الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جديد العقل في العمل الديني

تم نشره في الجمعة 29 كانون الثاني / يناير 2016. 07:00 صباحاً

 انطلاقا من المبدأ الاعظم من وراء الوجود الإنساني وغايته القصوى وهي عبادة الله الواحد الاحد، يفتتح د.طه عبد الرحمن مؤلفه القيم بالآية الكريمة

“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.” سورة الذاريات، الآيات 56-58.

وهذه إشارة لبيبة وتنبيه عارف بالغاية السامية التي من اجلها خلق الإنسان، واستخلف في الأرض، وتعرض لكل انواع الابتلاءات ليبرهن في امتحانه اليومي مع نفسه، ومع خالقه والناس اجمعين أنه اهل لما خلق له، وهو عبادة الله، وتفريده بالربوبية ومعرفة أسماءه وصفاته والاعتقاد في معجزته وكتبه ورسله وما يتبع ذلك من شتى ضروب الاعتقاد اللازمة للمؤمن الصالح المجاهد التابع.

يفتتح د.طه عبد الرحمن في مقدمته القول في مسألة هي من أجل القضايا على الإطلاق في زمننا هذا، وهي مسألة “اليقظة الدينية”، كما أسماها صاحب المؤلف “العمل الديني وتجديد العقل”، لتعبير صادق لاحتواء الظاهرة من أجل دعمها بالسند الفكري على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة، وذلك لما يراه الفيلسوف المنطقي من افتقار لدى اهلها لتأطير منهجي محكم، ولتنظير علمي منتج، ولتبصير فلسفي مؤسسس.

فما يلاحظه من اقتران “اليقظة الدينية” بظاهرتين مشبوهتين وهما الغلو في الاختلاف المذهبي والخلو من السند الفكري، يدفعه كمسلم متيقظ إلا أن يتدبر في النتائج الوخيمة التي يمكن ان تترتب عن الظاهرتين، وهذا من مؤداه تراجع تلك اليقظة بأسرع مما استغرق وقت ظهورها، وعودة الغفلة بأشد مما كانت من قبل. مما دفع بالمفكر الفيلسوف وحمله على الاجتهاد في الوسائل التي تدفع أسباب أي تراجع قد يدخل على “الجلوة” الإسلامية. ويعمل على جلب أسباب التكامل الذي يقيها الانقسام والتشتت، بتدعيمها بأسباب التجديد الذي يحفظها من الجمود والتوقف والتراجع، قاصدا بذلك تحقيق التكامل والتجديد لا التنافر والتحجر.

وبذلك لا تكتمل اليقضة الدينية ولا مقاصدها الجامعة، إذا لم تستوف شرطين أساسيين، يصنف د. طه احدهما ضمن ما أسماه “التجربة” والآخر “التعقل”. فلا يحصل التكامل في اليقظة الإسلامية إلا بطريق حصول التجربة الإيمانية الموصلة لمكارم الاخلاق، وهذا من شأنه ان يستبعد أسباب الفرقة والتنابذ ويوطد أسباب التفاهم والتآلف.

ومع ذلك لا نجد لدى د.طه عبد الرحمن شرحا مفصلا لنوعية التجربة الإيمانية ولا للكيفية التي تتم بها، ولا الغايات التي يقصد بها سلوكا، إلا ما ذكره من مسألة التخلق والتآلف ونبذ الفرقة وما يوازيه من سوء الخصال.

وأما عن شروط التعقل الموصل لتجدد اليقضة الإسلامية عن طريق تأطير وتنظيم وتأسيس التجربة الإيمانية بأقوى المناهج العقلية والحجج المبنية التي تربك خصوم العقيدة وتبطل أدلتهم، فقد خصها الأستاذ بالبيان وأظهر السبل الفكرية والمنطقية لمحاجاة الخصوم .

وجمعت مساهمته الداعية إلى تحقيق تكامل “اليقظة” بتجديدها عن طريق التجربة الحية والتعقل الخصب، وهو الذي تمخصت عنها تجربته الإيمانية وأثمر عنها توغله في المعرفة العقلية، وهو الذي توج بالتيقظ الذي لم يكن ليحصل لولا اجتماع شرطي التكامل والتجدد المذكورين. إذ كان لدخول صاحب “العمل الديني وتجديد العقل” في تجربة إيمانية من أثر عميق، بدل احواله وأوصافه، ووسع آفاق مداركه ومشاعره، مما أيقظ فيه أيباب المواظبة على العمل ودواعي الألفة والمحبة للخلق. وما عرفه إثر تلك التجربة الإيمانية من إقبال على تحصيل المناهج العلمية في اصولها المنطقية وآلياتها الإجرائية، حتى تطورت لديه القدرة على انتهاج طرق في البناء والترتيب المستوفية الشروط النظرية المطلوبة، وصار عنده دافع النهوض بإبطال أدلة خصوم العقيدة أمرا يسيرا هينا. وعبر متن طيات كتابه هذا سنرى كيف واجه الرجل خصومه من الداعين للعقلانية وحدها بدحضه لأصول العمل العقلي فأبعاده المختلفة وفي ممارساته المتباينة.

ويقر المؤلف د.طه عبد الرحمن بحقيقة مخالفته للمشهور من مقالات الجمهور، فيما يذهب له لما رآه من الحق الصريح وما أخذ فيه بمقتضى الدليل الصحيح، وبذلك فطابع الكتاب حجاج منطقي ورد عقلاني على ما يذهب إليه خصومه، وذلك بإبطال دعاوى الخصوم ونقض أسس طرحهم العقلي بالأدوات والآليات المنهجية العقلية المنطقية التي اكتسبها د. طه عبد الرحمن من مساره الفكري ومساهماته المنطقية في باب الفكر المغربي خاصة والعالمي عامة.

ويلحظ ان المؤلف صب اهتمامه على العقل خاصة وبذلك فقد اختصه بالبحث في كل أبواب الكتاب، إذ اختص الباب الأول منه بالنظر في العقل المجرد وحدوده. فانطلق المؤلف ببيان المقدمتين التي يستند إليهما في العقل المجرد وهما : انه فعل من الأفعال وليس ذاتا من الذوات، وان هذا الفعل تتطرق إليه حدود منها الخاص، ومنها العام. وركز في هذا الباب على بيان الحدود المتعلقة بالعقل المجرد من خلال الممارسة النظرية الإسلامية، عبر النماذج التي اختارها المؤلف. كما قام ببيان الحدود العامة للعقل المجرد التي تمثلها في ثلاثة أصناف من الحدود : منطقية وواقعية وفلسفية.

بينما اختص الباب الثاني بالنظر في العقل المسدد وآفاته، إذ انطلق المنطقي طه عبد الرحمن من المقدمتين التين يستند إليهما العقل المسدد، وهما انه يأخذ بالعمل الشرعي وانه معرض لآفات خلقية وعلمية. كما فصل القول في الآفات الخلقية من تظاهر وتقليد من خلال الممارسة الفقهية، وانصب بالتعرض للآفات العلمية من تجريد وتسييس من خلال الممارسة السلفية.

واما الباب الثالث، فقد خصصه للعقل المؤيد وكمالاته، إذ ينطلق من المقدمتين اللتين يستند إليهما هذا العقل، وهما: انه يقوم على التجربة الحية وانه يطلب كمالات تحقيقة وتخليقية تجلت في الممارسة الصوفية. وهذا يسوق المؤلف للحديث في الكمالات التحقيقية الآخذة بمبدا التحقق الأفضل ومبدأ التخلق الاكمل. ثم يعرض المؤلف للكمالات التخليقية ببيان مكانة النموذج في التربية الدينية ووظيفة التعبير الإشاري في هذه التربية، مع توضيح الصفة الإلزامية لمهمة التخليق وما يترتب عن التصدر لها من غير استحقاق.

وبذلك يلاحظ ان العقل هنا ياخذ مراتب ودرجات لدى المؤلف وان أبلغ الدرجات لديه ما اقترن وتعلق بالتجربة الإيمانية الحية.

تجديد آليات ومنهاج التعامل مع التراث

في عصرنا الحالي ومنذ عقود من الزمن ساد الحديث لدى المفكرين العرب المسلمين والفلاسفة المحدثين حول مسألة الثرات وعلاقتنا بالثرات وكيفية العودة ومقاربة الثرات، وما عساه يمثل الثرات بالنسبة لنا كمخزون أصولي علمي وفكري واجتهادي وعملي في زمن المعاصرة. اختلفت المقاربات وتعددت أساليب ومناهج وآليات التي استخدمت في مقاربة الثرات الذي لا مناص من التعامل معه لأنه جزء ومكون من عقيدتنا وثقافتنا وفكرنا وسياسة تدبير معاشنا.

وكما يذهب إلى ذلك الفيلسوف صاحب المنطق وفلسفة اللغة الدكتور طه عبد الرحمن في أبحاثه التي خصصها لطرح أكبر قضية، هي كيفية مقاربة التراث شارحا مكانة التراث التاريخية وارتباطنا به لأنه مكون من عقيدتنا وموجه لأعمالنا ومتحكم في حاضرنا ومستشرف لمستقبلنا. فالأستاذ يعطينا آليات التعامل مع التراث ويوضح لنا المبادئ النظرية التي يلزمنا الانطلاق منها موضحا إياها في النقط التالية وفي مؤلفه القيم “تجديد المنهج في تقويم التراث”. ومن العنوان نقرأ تركيز الأستاذ على إقباله الجدي للتجديد في المنهاج الذي تم التعامل به مع التراث سواء من مفكرين سابقين او معاصرين له. ومن هنا أهمية العمل فهو منصب على التجديد في الآليات التي يتم التعامل بها مع التراث من واقع معاصر سادت فيه المناهج العلمية الحديثة ووصلت فيه العلوم اللسانية والسيمياية ذروتها في التطور، إذ اعتمد أغلب من قارب التراث تلك المناهج المعاصرة.

وأهم ما يميز مشروع طه عبد الرحمن هو الخروج عن الطريق الذي اتبعه مفكرو الغرب والعرب علي السواء في تقويم التراث الإسلامي العربي، والذي لا ينبني علي التوسل في هذا التقويم بأدوات منهجية مستمدة من خارج هذا التراث، وذلك بأن فتح هذا الفيلسوف المبدع طريقا جديدا في التقويم بأدوات منهجية مستمدة من خارج التراث نفسه، وهذا لا يعني أبدا أنه يستبدل مكان الوسائل الحديثة النافعة وسائل قديمة غير نافعة كما يتوهم المخالفون له، وما أكثرهم، لأنه تحري في وضع منهجيته لاستخراج هذه الوسائل الملازمة للتراث في أقسامه وأطواره أحدث المقتضيات المنطقية والمعرفية للمنهجية العلمية، ولما كانت وسائله في تقويم التراث مستنبطة من داخله بواسطة منهجية بالغة الحداثة، فإنها لا تضاهي الوسائل الحديثة المنزلة علي التراث من خارجه في قيمتها الإجرائية فحسب، بل إنها تفوقها في هذه القيمة، ذلك أن شرط المجانسة بين الموضوع والوسيلة المطلوب في كل منهجية صحيحة يتحقق في وسائله علي وجه التمام، ولا يتحقق إطلاقا في تلك الوسائل الخارجية المنزلة علي التراث، إذ الثابت أنها من جنس تراث غير إسلامي وغير عربي، فأقحمت إقحاما في تراثنا، علي تميزه عنها في أوصافه وأهدافه. ولهذا السبب، وغيره بالطبع، لا نتردد دوما في وصفه بالفيلسوف المجدد.

بالنسبة للدكتور طه عبد الرحمن فإن أغلب المفكرين الذين قاربوا التراث قد قاموا بإنزال تلك المناهج إنزالا تعسفيا، بدعوى “الموضوعية” و”السببية” و “الإجرائية”، ومن هناك يتموضع عمله التجديدي في المنهج المعتمد في مقاربة التراث. وقد استعمل في عمله التجديدي مفهوما محددا هو الاجتهاد في قوله : لهذا اجتهدنا في أن تكون المنهجية المستعملة في هذا البحث ثمرة اتباع المبادئ النظرية والعملية الآتية.”

ويروم طه عبد الرحمن من كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث”، الكشف عن خفي الأوهام وعن دقيق التلبيسات التي انبنى عليها المسار المعكوس في تقويم التراث الذي نهجه أبرز المفكرين العرب، ولا يخفي أنه يقصد بالأساس محمد عابد الجابري في مشروعه “نقد العقل العربي”. وفي هذا الكتاب نحا المؤلف منحى غير مسبوق ولا مألوف، فهو غير مسبوق، لأنه يقول بالنظرة التكاملية حيث يقول غيره بالنظرة التفاضلية، وهو غير مألوف، لأنه توسل فيه بأدوات “مأصولة” حيث توسل غيره بأدوات منقولة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش