الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العيد

تم نشره في الجمعة 22 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

رشاد رداد *

لم أكن أعرف، في تلك السنوات الأولى، أني بلا أب، ولم أكن أعرف سر ذلك اليوم حينما كانت توقظنا أمي، قبيل الفجر، مع أصوات المساجد، وهي تستعد لاستقبال المصلين.

كنّ يجتمعن في حوش دارنا: أمي وجدتي وعمتي وزوجة أبي التي لم أستطع فك هذه الشيفرة إلا بعد مضي بضع سنوات.

ورجال قليلون كانوا كذلك، ليبدأ بعد ذلك الزحف الكبير نحو المقبرة، ما أن نصل إلى الشارع المقابل لها حتى نشاهد الجموع الغفيرة وهي تهبط من المخيم وأماكن أخرى اتجاه المقبرة.

أما نحن الصغار فكنا نشعر بفرح عظيم وبهجة ونحن نتقدم تلك الجموع ولم نكن نعرف مغزى تلك الزيارة السنوية أو الرحلة العائلية.

جموع راجلة من نساء وعجائز ورجال وأطفال بأزياء داكنة.

كانوا محملين بالقهوة والشاي والحلوى، فيما آخرون كانوا يحملون سعف النخيل وأكاليل الورد، ما أن نصل المقبرة حتى يجلسوا عند قبر عرفت فيما بعد أنه قبر أبي. فيبدأون بقراءة الفاتحة ثم الدعاء ثم البكاء، فيما يبدأ المرتلون المتجولون بالدوران بين القبور، وهم يرتلون القرآن مقابل أجور زهيدة، والفرصة تكون مهيأة للمتسولين الذين يجمعون الحلوى والخبز والمال والتمر، فيما كنا نحن الأطفال نقفز ونلعب بين القبور، غير عابئين بحزن ودموع الجالسين على جنبات القبور.

وأذكر كيف كانت جدتي تناديني لأسقي الريحان عند طرف القبر، فكانت تقبلني وتبكي، ثم تتمتم بكلمات لا أفهمها لأنطلق مع الصغار مرة أخرى، وبعدما كبرت وعرفت تلك الأسرار مرت بخاطري هذه الذكريات قبل أيام ونحن في وداع صديق داهمه الموت فجأة، حملناه في سيارات فخمة إلى مقبرة نائية غير تلك المقبرة لم أر فيها شجرة ولا أكليل ورد ولا دموعا ولا حزنا، كانت جافة وقاحلة، لا يصلها متسولون ولا مرتلون ولا باعة سعف نخيل، ولم يعد هناك جموع غفيرة تنتظر فجر العيد، فالعيد تغير، والمقبرة تغيرت، والموت لم يعد له وقار وهيبة.

أودعنا صديقنا في حفرة جاهزة، أهلنا عليه التراب، ثم عدنا بسيارتنا، وصورة تلك الجموع ما زالت عالقة في خيالي كلما أودعنا عزيزا في تلك المقبرة النائية.



* أديب من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش