الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العرب .إلى أين

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 24 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 524



 لن تفلح كل محاولات التفاؤل في تغطية حقيقة التوقعات المفزعة للمستقبل العربي بمجمله خلال السنوات القادمة، لأن المؤشرات الواقعية على مختلف الصعد وفي معظم المجالات تحمل دلالات في غاية التشاؤم، والأشد رعباً على هذا الصعيد يتمثل بفقدان محاولات الانقاذ وانعدام الرؤية وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي.

انهيار أسعار النفط يشكل كابوساً مرعباً لمركز الثقل العربي على مستوى الدول الخليجية النفطية، التي كانت تشكل بارقة أمل في إعادة الإعمار للدول العربية المدمرة، أو تقديم المساعدة للاقتصاديات العربية المتدهورة، حيث تشير التوقعات أن الدول الخليجية سوف تشهد انتكاسة عميقة في ظل التوسع الهائل في الانفاق الذي كان سائداً في السنوات القليلة الماضية؛ عندما شهد النفط ارتفاعاً هائلاً في الأسعار حيث وصل سعر البرميل إلى ما يقارب (150) دولارا، في حين أنه الآن انخفض ما دون (27) دولاراً، وربما يستمر في النزول.

الحروب المدمرة التي تجتاح كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر لم تضع أوزارها بعد، وهي مرشحة للاستمرار بضع سنوات أخرى، واذا توقفت أو عندما تتوقف سوف تخلف حجماً من الدمار الهائل الذي يفوق التوقعات على صعيد البنية التحتية لهذه الدول، وعلى صعيد الجيوش والقوات المسلحة المنهكة، وعلى صعيد بنية الأنظمة الحاكمة ومؤسسات الدولة، وتدهور الاقتصاد والمصالح، فضلاً عن التدمير الاجتماعي الذي طال الإنسان في المدن والقرى والأرياف الذي خلفته  الحرب على صعيد الروابط والعلاقات بين مكونات المجتمع الدينية والعرفية والسياسية.

أما الوجه الأكثر بشاعة الذي سوف تظهر ملامحه على الجيل القادم الذي فقد التعليم الأساسي، وعانى من التحطيم النفسي ومرارة التشرد واليتم، والذي سوف يعاني من شروخ عميقة في منظومة القيم، وفقدان الانتماء للوطن والمكان.

يبدو أن فورة النفط سوف تتلاشى خلال سنوات، ولم تشكل فرصة لدى الأغلبية الساحقة من الدول العربية التي عجزت عن تحويل هذه الثروة الهائلة في بناء الاقتصاديات الانتاجية العربية، وقد امتدت هذه الفورة النفطية لمدة نصف قرن، ومع ذلك لا نشاهد سيارة عربية، ولا كمبيوترا عربيا، ولا هاتف نقال عربيا، ولا الكترونيات ولا صناعات ثقيلة ولا خفيفة، وتراجع الانتاج الزراعي الغذائي تراجعاً مريعاً على صعيد القمح والحبوب والسلع الغذائية الرئيسية؛ فأمة العرب تستورد غذاءها وملابسها وسياراتها وساعاتها وهواتفها و..... القائمة تطول.

وفوق كل ذلك فما زالت المنطقة العربية تعاني من جفاف هائل على مستوى الديمقراطية في عالم السياسة والحكم، وما زالت الأنظمة القبلية والعسكرية هي النمط السائد الذي يعطل المشاركة الشعبية الحقيقية في إدارة شؤونها، ويحرمها من حقها في  تقرير مصيرها، والمشاركة الحقيقية في صناعة مستقبلها ومستقبل أجيالها  وتحديد خياراتها.

التعليم لا يشهد تقدماً إلى الأمام، وما زال التعليم الحكومي في غرفة الانعاش، و يشكل معضلة مستعصية يصعب معالجتها، أما التعليم العالي والبحث العلمي فهو حالة مبكية تستحق الرثاء، وموازنات البحث العلمي في الدول العربية تدعو إلى الخجل، ولا تكاد الجامعات العربية تجد موقعاً في التصنيف العالمي المعتمد، وإذا وجدت  جامعة أو جامعتين في آخر قائمة ال(500) جامعة، فهي ضمن التحايل الشكلي والنظري الذي لا أثر له في الواقع والميدان.

التطور الذي يمكن أن يشاهد بوضوح في عالمنا العربي، فهو يكاد ينحصر في دائرة  الفساد، الذي استطاع أن يطور أشكاله الحديثة، وأن يطور في الأدوات والوسائل وأساليب التخفي المشرعن، واستطاع أن يدير نفسه بنجاح، ووصل إلى مرحلة التمكن التي جعلته قادراً على تدمير الدولة إذا تم المساس بمصالحه ومكاسبه، فكيف يستطيع المتفائلون أن يلتقطوا وميضاً مبشراً في هذا الليل العربي الدامس والمستقبل المدلهم، لأن التفاؤل الصادق يجب أن يبنى على معطيات منظورة على الأرض وعلى ايجاد بداية فعلية مبشرة.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش