الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خلف شباك نصف مفتوح

رمزي الغزوي

الثلاثاء 26 كانون الثاني / يناير 2016.
عدد المقالات: 1992



قبل أن نعرف نشرات الأرصاد الجوية التي أربكتنا وشتتت اهواءنا، كنا ببوصلة الغريزة العتيدة نحزر أن في أثداء السماء ثلجاً يانعاً، مثل قطن  للتو نفشته أمي من وسائدنا، فعندما يكون قرص الشمس لامعاً وصافياً بعض الشيء، وحامياً إذ يحرق عين العصفور، في يوم ذي برد وسكون، كنا نتفاءل ونسمي هذه الحالة الفريدة (الشمس المطرودة)، وندرك أن الأمر لا بدّ ويسفر عن وجبة ثلج طازجة، وأن السماء تخبّئ لنا هدية حان حينها!.

نحمد الله على النعمة الطيبة، وننتظر ثلجا أغزر وأكثر، فشتاءاتنا الجميلة المفعمة بالخير والطيب تظلُّ كسيحة، تسير على كرسي مدولب، ما لم يأت الثلج جنرالاً منتصراً يفرش بساطه الأبيض، فوق عروس روابينا، فإذا هلَّ حلمنا الكبير، دب الفرح في العروق دبيب النمل؛ فنطير مرحاً كفراشة نار لعوب؛ نبحث عن غيمة أخرى كانت تشبه حوتاً سميناً، نهزّها من جذوعها، هزّ الجائع لنخلة الرطب، وننتظر هذا الجميل أن يتساقط؛ « ثلج..ثلج..ثلج!».

وكنا إذ ننسحب من دفء فراشنا الثقيل، مفعمين بأمل يوم عطلة جميل، فنهرع إلى الشبابيك الموصدة، نفتحها قدر إصبعين، ونمد النظر بخبث صغير:  قد شاب الشجر فما أجملنا مع شيب الشجر، فنسرع إلى جدنا المكتنز بفروة الصوف لصق مدفأة الحطب، فنشكو إليه شيخوخة الشجر الطارئة، فيحزن لنا قليلاً أو يتحازن، إذ وصل الشجر سريعاً إلى أرذل العمر!، ثم يقول كولد جريء: إلا الشجر، فشيبهُ الشجر أول الخير، وباكورة العمر!.

والثلج إذا ما هطل غزيراً وكبيراً ممتلئاً كنا نسميه (آذان القطط)؛ ونُشنِّفُ آذاننا على اتساع صيوانها؛ نسمع قطط السماء الحنونة، إذ تموء على الفئران الخانسة في دفء الجحور!، ولهذا أرسلت آذانها ترصد حسيسها، فهلمي أيتها السماء، وادخلي بيتنا الدافئ، هلمي قبل أن يحزنك البرد!!.

في حضرة الثلج وأجوائه، كانت تشتعل المعارك نصف البرئية في الحارات، فنقفز فوق سواتر الخجل، ونلعب مع البنات ونرشقهن من فوق أسطح البيوت، بقنابل ثلجية تعج بالأمنيات والقُبلات. ووحدها البنت التي لم تقو على خجلها الناعس، لاذت خلف الشباك النصف المفتوح، وراحت تتلمظ على كرة ثلجٍ صائبة من ولدٍ عشَّش في البال منذ شتاء فات!.

فمرحى لبوصلتنا الشفيفة، إذ ترصد شمساً طردها البرد تكشف فينا ثلج المرح، ومرحى لمعاركنا نصف البريئة، وكم أتوق لقنبلة ثلج مرصوصة مرصعة بدفء القبلات!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش