الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المفارقةُ القصصيّةُ. قراءة في قصّة الطابور لمنال حمدي

تم نشره في الجمعة 5 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً



محمّد صابر عبيد *

تعدّ المفارقة تقانة جوهريّة أساسيّة في مجمل المتون الأدبيّة (الشعريّة والسرديّة) وحتى المتون الأخرى البصَريّة في الفنون الجميلة غير الكتابيّة، تضفي على الحالة الأدبيّة نوعاً من المسرحة القادرة على تفعيل حساسيّة اللعبة الفنيّة والجماليّة في فضاء المتن النصيّ، وثمّة أنواع لا حصر لها من المفارقة تتنوّع وتتعدّد بتنوّع وتعدّد الرؤية التي يشتغل عليها المبدع، وغالباً ما تمثّل المفارقة جوهر شعريّة النصّ حين تكون الفاعل الجماليّ الأصل في بنائه وتكوينه في صوغه النصيّ، بحيث يبدو النصّ من دونها عارياً ولا قيمة له البتة.

تنهض قصة (الطابور)(*) لمنال حمدي على تفعيل لحظة المفارقة سرديّاً لحشد ما أمكن من بذور المعنى القصصيّ في خلايا القصة، وتخضع القصة لتشكيل سرديّ يعتمد على حركة الكاميرا التي يسلّطها الراوي كليّ العلم على منطقة الشخصيّة الرئيسة، وهي شخصيّة أنثويّة تملأ الفضاء السرديّ بحضورها الاستحواذيّ من بداية القصة حتى نهايتها، وتشغل الطاقة الإيروتيكيّة المشحونة بالفعل السرديّ طبقات القصة وتوجّهها باتجاه الحلم، أو الوهم.

ثمّة عتبة تصديريّة ذات طبيعة سرديّة شبه فلسفيّة تطلّ من شرفة القصّة لتعبّر عن قلق جمعيّ من أسطورة الزمن، وتبدأ العتبة خطابها بإشكاليّة الحضور والغياب التقليديّة داخل فضاء المكان والزمن، ومن ثمّ التحوّل نحو ضفاف السرد العام بين الواقع والأمل:

(يقلقنا غيابنا عن مقاعدنا، وغيابنا عن أحاديث المتجولين داخل طرقات الأمل، فنحن نمنح أنفسنا قليلاً من الصبر، كأننا ولدنا اليوم، وأمس الغياب لم يكن، وغد الرحيل لم يأتِ)

فالغياب والزوال ومغادرة الأماكن وحواضن السرد المتاحة والمتناثرة على الأرصفة والطرقات، لهو التميمة التي لا غنى عنها للجميع كي يعيشوا نعمة القلق في ظلّ قليل من الصبر وكثير من الشكوى، ينعشُهُ الراهنُ الملموس والمبصَر ساعة الولادة في سياق حضورٍ إيروتيكيّ محتمَل لتجلّيات الجسد، إذ لا صوت للماضي بعد أن اندرج في سلّم الغياب، ولا وجه للقادم ما دام يقبع في قبو الغد المظلم، هكذا تتموّج عتبة التصدير تحت سلطة عتبة العنونة (الطابور) كي تعبّر عن وحشة الإنسان بين الواقع والحلم، بين الحقيقة والوهم، ومن أجل أن ينفتح المتن القصصيّ للـ (الطابور) على بؤرة هذه المفارقة في ميدان سرديّ إجرائيّ، يحكي حكاية الحلم/الوهم في مدار فضاء قصصيّ يداخلُ بين المكان والزمن.المشهد الاستهلاليّ مشهد مركّز تتسلّط فيه كاميرا الراوي كلّي العلم على المكان والزمن والشخصيات بدقّة وتكثيف وإحاطة لا تسمح بتشتّت الرؤية، في سياق تشكيل الفضاء السرديّ الحاوي للحدث ضمن محدوديّة زمكانيّة واضحة الحدود:الوقت يطول. يطول ويشبه الطابور الممتد أمامها. الناس تتشابه بملامحها التي تفصح عنها. وتفضح تعب نهارها، بإمكان أيّ مارٍّ تخمين حكاية ذاك، أو قصّة تلك.

سائق الباص يخبىء رأسه خلف المقود. يقضم قطعة خبز بعيد عن أعين الناس، ثمّ يعتدل بعفوية مصطنعة، ويمسح فمه من بقايا الطعام. بعدها تكون المقاعد قد امتلأت بالركاب. أما الفراغات المتناثرة بينها؛ فتكتظّ بالرجال الذين يضطرون للوقوف متقلقلين طوال الطريق. تأملها للمشهد ولّد لديها مللاً وشعوراً بالإحباط من إمكانية أن يصل دورها قبل فوات الأوان.

قميصها الفضفاض يلتصق بجسدها. العرق ينضح من مساماته، متّخذاً مسارب دبقة تسببت بها الشمس، والطابور المتراص، والمظلّة الوحيدة التي لا تقي المندفعين نحوها. ازداد وجهها اشتعالاً. تأففت وهي تردد بصوت خفيض.

« ليتني لا أسكن الرصيفة».

(الباص) هو الملتقى المكانيّ المحوريّ لحراك الشخصيّات وأفعالها السرديّة المتّجهة نحو هدف واحد يتمركز في الحصول على مقعد داخله حين يأتي دوره في الطابور، ثمّة شخصيات جمعيّة عامة تصوّرها كاميرا الراوي على شكل (الناس تتشابه بملامحها)، أو (أعين الناس)، أو (امتلأت بالركاب)، أو (فتكتظّ بالرجال)، تحيط بالشخصيّة الرئيسة وهي تتمظهر سرديّاً منذ مطلع السرد تمظهراً كثيفاً مهيمناً (ويشبه الطابور الممتد أمامها/تأملها للمشهد ولّد لديها مللاً وشعوراً بالإحباط/قميصها الفضفاض يلتصق بجسدها/تأففت وهي تردد بصوت خفيض)، على نحو ينتهي إلى بروز صوتها الداخليّ على مسرح الحادثة السرديّة وهي تحدّث نفسها: (« ليتني لا أسكن الرصيفة».).

 في حين تتمظهر شخصيّة سائق الباص في زاوية مهمّة من زوايا الاستهلال (سائق الباص يخبىء رأسه خلف المقود. يقضم قطعة خبز بعيد عن أعين الناس، ثمّ يعتدل بعفوية مصطنعة، ويمسح فمه من بقايا الطعام.)، كي تؤكّد حضورها وترسّخ صورتها التقليديّة المعروفة في مشهد السرد، وتستكمل الصورة العامة لأطراف الحكاية داخل المجال المقنّن في عدسة الكاميرا القصصيّة وهي تسعى إلى وضع المفردات المكوّنة للصورة ضمن مدى حركتها.

العلامة الإيروتيكيّة الظاهرة في عتبة الاستهلال تشير إلى رؤية قادمة في فضاء السرد القصصيّ (قميصها الفضفاض يلتصق بجسدها. العرق ينضح من مساماته، متّخذاً مسارب دبقة تسببت بها الشمس، والطابور المتراص/ازداد وجهها اشتعالاً. تأففت وهي تردد بصوت خفيض.)، تعمل هذه الرؤية على بناء الحدث القصصيّ انطلاقاً من بؤرة الفاعليّة الإيروتيكيّة للجسد، وتركيز الحراك التصويريّ لكاميرا الراوي على تجليّاتِ هذه المنطقة وخصبِ طبقاتها.

ما تلبث هذه العلامة الإيروتيكيّة في إشارتها الاستهلاليّة أن تتعمّق مباشرة بعد عتبة الاستهلال حين تدخل شخصيّة (الشاب) ميدان الحدث على هذا الصعيد:

انزلق الشاب الواقف خلفها إلى الأمام بتراص بدا غير مقصود، والتصق بها، وما لبثت لحظات قليلة حتى التصق أكثر، ملتفتاً إلى الخلف وعلى وجهه نظرة استياء مفتعلة، كأنّما دُفع دفعاً، ثم زاد من التصاقه بثقة أكبر، ارتبكت، وظلّت متسمّرة في مكانها.

أفعال السرد المتراصّة والمتداخلة بكثافة تستحوذ على المشهد القصصيّ وتخضِعُهُ لمنطقها الإيروتيكيّ الظاهر (انزلق الشاب/والتصق بها/التصق أكثر/زاد من التصاقه بثقة أكبر)، في حين تأتي استجابة الفتاة (ارتبكت، وظلّت متسمّرة في مكانها.) على نحوٍ مُكمّلٍ لتشييد صورة تبشّر بالتفاعل أكثر من القطع.

تتحرّك كاميرا الراوي نحو زاوية أخرى من زوايا المشهد لتصوّر لقطة حكائيّة تقليديّة طالما تحدث في هذا المجال الزمكانيّ المتكرّر، لكنّها تلتقط لمحة تصويريّة تقرّب كثيراً شكل التفاعل المُنتظَر بين الفتاة والشاب على مستوى الفعل البصريّ:

تحولت مشادّة كلامية أثناء وقوفها في الطابور، إلى شجار طال العديد من الواقفين في موقف الباصات. اختلّ نظام الطابور وتخلخلت أجزاؤه. استدارت للخلف تراقب ما يحدث، فاصطدمت بذاك الشاب الذي يقف خلفها وجهاً لوجه. كانت اعتقدت أنه استدار مثلها من باب الفضول. انطبعت ملامحه في مخيلتها، رغم أنها مجرد لحظة.

شخصيّة الفتاة هي المَعنيّة أكثر بالتواصل على الرغم من أنّ شخصيّة الشاب هي التي بادرت بتفعيل الحكاية بين الطرفين على هذا الصعيد، ولعلّ الأفعال العائدة على شخصيّة الفتاة في هذه اللقطة تحيل على حساسيّة الاهتمام المُرافق للحدث بصورة مركزيّة: (استدارت للخلف تراقب ما يحدث،/اصطدمت بذاك الشاب الذي يقف خلفها وجهاً لوجه/انطبعت ملامحه في مخيلتها، رغم أنها مجرد لحظة.)، وهو ما أتاح لشخصيّة الشاب وشجّعها على المضي قُدُماً باتجاه مواصلة رحلته الإيروتيكيّة مع جسد الفتاة (المُستقبِل) أمامه:

مدّ يديه ليلتحم بها، كأنه يعيد بذلك تركيب أجزاء لعبة تفككت للتو، وها هو يغلق فراغاتها، حبسها ارتباكها داخل الخطوة التي انغرست بالأرض فلم تتحرك، بينما أخذت تستسلم لشعور غريب اخترق جسدها لينساح بين يديه.

تتشبّع هذه اللقطة القصصيّة بالحسّ الإيروتيكيّ المتوزّع بين الشخصيتين على نحو أصيل ومتفاعل بطاقةِ تجاوبٍ كبيرةٍ، فشخصيّة الشاب تمارس فعلها بإتقان وإثارة (مدّ يديه ليلتحم بها، كأنه يعيد بذلك تركيب أجزاء لعبة تفككت للتو، وها هو يغلق فراغاتها)، بينما تتفاعل شخصيّة الأنثى لطبيعة الحراك الشعوريّ الجسديّ (حبسها ارتباكها داخل الخطوة التي انغرست بالأرض فلم تتحرك)، وتستجيب استجابة مطلقة لما يصلها من رغبة إيروتيكيّة تخترق مجالها (أخذت تستسلم لشعور غريب اخترق جسدها لينساح بين يديه.)، كي تحسم أمرها في الانتماء المطلق للحالة وتغييب الذات لصالح الآخر.

حكاية المفارقة تبدأ من أبرز لحظة تنوير سرديّة في القصّة حين يأتي دور الفتاة للصعود إلى الباص كي تحصل على المقعد الأخير المُتبقّي قبل انطلاقه، إذ سرعان ما تتنازل عن دورها بحجّةٍ ما تبقيها بين أحضان الشاب الذي احتضن جسدها واستحوذ عليه، وعلى الرغم من استغراب منظّم الدور لهذا التنازل في ظروف زمنية وطقسيّة صعبة، إلّا أنّه استجاب فوراً لطلبها ومنح المقعد الأخير لعجوز مُنتظِر:

لم تكن منتبهة لمنظّم الدور وهو يطلب منها الصعود إلى الباص:

ـ هيا استعجلي. لحسن حظّك جاء دورك قبل الأذان بساعة كاملة. اصعدي.

ـ أنا؟

ـ نعم أنتِ. لماذا تتلفتين؟

ـ طيب، سأصعد!

ـ هيا. لحسن حظك، لم يبق سوى مقعد واحد.

رفعت رجلها اليمنى تهمّ بالصعود. التفتت نحو الخلف كان الشاب ما يزال يمسح بعينيه تضاريس وجهها ويذيبها تحت شحوم وجنتيه، مما حفّزها للتراجع. لم تستعص الحجة عليها لتقولها لمنظّم الدور.

ـ ربّما لو أخذ عجوز دوري. أنا أتحمّل حرارة الشمس والجوع حتى أذان المغرب!

ـ كما تريدين. لكن قد يتأخر الباص التالي.

لم ينتظر ردّها. نظر إلى عجوز كانت تقف في الصفوف الخلفية، وأجلسها في المقعد المتبقّي، بينما أخذت هي بالانزلاق إلى الخلف. لكنها، هذه المرة، لم تشعر بشيء يلتصق بها سوى الهواء الحار يسبح في الفراغ ويحيل قميصها إلى قماش يابس. التفتت، فأذهلها اختفاء الشاب الذي كان يقف خلفها.

غير أنّ المفارقة تحصل هنا حين شعرت الفتاة بأنّها فقدت لذّة التصاق الشاب بها (التفتت، فأذهلها اختفاء الشاب الذي كان يقف خلفها.)، ومع أنّ كاميرا الراوي انشغلت كثيراً بتصوير الفضاء الحواريّ بين الفتاة ومنظّم الدور غير أنّ التركيز التصويريّ طالَ اللقطةَ السابقةَ وكبّرها، فالإحساس الإيروتيكيّ الميهمن على جسد الفتاة هو من قاد عقلها نحو التخلّي عن دورها لارتياد المقعد الأخير في الباص، ودفعها للتضحية به من أجل التواصل الحسيّ مع إيقاع اللذّة وقد تسلّط على جسدها وعقلها معاً، إذ إنّ اختفاء الشاب على هذا النحو يعني انتهاء الحلم الإيروتيكيّ وتحوّله إلى (وهم)، لذا واصلت الفتاة البحث عنه وتحوّلت عيناها إلى عدستي كاميرا تبحثان عنه فقط، على نحو أوقعها في بؤرة المفارقة الساحقة:

نظرت حولها تبحث عنه: «هل ابتلعته الأرض»!، وظلّت عيناها تدوران كقارب الساعة حتى وقع نظرها عليه, كان يندسّ في ممرّ الباص، بين المقاعد، ليقف وراء امرأة منحته ظهرها.

إنّ جملة (ليقف وراء امرأة منحته ظهرها.) وضعت شخصيّة الفتاة في سلّة المفارقة السرديّة القاضية، بحيث لم يكن أمامها سوى مداراة خيبتها على هذا النحو:

نظرت إلى ساعتها بهدما غاب الباص تماماً، وبدأت من جديد إما تنتظر باصاً آخر، أو أذان المغرب.

بما يقودها إلى العودة اليتيمة إلى ما قبل الحدث، وإدراج ما حصل في سياق الخسارة والفقدان، أو في سياق الوهم، من أجل القدرة على مواكبة الحدث وانتظار الدور من جديد في طابور بدا وكأنّه لا نهاية له، داخل سلسلة عميقة وشاسعة من الانتظارات المكتظّة بسلسلة لا تنتهي من أحلامٍ هي أقرب إلى الأوهام، فيما تنطوي عليه من خسارات وفقدانات وخيبات مرتهنة بمفارقاتٍ تكشف عن طبيعة الوعي الاجتماعيّ والثقافيّ الملتبس.

القصة بمجملها تنهض على فكرة المفارقة، إذ من دونها لا وجود لقصة أصلاً، وهي مفارقة ذات حساسيّة ضاربة في أعماق التجلّي الإيروتيكيّ للجسد، فالتواصل الجسديّ الخارجيّ العابر للسرد يخلق حالةَ وهمٍ لذيذةٍ تجعل الإثارة القصصيّة حاضرة، وقادرة على تمثيل الصورة السرديّة من البداية حتى النهاية.

(*) تلك الوجوه، هذه الأبواب، منال حمدي، منشورات وزارة الثقافة الأردنية، عمّان، ط1، 2010: 49 ـ 51.



* أديب وناقد من العراق



 



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش