الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هـؤلاء أفـرزوا أسـوأ مـا فيـنـا

حسين الرواشدة

الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
عدد المقالات: 2558
ما رأيناه في الجامعة الأردنية نهاية الأسبوع المنصرف هو بالضبط ما فعلناه بأنفسنا على امتداد عقدين من الزمان على الأقل، أرجو هنا ان لا نضع اللوم كله على هؤلاء “الشباب” الذين حوّلوا الجامعة الى ساحة صراع جهوي، ولا على إدارة الجامعة التي وقفت مكتوفة الايدي أمام “الفضيحة”، ولا على وزارة التعليم العالي التي وقفت ولا تزال تدور في حلقة مفرغة ولا تعرف ماذا تريد..نحن جميعا نتحمل مسؤولية هذا العبث الذي جرى في نواميسنا الوطنية والتعليمية على حد سواء، وما شاهدناه هو صورة مجتمعنا الذي افرز أسوا ما فيه، بعد أن أهملنا وتركنا لأشواكه وأحساكه ان تنمو وتتكاثر، بل وتعهدناها بالرعاية انها ستحمينا من خطر امتداد الفسائل التي يعتقد البعض انها تهددنا.
لم يفاجئنا ما حدث، لأننا عشنا بعض فصوله في بعض جامعاتنا التي تعرضت لسلسة من الصدامات وأعمال العنف، وفي أخرى ارتفعت اسوارها واختنق من بداخلها بفعل المقررات الخاطئة، لكن لا شك ان صدمتنا بكل ما جرى يفترض ان تحرك فينا سؤالاً واحداً وهو: لماذا لا نزال صامتين امام مثل هذه الكوارث حوّلت حرم الجامعات الى ميادين عنف واشتباك بالأيدي والأسلحة البيضاء، هل المشكلة لا تستحق منا ادنى اهتمام، ولا تستدعي ان ندق ناقوس الخطر، هل هذا الانقسام المخجل في مجتمعنا مجرد “غيمة” عابرة ام انه حالة تحتاج الى مراجعات وحلول عميقة قبل ان تتوسع وتتحول الى ظاهرة مرعبة، أرجو ان لا يسألني أحد لما حدث ذلك، فقد سبق وخرجت عشرات الدراسات والنقاشات بما يلزم من تشخيص وتوصيات، وكدنا “نتفق” على ان التعليم العالي في بلادنا قد تراجع، وان إصلاحه، لا تعشيبه فقط أصبح فريضة الوقت كما ان واقع جامعاتنا ابتداء من آلية القبول مروراً بالبرامج الدراسية وانتهاءً بالإدارات والمخرجات وصلت الى طريق مسدود، في كل مناسبة نكرر تحفظاتنا على طريقة اختيار مجالس أمناء الجامعات، وتعيين الأساتذة، والحريات الاكاديمية التي انحدرت، والتدخلات الخارجية التي أفرغت الجامعة من دورها ومهامها، والفقر المعرفي والسياسي الذي “فرّغ” الطلبة لتنظيم المشاجرات فقط.
لم تكن السياسة بعيدة عن المشهد، فقط كان لدى جامعاتنا في وقت مضى مساحات للعمل الطلابي من خلال الاتحادات والأندية والنشاطات المختلفة، كان الصراع بين الطلبة آنذاك يدور على تخوم الفكر والسياسة، كان إطار “الوطن” يتسع للجميع قبل ان تداهمنا الولاءات الفرعية، والعنتريات القبلية، كان يمكن للجامعة ان تستوعب حماسة الطلبة وطاقاتهم من خلال العمل الطلابي المنتظم، لا من خلال المقررات التي تسقط بالباراشوت من الإدارات المعزولة اصلاً عن الطلبة، الآن تغيرت الصورة تماماً، فالجامعة أصبحت مدرسة وطلابها تحولوا الى ناطقين باسم مناطقهم وعشائرهم، أليس هذا ما تعلموه منا حين نمارس السياسة، وحين نحدثهم عن موازين العدالة، وحين يكتشفون اننا خدعناهم واورثناهم خيباتنا على كل صعيد.
الآن، لم يقدم من يدعو الى محاسبة هؤلاء الطلبة الذين خرجوا على القانون وحطموا ابنية جامعاتهم وممتلكاتها، ولن يقدم من يحمل الجامعة مسؤولية ما حدث، وربما من يعتقد ان الحلول الأمنية أصبحت هي “الكيّ” الأخير، لن يلتفت هؤلاء الى أن الطلبة وفدوا من بيئات اجتماعية ومدارس ومن مجتمع ايضاً تعلموا فيه ما رأيناه في شوارع الجامعة وكلياتها من مشاهد صدمتنا جميعاً، لن نعترف أيضا بأن السياسة التي تعطلت، والعدالة التي تراجعت، والاصابات التي طرأت على قيمنا، والمقررات الخاطئة التي واجهنا بها مشكلاتنا وازماتنا، والإهمال الذي تعاملنا به مع شبابنا، كلها انتجت مثل هذا الجيل الذي أصبحنا اليوم “نتبرأ” من تصرفاته، ونحتشد لإدانته والمطالبة بمحاسبته.
ألم نسأل أنفسنا حين تضييق الإدارات الجامعية بطالب ن طلابها فتفصله لمجرد ان صوته ارتفع مطالباً بحقوق زملائه عن الرسالة التي وصلت، ألم نسأل أنفسنا حين نتعمد تفصيل اندية واتحادات الطلاب بمواصفات “مضمونة”، عن الهدف الذي نريد ان نصل اليه، وعن الانتماءات التي نحاول ان نغذيها، وعن النشاطات “الوطنية” التي ستقنع الطلاب انهم في جامعة وليسوا في حارة؟
ما فعلناه بأنفسنا، وليس فقط ما فعلته الحكومات بنا ها تحصد “ثماره” في جامعاتنا وفي مؤسساتنا وفي شوارعنا، سواءً على شكل عنف طلابي، او خيبات امل ومواقف وصور مخجلة، او جرائم ومخدرات وانتحار وفساد وانحراف، ومن يلوم من؟ ما دام ان الجميع استقالوا من مسؤولياتهم، وآثروا الجلوس على مقاعد “المتفجرين” وما دام ان معاناة بلدنا لا تزال خبراً متداولاً يتكرر كل يوم دون أن يثير انتباه أحد..
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش