الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأحزاب واللون الأيدولوجي

د. رحيل محمد غرايبة

الاثنين 18 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 524



سمة بارزة  تكاد تكون ظاهرة منفردة في العالم العربي في الأعم الأغلب، حيث أن الأحزاب السياسية القانونية وغير القانونية، العلنية  والسرية على حد سواء منبثقة من رحم العقائد والأديان والأيدولوجيات، وحتى الأحزاب القومية تعرضت لغزو أيدولوجي، واصطبغت به، بحيث أصبح الخلاف بين الأحزاب والتنافس المحتدم بينها  مصبوغاً  بهذه الصبغة، ويكاد يقتصر الجدال الدائر بين أتباعها على اللون.

لقد  سلخت الأمة من عمرها نصف قرن من الزمان بل يزيد؛ وهي غارقة في هذا السجال العدمي؛ فبينما يقول الإسلاميون : الإسلام هو الحل، يرد عليهم خصومهم بالقول: العلمانية هي الحل، وفريق آخر يذهب إلى القول بضرورة حكم الطبقة العاملة، وفريق آخر ما زال مصراً على أنه لا خلاص ولا منجى من هذا الواقع إلّا عبر بوابة القومية العربية، والعالم من حولنا يتقدم في ميادين العلم والبحث وامتلاك أدوات القوة والتحضر، ويتداول السلطة لدى معظم الدول أحزاب ليست معروفة بالأدلجة والتدين، ولا تكاد تميز بينها على هذا الصعيد، وإن كان موجوداً فهو قليل نادر وشكلي، لا يمثل بؤرة جدل وخلاف حقيقي ؛  بينما نحن غارقون في صراع بيني مدمر..

يتناوب على إدارة الولايات المتحدة حزبان كبيران؛ أحدهما يسمي نفسه بالحزب الديمقراطي والآخر يسمي نفسه بالحزب الجمهوري، ولا فرق بينهما  إلّا في بعض التفاصيل البرامجية، مثل التأمين الصحي الشامل على المستوى الداخلي، أو حول حجم استعمال القوة والتدخل العسكري في المسائل الخارجية، مع أن الولايات المتحدة تحوي من الأديان والأعراق والألوان ما  لا تحويه بقعة في العالم، وربما ينطبق هذا الوصف على العمل الحزبي في «المملكة المتحدة» كذلك، فيتناوب على الحكم حزب العمال وحزب المحافظين في الأعم الأغلب، وأحياناً يبرز اسم حزب الأحرار وبعض الأحزاب الصغيرة المتحالفة مع كليهما، ولكن في النهاية يتم التداول بين الحزبين دون حدوث انقلاب ملحوظ على صعيد الدولة والشعب والقيم والأفكار، ويعتمد الفوز لأحدهما  في أغلب الأحيان على مجيء قيادات جديدة تتمتع بالفاعلية والتجديد، وامتلاك خطاب يلمس المشاكل التي تعاني منها الأغلبية، وفي كيفية اقتراح الحلول.

ما ينطبق على أمريكا وبريطانيا ينطبق على فرنسا، وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية ومعظم الدول المتقدمة والمستقرة، فمثلاً كانت قضية التعامل مع اللاجئين والمهاجرين مؤخراً من أعظم قضايا الخلاف بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة، ولا تكاد تجد خلافا قائماً حول الخلفيات الدينية والألوان الأيدولوجية.

ما ينبغي قوله وما ينبغي أن يكون محلاً للحوار فيما بيننا نحن الآن هو الإجابة على السؤال: هل نحن بحاجة إلى هذا النوع من الاختلاف الديني والأيدولوجي؟ وهل اللون العقائدي ضرورة للحزب حتى يقوم ويثبت وجوده في احدى الساحات العربية؟

أعتقد أن أحزابنا العربية غارقة تماماً في هذا الجدال نتيجة عدم وجود حياة سياسية حزبية حقيقية، بمعنى آخر أن الأحزاب لا تتداول السلطة بطريقة معهودة مثل بقية دول العالم، مما يجعلها أحزاباً نظرية، ليس لها عمل ميداني حقيقي، فهي ليست معنية بإدارة الدولة وحل مشاكل الطرق والطاقة والزراعة والركود والتضخم، أو معالجة مشاكل الصحة والبطالة، فعملها في هذا الجانب مقتصر على إصدار بيان أو تصريح مقتضب، والعمل الأكبر ينصرف إلى امتلاك القدرة على عمل مهرجان شعبي أو تسيير مظاهرة للاحتجاج على اعتداء الصهاينة على الأقصى أو غزة، أما  الوقت الأطول فيتم صرفه على التنظير ورفع الشعارات، والمناكفة وتبادل الاتهام والتحريض والتعبئة المليئة بالحقد والكراهية، التي ستؤدي حتما إلى المواجهة المسلحة عند  أقرب مفترق طرق .

نحن من ناحية عملية  وعلى وجه الحقيقة نحتاج إلى أحزاب تمتلك برنامجاً لإدارة مجالات الحياة، وتمتلك حلولاً لمشاكل الناس، وهذه القدرة ليست مرتبطة بخلفية أيدولوجية أو تدين أو اتباع مذهب، وإنما ترتبط على وجه العموم بالكفاءة والخبرة والتخصص والملكات العقلية والإدارية، ونظافة اليد، وترتبط أيضاً بالقدرة على الانخراط في الواقع المجتمعي وفهم ما يجري فيه من خلال المعايشة والممارسة العملية.

هذه المقدمة تقودنا إلى ضرورة التفكير في طريقة  تشكيل الأحزاب الجديدة، بعيداً عن الألوان الأيدولوجية، وبعيداً عن كل أشكال التعصب الديني والمسميات الدينية، وبعيداً عن الشللية الفاسدة، والانتماءات الضيقة، حتى لا تكون عبارة عن استنساخ لتجارب القرن المنصرم التي أصبحت جزءاً من تراث الأمة وتجربة سابقة تستحق التقويم على كل حال.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش