الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحريّةُ الطبيعيةُ والاجتماعيّة. تسمحان بأن يُناقشَ الكاتبُ أيَّ كتاب

تم نشره في الجمعة 22 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

* د. عودة الله منيــع – القيـــسيّ

- في مساء يوم السبت – 15/8/2015م – أقيمتْ محاضرة في – مكتب الأردن/ رابطة الأدب الإسلاميّ. كان عنوانها: (جماليات الأدب الإسلامي) – وكان المحاضر زميلاً قديماً.. أصبح ناقداً مشهوراً. والمحاضرة كانت مكتوبة، وقام المحاضر بقراءتها..

- وبعد الانتهاء من قراءة المحاضرة.. جرى نقاش -بعضُهُ بيني وبينه.. لا أنوي، هنا، أن أقف عند كلَّ نقاطه، وإنما أكتفي بالوقوف، عند نقطة واحدة، هي الآتية:

- قلتُ، في مُداخلتي: إنني آخذ على كلّ النقاد العرب – أنهم ينهجون نهجَ – طه حسين – وذالك.. أنهم يعلقون على القصيدة أو المقطوعة ويعطونها قيمةً ما..: بأنها من الشعر الجيّد، المؤثّر في النفوس والوجدان.. ثم – يوردون نصّ القصيدة أو المقطوعة. ولا يحللون الصور والألفاظ، وهي مفردة، من ناحية، ومن حيثُ غلاقاتُها- بعضُها ببعص.. وهذا.. كان كافياً، زمنَ طه حسين، حقاً لأنه كان.. رائداً. والرائد – يستكشف، ولا يقف عند الجزئيات، وإلاّ.. لم يكن ممكناً أن يستعرض كلَّ قضايا الأدب العربي – العامّة..

- أمّا، بعد طه حسين، فقد صارت الصورة العامة للأدب العربي.. معروفة. فكان الواجب على الجيل الذي جاء، بعده، وجيلنا هذا الثاني ثم..هذا الحيل الثالث: جيل الشباب.. أن يقف عند الجزئيات، ويحلل، وينقد نقداً – عْينيّاً – إيجابيّاً، وسلبياً.(أقول – الآن: النقد العامّ لا يُعلم، كثيراً، فلا يَعْلم منه القارئ: أين الجمال في النصّ، وأين الخلل؟- ولا يُعلّم الشادن – صاحب الموهبة النقدية: كيف يهتدي إلى تفصيلٍ يُعيّنُ الجمال من الخلل ؟...أما أنا فإني حللت وفارقت منهج طه حسين، مع إفادتي منه).

- فكان جواب المحاضر: معناه: (الشاعر يكتب تجربته الوجدانية ويستخدم ألفاظه التي هو يراها.. فلا يجوز لنا أن ننقده..)!

- قلت: نحن لا نُوجّهُهُ، عندما يكتب قصيدته، ولاكننا، بعد ذلك.. لنا الحرية في أن ننقده.

- قال: لا.لا يجوز.

- قلت: المتنبي.. أكبر شاعر عربي، عندي، أما يجوز لي أن أكتب نقداً – له؟

- قال: (لا. لا يجوز..!)

- قلت: لماذا ؟- قال: (لأنك قد تكتب رأياً.. فأكتب أنا رأياً مخالفاً – له). قلت: وما المانع من ذلك..؟

.. وهنا – أوقفت النقاش َالأستاذة ُالشاعرة نبيلة الخطيب – التي قدّمت المحاضر وأدارت النقاش وهذا.. من حقها..

 - أقول: ولكن الأمر بقَيَ له بقيّة.. لا بُدّ من أن أذكرها، هنا، خدمةً ًللمثقف العربي، وعرضاً لرأيي عليه، سواءٌ – أوافقني – أم خالفني. فالحقيقة أكبر من الأشخاص. وَجَلّ من لا يقع منه الخطأ والنسيان.. ولأعرضْ الموضوع على النحو الآتي:

- فترة ازدهار النقد العربي، والثقافة العربية: وفترة انحطاطهما:

- في الرّبعين الثاني والثالث من القرن العشرين.. كان في الميدان ثلاثة نقّادعمالقة. هم طه حسين، والعقاد، ومصطفى صادق الرافعي. وكان الثلاثة يكتبون، وكان كلُّ منهم لا يتردّ د في نقد ما يكتبه أيُّ من الآخرَيْن. ولا يتردّد من يُنقد (بفتح القاف) أن يَردّ على ناقده. وكان كلّ ذلك.. يجري بروح سمحة. فكان لذلك نتيجتان عظيمتان:

- الأولى: أن كل واحدٍ منهم كان – إزاء ذ لك النقد – يبحث ويتعمق في البحث.. فيستخرج دُرَراً.. فيعْظُم فكره وعطاؤه ُ. لأنّ النقد محرّض وحافز على البحث والتنقيب والتجوبد.    

- والثانية: أن ذلك خلق جواً ثقافياً وفكريّاً بين المثقفين، كان المثقفون ينتظرون اليوم الذي يكتب فيه كلّ واحد من الثلاثة، في الجريدة التي يتعامل معها.. فيتناهبونها،يريدون أن يعرفوا: ماذا كتب طه حسين عن العقاد، أو عن الرافعي؟ أو ماذا كتب أيُّ واحد من الإثنين الآخريْن عن أحد صاحبيه ؟- لقد كانت حركة أدبية وثقافية نشطة، تَوّجَتْ ذيْنك الربعين من القرن العشرين بأجمل الأقوال، وأعمق الأفكار، وأصحّ نظرات النقد العامّ،وتركت أثراً عظيماً باقياً حتى اليوم، وأظنّ.. حتى قيام الساعة، خاصّة أن العربية =لغة فهم القرآن وتفهُّمه-خالدة...

- ولكن – للأسف – بعد أن مضى هؤلاء الفرسان الثلاثة، مُودَّعين بالحسرات، وبالأسف على أيامهم التي عُمِرتَ بالأساليب المشرقة والفكر العميق.. بعد ذلك.. انطفأت شعلة الفكر، فأصبح الشعراء يكتبون لأنفسهم أو لشلة حول كل شاعر – إلا ما قلّ من الشعراء – وأصبح الكاتب يكتب معلومات – لا فكراً – (إلا في النادر) –وكما قال الجاحظ العظيم: المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها البدويّ والقرويّ والحضريّ، ويعرفها العربي والعجمي – وفي أيّامنا هذه.. بَدَلَ المعاني صارت المعلومات – تجدها في كلّ مكان، في الكتاب، والتلفاز، وآلة الحاسوب، وفي – الإنترنت – بل تجدها سابحة في الهواء..

- وإن معظم الكتُاب، بعد أولئك الفرسان الثلاثة – لا يتجاوزون هذه المعلومات – إلى عمق الفكر وتقديم دُرَر الأفكار..

- ومات النقد، وكُفن، ودُفن.. فأصبحنا لا نجد في الجرائد أو المجلات – باباً – للنقد، وإذا وُجد.. فهو تبادل معلومات وتقارضات. أمّا النقد الجادّ العميق الذي يُعلمّ.. فقد قُبر مع أولئك العمالقة الثلاثة.. ومع مرحلتهم – التي كانت تُسمّى: مرحلة النهضة- (التي حلّ محلّها مرحلة الانقلابات العسكربة التي قامت على دكتاتورية في الحكم، فكممت الأفواه وأعقمت العقول، وفرّغت النفوس من المحتوى).ولذا..إذا كتب أحدهم –اليوم- كتاباً – سمّاه «نقداً» وهو في الحقيقة عرض لمعلومات، ولأحكام عامّة، لا تُعلم ولا تفيد. فأضحى الكتاب المؤلف من مئة صفحة في النقد أو ألف صفحة.. إنما هو تجميع لمعلومات، وعرض لعضلات، لا يُسمن، ولا يغني من جوع. وقلّما تجد الكتاب، في النقد، والدراسات – عامّة – الذي يستوقفك لتقرأه، أو تقرأ بعض فصوله.

- إننا.. نعيش، بعد أولئك العمالقة الثلاثة، في حالة جمود فكري صنعه حكم العسكر! ولذا.. نهرب من النقد، إذا نُقدنا، ونغضب، ونعادي مَن يُسدي لنا المعروف، وقد يقدّم لنا – الجواهر: أذكر مثلاً: في مؤتمر تربويّ، عُقد، على يومين،في الشهرالتاسع من عامنا هذا-2015م.. كان المحاضرون – كغيرهم من المثقفين والنقّاد – يقدمّون – معلومات – لا فكراً.. وقد أشرت إلى هذه الضحالة، على طول يومَيْ المؤتمر.(ثم.. كتبتُ بهذا – مذكرة – لمعالي وزير التربية والتعليم –خدمةً لأبنائنا).. في هذا المؤتمر قال أحد المحاضرين-: (هذا الأمر يحتاج إلى مُرَبيّن – أكفاّء – (بتشديد – الفاء) – فقلت له، بعد أن جاء دور النقاش: أنا.. لا أصحّحك، ولا أصحّح غيرك، في كل خطأ لُغويّ أو نحْويّ يقع فيه.. وإلاّ.. لتحّول النقاش أو الحوار كلّه – حواراً نحوياً لغوياً.. ولكن، ثَمّة كلمات مركزيّة تتردّد، كثيراً، في الكلام، فيحسن لفتُ الانتباه – لها.. حضرتُك قلت: (يحتاج إلى مربّين – أكفاّء – والصواب – أكفيَاء – لأن الأكفّاء هي: جمع – كفيف – والكفيف هو الأعمى. أمّا – أكْفيـَـــاء – فهي جمع كـَفيّ – والكفيّ هو: القدير.. فأسرع يقول: (خطأ مشهور خير من صواب مهجور) !! فبَدَلَ أن يلتقط هذه الجوهرة، ويطرح خَبَث الحديد الذي يحمله في عقله – كان جوابه يُشبه الرفض ودفاعاً عن خطأ صُراح، وغلط بَواح..!

- ولولا هذاالرفض للنقد أو –كما قالوا قديماً: (رحِمَ اللهُ امرءَاً أهدى إليّ عيوبي).. لما قال زميلنا القديم الذي ألقى المحاضرة، في هذا النقاش الذي دار بيني وبينه، بعد المحاضرة: (لا. لا يجوز أن تكتب كتاباً عن المتنبي...!!) – أقول: مُعْدماً هذا الزميل بذلك ملايين الكتب النقدية، للشعر، والأدب عامّة – والفكر – في العالم العربي. بل والعالم كلّه- أجلْ -كله..!

- فهل يأتي يوم يزول فيه حكم العسكر والطغاة.. لكي ينهضَ فيه فكرنا، وتتجدّدَ للحياة نظرتنا ونتقبل َ، عن طيب خاطر، من يُسْدي لنا ما يصححنا، ويمكّننا من أن نُغيّر من مناهجنا وأساليبنا وأفكارنا؟ فنتغيّرونُغيّر، ولا نظلّ على الفهم القديم والخطأ الجسيم والمنهج المنحرف السقيم..؟ لعلّ وعسى..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش