الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مافيات الآثار والمتاحف

د. رحيل محمد غرايبة

الاثنين 25 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 524



أثار الخبر المحلي المنشور في وسائل الإعلام حول اكتشاف عملية تبديل المسكوكات الذهبية المحفوظة في متحف الآثار الأردني في جبل القلعة وسط العاصمة، شكوكاً عديدة وهواجس كبيرة  لدى المواطن الأردني، ولدى  بعض المهتمين وأصحاب العلاقة على وجه الخصوص، بأن هناك مافيات وعصابات متخصصة في سرقة الآثار والاتجار بها، وأن هذه المافيات تحظى بشبكة علاقات واسعة مع بعض المتنفذين وأصحاب مواقع المسؤولية، من الذين يسهلون عملية السطو على الآثار الأردنية، ونهبها وسرقتها أو القيام بعمليات تبديل وتزوير وخداع.

الآثار في عرف الدول والأمم التي تحترم نفسها وتاريخها وتراثها، تشكل جزءاً من هويتها الوطنية وشخصيتها الثقافية، وتعد الآثار الموجودة فيها كنوزاً قيمة لا تقدر بثمن، ولذلك تعمل جاهدة على صيانتها وحراستها وحفظها، وتأمين حماية فائقة لها، حتى لا تصل إليها أيدي بعض ضعاف النفوس المتجردين من الحس الوطني، أو الذين ينظرون إلى موضوع الانتماء الوطني بروح الدعابة والاستخفاف والسخرية، ولا يرون في الوطن ومقدراته وتراثه وآثاره إلّا مصدراً للإثراء والاتجار والبيع والشراء، فلا شيء مقدس لديهم و في عرفهم.

الآثار الأردنية المنقول منها وغير المنقول، وما تم اكتشافه وما لم يكتشف، وكل ما تحويه الأرض الأردنية وما عليها، يعد ملكاً للشعب الأردني كله، وملكاً للأجيال المتتابعة إلى يوم القيامة، إذ يجب أن تتحمل الحكومة ودائرة الآثار كامل المسؤولية التاريخية والدينية والوطنية في كيفية حفظها وصيانتها، وملاحقة اللصوص الذين مارسوا السرقة أو تواطئوا مع العصابات العابرة للحدود التي تستغل الظروف السياسية ونقاط الضعف المتعلقة بهذا الموضوع على وجه الخصوص، ومن حق الأردنيين أن يطلعوا على نتائج التحقيق الذي جرى ويجري في هذه المسألة.

هذه المشكلة تثير القلق لدى المواطن الأردني، من حيث تنمية ذلك الشعور المرعب  أحياناً باللامبالاة لدى بعض أصحاب المسؤولية، أو تغذية الاحساس بالتسيب لدى فئة مريضة ضعف الانتماء الوطني لديها بطريقة مريعة، ولا يرون في الأردن إلّا محلاً لقضاء الحاجة.

ظلال هذا الموضوع وآثاره  أكبر بكثير من حجم الخسارة المادية في موازين الربح والخسارة، لأن المعيار الأكثر أهمية بهذا الخصوص الذي ينبغي الالتفات إليه بجدية كبيرة؛ يتمثل بتنمية الشعور بالاطمئنان لدى المواطن بانتماء صاحب المسؤولية لوطنه وبلده، وتنمية الشعور لدى المواطن بالاطمئنان على هوية بلده وتراثه الوطني وكنوزه الأثرية، وأنه ليس معرضاً للضياع والسرقة والسطو والتهريب عبر الحدود.

إن حجم الجريمة التي يرتكبها الموظف المسؤول كبيراً كان أو صغيراً  في متحف أو في أي دائرة حكومية مختصة بالمحافظة على المقدرات الوطنية، أو تتولى المحافظة على كنوز البلد الأثرية؛ عندما يستخف بمسؤوليته، أو عندما يشعر بالضعف أمام بعض الاغراءات أو بعض الدريهمات، تعد جريمة كبيرة وضخمة في آثارها السلبية على جملة الشعور الوطني، وتصل إلى مرتبة الخيانة الوطنية التي تستحق عقوبة رادعة.

إن أشد ما يؤدي إلى الشعور بالمرارة والغيظ لدى المواطن الأردني عندما يشاهد بعض المنتسبين إلى الوطن شكلاً لا جوهراً، وممن ينتسب لهذا لبلد عبر الوثائق وجوازات السفر، ولكنه يعاني من جفاف وقحط شديد بالشعور والانتماء الوطني، مما يجعله يضحي بالوطن والشعب في أول محطة اختبار، فهؤلاء لا يدركون معنى الوطن ولا يدركون معنى الوطنية، ولم يحس أحدهم بتباريح الشوق للوطن، ولا يعاني من لوعة الحب لترابه المقدس، ومن أكثر الأمور غرابة عندما يتحدث بعضهم عن هذا الموضوع قائلاً : «الوطنية وثنية» أي أنه يعتبر الانتماء للوطن وحب الوطن نوعاً من الطقوس الوثنية، وربما يصل مثل هذا الشخص إلى موقع النيابة عن الشعب في بعض الأوقات، وربما يصل إلى المواقع الأولى على صعيد بعض الأحزاب والقوى السياسية المعتبرة، وبعضهم قد يتسنم بعض المناصب السياسية بالدولة، وهو لا يرى الدولة والوطن إلّا عبارة عن مجموعة من المكاسب المادية لشخصه وحزبه وفئته  وعائلته .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش