبزغت من حرب التجربة (جليّا) دالّة على رغبة الوضوح والإشراق والتمظهر والبروز بلا حرج.



(«فليكن»، إيمان عبد الهادي، وزارة الثقافة، عمّان، 2014: 10 ـ 12)

* أديب وناقد من العراق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش