الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

دُميتي.

تم نشره في الجمعة 22 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

إنعام القرشي *



الدمية ذات الشعر الأشقر لأختي، والأخرى ذات الشعر الأسود لي، لكنني كنت أحب «لعبة العروس» التي كانت تصنعها أمي من بقايا الأقمشة، فترسم لها عينين واسعتين بالكحل الأسود، وفماً صغيراً بأحمر الشفاه.

كنت أشتمّ رائحة الطحين كلما ضممتها إلى صدري.. فلقد كانت أمي تصنع كل شيء في حياتنا.. الخبز.. الثياب.. الفرح.. الحكايات.. الدمى.. الأمان..

لقد كانت وباختصار؛ تصنع الحياة..!

أعلَنَتْ أجراس المدارس النفير، وأصدرت الأمهات الأوامر ؛ فاختفت جميع الألعاب. إنها بداية العام الدراسي الجديد.

تناسيتها يوماً.. يومين.. لكن حنيني إليها لم يفارقني.. وأخذتُ أبحث عنها، رغم أنني كنت أدرك بأنها اختفت مع بقايا أمنياتي الصغيرة، في ركنٍ ما من أركان البيت.

لم أكن أجرؤ على أن أسأل أمي عن تلك «العروس» التي صنعتها لي بيديها اللتين أخفتها عني بهما..!

تملّكني هاجس البحث عنها في كل مكان.. فعلْتُ ذلك دون كلل.. إلى أن سَمِعْتُ أنينها المخنوق تحت كومةٍ من ألعابٍ محطمة، وممزقة، هناك.. في مستودعٍ صغير، بالقرب من مكان تجميع القمامة. فلقد عثر عليها حارس العمارة، متسخة، مجروحة، وحزينة.. بعد أن امتزج اللون الأسود في وجهها بالأحمر.. فتغيرت ملامحها... ولم تعد سوى إحدى المخلّفات المهملة.

اعتذَرْتُ لها، نَفَضْتُ ما علق بها من غبار، وهمست بأذنها.. أنني سألقاها في الصيف القادم. ثم وضعتها بجانب الأخريات بعناية، وعيناي لا تفارقانها.

عُدْتُ إلى البيت، وأنا لا أعي ما هو الشيء الذي يؤلمني في صدري.. بلا شكوى.. فكيف لي أن أشكو من فقدان لعبة مصنوعة من بقايا أقمشةٍ بالية؟

لكنه الإحساس الآخر الجديد.. بفراق ما أحب من أجل من أحب.

كانت أمي مشغولةً بترتيب الكتب، وإعداد الحقيبة، وكان عليّ أن أتودد لها .. وأجلس بجانبها، دون أن تشعر بما أشعر به.

حمَلْتُ حقيبتي، واتجهتُ إلى غرفتي. لمَحْتُ الدميتين؛ الشقراء والسوداء، تزيّنان رفوف الخزانة بأناقة. أصابني الهلع، وتذكّرْتُ دميتي المنسيّة.

فجأةً، قلت في نفسي:

هذا مكانها الصحيح.. هنا يجب أن تكون.

عدْتُ مسرعةً، حافيةَ القدمين، بشعري المبلّل، وأنا أكاد أتعثّر بظلّي، إلى كومة الأشياء العتيقة، لأحضر دميتي المسكينة، وأضعها بجانبهما.

لم أكن في حاجة إلى أن أبحث عنها طويلاً.. فلقد كانت هناك.. نعم، كانت هناك.. مع بقية الأشياء، في الحاوية.. تحترق..!



* أديبة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش