الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النرجسيون الجدد

رمزي الغزوي

الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 1992



عطّل شاب حركة السير خلفه ليلتقط لنفسه صوراً وهو يتمترس في سيارته العتيدة. فبعد أن عدّل تسريحته، مدَّ يده بهاتفه الواسع، ثم دوزن رقبته يميناً ويساراً، وفرج عن أسنانه، وعصر وجهه بابتسامة قبل أن يشتعل البرق.

لم تفلح عشرات الزوامير بإيقاظه من غروره وأنانيته. ولهذا ترجل سائق السيارة التي خلفه صارخاً: (يعني عشان السيلفي تاعك بتسكر الطريق علينا). حرام عليك. لكن الشاب تهيأ لسيلفي آخر، عندها صرخ فيه كبركان: يا زلمة إيدك قصيرة، ورأسك كبير، يعني السيلفي ما بزبط على هالشكل اللايق!. عندها فقط انتبه الشاب وسحب القنوة (عصا غليظة) من تحته، ونزل معربداً مزبداً. ولولا لطف الله لعلقنا في أزمة دموية.

سيلفي هي كلمة تعني أن يلتقط الشخص صورة لنفسه، أو لمجموعة من الأصدقاء أو الأقارب حوله. وقد غدت من أشيع الكلمات، حتى أنها دخلت قاموس أكسفورد ككلمة فرضت حضورها على لسان العالم بكل لكناته ولغاته.

كنا نستهجن الذين يتحدثون إلى أنفسهم ويشبرون بأياديهم، وهم يجرون مكالمة بالبلوتوث. اليوم لا نكاد نلمح إلا الهواتف تمتد أمام وجوه أصحابه المشدودة بابتسامات عابرة لتكون الصور بعد ثوان معدودة سيلاً تفيض به شبكات التواصل الاجتماعي.

الناس انجنت. هكذا يقول صديقي كلما رأى بنتاً أو شاباً يقف في الشارع يلتقط صورة لنفسه بكل نرجسية بغيضة. والعالم الاستهلاكي يلاحق هذا الجنون، فانتشرت بسرعة الضوء عصا السيلفي، وهي عصا تستطيع أن تثبت هاتفك برأسها لتلتقط لنفسك صورة أدق تسديداً، وأتوقع أن تصبح هذه العصا عكازا شائعاً.

علماء كثر أكدوا أن السيلفي يشي بوجود اضطراب نفسي خطير عند من يكثرون منه، وجمعية لحماية المستهلكين في روسيا أطلقت صرخة أنه يسبب انتشار القمل حينما تقترب الرؤوس للتصوير، ولكنها ضائعة كهمسة نسر في العلالي. فلا أحد يسمع إلا صوته، ولا تقنعه إلا صورته. بدليل أن جل صور الفيسبوك هي سيلفي، وأتوقع أن يغزونا (النيكسي) قريباً.

قبل فترة وجيزة أطلقت شركة تكنولوجية سوار يد ككاميرا رقمية تتحول إلى طائرة بأربع مراوح تحلق بالقرب من وجه صاحبها وتلتقط له الصور وتتابع تحركاته، أو رياضته أو حياته أو جنونه. وعما قريب سنرى الطائرات الصغيرة تحلق كذباب فوق اصحابها: الجنون فنون!.

تدعي الأسطورة أن زهرة النرجس الجميلة كانت فتى يسمى (نرسيس)، كان يجلس جوار الماء يتأمل صورته، حتى تحول إلى نرجسة يتفتح تاجها الأصفر كل عام.

لو قدر لأنانيي هذا الزمن ونرجسييه الذين يتمترسون حول صورهم لتحولوا إلى أشواك تلسع الأرض بمزيد من الآلام والأوجاع. فكم جميل أن يحب الناس أنفسهم، دون أن يكرهوا الآخرين، أو يعطلوا حياتهم

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش