الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة نقدية في عائد إلى حيفا

تم نشره في الجمعة 22 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

هداية الرّزوق *

للرّوابط البشريّة والعلاقات الإنسانيّة المُتشابكة دورٌ هامٌ في بناء هُويّة الفرد ورسم ملامح تفكيره وبناء خلفيته الثّقافيّة والدّينيّة، فالإنسان كائن اجتماعيٌّ بفطرته مجبولٌ على التّعايش مع الآخرين والتّأثّر بهم؛ ونجد ذلك جليّا في مرحلة الطّفولة التّي يكون بها الفرد أشبه بآلة سحريّة عجيبةٍ تحتفظ بتفاصيل الأمور وتنسجها في الذّاكرة فتغدو نهجاً يسير عليه الإنسانُ بل تتشكّل بسببها هُويته وأبعاد شخصيته، فالهويّة روحٌ تُحرّك الإنسان وتبعثه على القيام بما تشكّل في خلفيّته الذّهنيّة من معتقدات ولعلّ هذا ما واجهه (دوف) في ثنايا العمل الأدبيّ (عائد إلى حيفا).   

يُحيلُ العنوان (عائد إلى حيفا) إلى قضيّة أساسيّة تُطالعنا فَتَشدُّ أذهاننا وتدفعنا لمتابعة العمل الأدبيّ؛ فالعنوان هو تلك العتبة الأساسيّة للدخول في النّصّ الأدبيّ، وقد وُفِقَ (غسان كنفاني) في تصدير روايته بذاك العنوان الذي يثير تساؤلات أليمة عديدة تُجيب عليها تفاصيل العمل الأدبيّ؛ فقد جاء عنوان الرّواية (عائد إلى حيفا) مترابطاً مع مضمونها بشكل واضحٍ وكبير  فالرّواية في مُجملها تتحدّث عن رحلة العودة إلى حيفا بتفاصيلها وذكرياتها وومجرياتها.

للمكان والبيئة السّلطة العظمى في خلق رؤية الإنسان وسلوكه وماهو عليه، وهذا ما يؤكده كنفاني في عمله الأدبيّ (عائد إلى حيفا)، فقد برز المكان ظاهراً جليّاً وكأنه أيقونة تعريفيّة تقدّم للمتلقي تفاصيل المدن الفلسطينيّة بروحها وتناغمها فنجد كنفاني يُسقط في عمله أسماء المدن (حيفا، يافا، رام الله، الحليصة) فينقلنا بذلك إلى عوالم فلسطين ومقدّساتها.

الزّمن آلة مُتحرّكة تنقّلَ فيها المبدع كنفاني ببراعة مُطلقة فمن خلال هذا الزّمن المتُنقل اصطحبنا كنفاني في رحلة تاريخيّة تُفصحُ لنا عن وقائع وأحداث حقيقية جرت في أرض فلسطين الحبيبة، وقد رسم كنفاني مشهد الزّمن باحترافيّة عالية زاوج فيها بين الماضي العصيب وما دار به من فجائع وهزائم وانكسارات، واللحظات التي عاشها (سعيد.س) مع زوجته صفيّة أثناء رحلة العودة والبحث عن قطعة الرّوح التي سُلبت من أعماقهم فكان الزّمن يعجّ بالمشاهد الدّاميّة حيث نجد ذلك جلياً في العبارة: (الفاجعة الكبرى الّتي حدثت لسعيد وزوجته صباح يوم الأربعاء 21/ نيسان عام 1948 فقد جاء القصف من الشّرق فجأة، ومضت القذائف تطير وسط المدينة،  وانقلبت شوارع حيفا إلى فوضى  واكتسح الرّعب المدينة التي أغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها).

استنطق غسان كنفاني شخصيّاته بحيث جعلها تعبّر عن أفكارها ومعتقداتها وقناعاتها المتناقضة ، فالشّخصيّات هي محور العمل الأدبي وهي التي ترسم لنا أبعاد القضيّة بطرقٍ تستثير بها تعاطفنا أو انفعالاتنا، فنجد (دوف) تلك  الشّخصيّة الحائرة المُتزعزعة والتي حَكم عليها الوضع السّياسيّ الكائن آنذاك بالرّمي في زنزانة الضّياع مدى العمر فها هو ذا يفقد هُويته ويُسلَخُ عن دينه ويتنكّر لعرقِه وذويه، أمّا ( ميريام) فتتضارب إنسانيّتها مع عقيدتها فتغدو ضحيّة الصّراع الأيدلوجيّ الأزليّ، في حين نجد (الرّجل اليافويّ) بعفويّته وطيب معدنه وتمسكه بحبّ الأرض والوطن والمبدأ والقضيّة والثّبات، هكذا لوّن كنفاني شخصيّاته بألوان متمازجة مُتنافرة مثيرة للعَجب والتّفكير.

اهتمّ الرّوائيّ بالأسئلة النّابضة في أعماق شخوصه، وبالقلق الوجوديّ إزاء القضيّة وسواها من التّساؤلات الإنسانيّة الّتي كانت سبباً من أسباب ثراء هذا العمل الرّوائيّ، وقد تجلّى هذا الأمر بوضوح شديد في الحوار الدّاخليّ الذي تنامى بشدّة واضحةٍ في أعماق (سعيد. س)؛ حيث تنهال الأفكار والتّساؤلات في رأسه، كما يتساقط جدار من الحجارة ... « ، و»ينبثق الماضي كما يندفع البركان «، وتتعقّد الحوارات النّفسيّة في داخله حتى أصبح شبيهاً بلوح استنادي يقف شامخاً بغير روح أو إحساس، وقد كانت تلك الأسئلة المنبعثه في نفسه مليئة باللوّم والتّوبيخ لذاته التي تُمثّل القضيّة والإنسان.

استطاع كنفاني ببراعته اللغويّة المُطلقة أن يسجّل في عمله الأدبيّ تعابيرَ لغويّة شديدة الثّراء تُضفي على المتن الرّوائيّ هالة من القوّة والقداسة، فنجد تلك الأساليب الإنشائيّة التي تكسر جمود النّص وتبعده عن الرّتابة، فنجد التّعجب في قوله: «ثلاثة أزواج من العيون تنظر إلى شيء واحد   ثم كمّ تراه مختلفا!»، كما نلمح القسم في العبارة : « والله إنّه لأمرٌ غريب! «، ما يستوقفنا النّداء في الجملة: « يا إلهي!  يا إلهي»، فيما لجأ كنفاني إلى توظيف الاستفهام بكثرة ووضوح كما في القول: « سألها زوجها: «كيف عرفت أنّه طفل عربيّ؟ «.

واكب كنفاني المشهد السّياسيّ برمّته راسماً تفاصيله ووقائعه واعتلالته في ثنايا متنه الرّوائيّ مُستخدماً تلك الشّواهد التّاريخيّة التي تبعث الأسى في النّفس وتتجاوز ذلك لِتُحدث شرخاً عميقاً في أعماق الذّاكره فنراه يتحدّث برمزيّته المختفية ما بين السّطور عن أحداث سياسيّة حدثت تلك الفترة نجد منها في قوله: « لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفوراً، لم يحدث ذلك في أي حرب في التّاريخ ، أتعرفين الشّيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948، والآن  بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ . لا . ذلك جزء من الحرب . إنّهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أنّنا أحسن منكم وأكثر رقياً . عليكم أن تقبلوا أن تكونوا خدماً لنا، معجبين بنا  ولكن رأيت بنفسك: لم يتغير شيء   كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير».

وعلى ذلك فإنّ كنفاني يستنطق الذّاكرة ويحاسبها ويُسقط في أذهاننا شيئاً من الاستنكار والرّفض ويستنهض هِممنا من خلاله عمله الأدبيّ لافتاً أعماقنا إلى مشاهد القتل والدّمار وضياع الهُويّة والتّنكر للذات وللأرض والعشق والوطن، فنجد عمله الرّوائيّ يعجّ بالمفردات القويّة التي تُحيل إلى مشهد استفزّ قلم الكاتب فدفعه إلى إجادة الوصف ونسج الأحداث، ليذكرنا من خلال عمله التّاريخيّ المشوّق بضرورة الالتفات للقضيّة والانغماس في حبّ الوطن.

(كنفاني، غسّان، عائد إلى حيفا، دار المثلث للتّصميم والطّباعة والنّشر، ط10، 2011).



* أديبة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش