الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في مديح الغائب

رمزي الغزوي

الخميس 18 شباط / فبراير 2016.
عدد المقالات: 1955



لا تخنقني خطوط تساوي الضغط الملتوية على الخارطة الجوية، في نشراتنا الإخبارية فحسب، بل ما يرفع ضغطي لتخوم الانفجار، ويكهربني حدَّ الإشتعال أنهم يقولون: سيكون الجو لطيفا هذا اليوم!. فأين هو اللطف في هذا الجو ودرجة الحرارة في منتصف شباط تقترب من الخامسة والعشرين!، فأي حر هذا الذي تسلل من حزيران يزاحمنا شتاءنا؟؟!.

قد يكون شهر شباط مخضباً ببعض الدفء، فهو إن شبّط وإن لبّط فرائحة الصيف فيه، كما تحفظ لنا ذلك ذاكرة أجدادنا، ولكننا بتنا نفتقد في هذا السنة الضبع (العرب تسمي كل سنة ممحلة وقاحطة بهذا الإسم البشع) للشتاء بكامل قيافته، وكامل تفاصيله وحميميته وألقه المعهود: نفتقد للبرق المابغت إذ يتفجر قرب الأفق فيشقق السماء، فتبدو كجذور شجرة طاعنة في التغلغل، نفتقد هذا الشتاء للبرق، إذ كنا نعاند الأمهات، ونخرج متسللين إلى شرفة البيت، كي نقتنص صورة مجانية، فنقف متصنمين قرب الحائط، ونبتسم حد توسع الوجه، ونقول بصوت مجنون: (جييييييييييييييز)؛ كي تكون الصورة التي تأخذها لنا كاميرا البرق عامرة بالسرور الضاحك: مرحى لذاكرة المطر تدغدغنا.

أين بوق الرعد يوقظنا بصوته المجلجل من حلم كسول، ويجعلنا نختبئ طيّ وسائدنا، ونتكور كجنين منعمين بدفء لذيذ؟!، أين المزاريب (تشقع) على عتبة البيت وتفيض. أين أزيز حبال الغسيل الفارغة، إذ تلوحها أرجوحة الريح، كي تنقذها من وحشتها الباردة؟!، أين أصابع المطر تدقدق على شباك الأغاني لساعات طوال.

أين قوس قزح الأرضي يتشكل متعرجاً كخيوط ملونة يجدلها السيل الصغير على جانب الطرقات، فتمتزج ألوانه بسلام؟!. أتنسى أيها الولد الثلاثيني، كيف كنت تقضي ساعات ما بعد المدرسة، تحت مظلة المطر!، وكأنك قط مبلول!. أين مظلتك التي لم تفتحها أبداً، بل ظلت على حالها، لأنك تضحك على كل من يتلقى مشط المطر بغير رأسه العاري: فكم أتوق أن أيجعل قطراتك أيها المطر تروي صحراء رأسي، علها تنبت شجري من جديد!.

أتنسى أيها الولد الكبير أصابعك المتجمدة في طبيخ الطين والحجارة، وأنت تبني سداً صغيراً. أو تنسى درجات الماء على ذلك الشارع المنحدر تنزل كأنها موجة كسلى، أتذكر أيها الطفل المدجج بالفرح كيف كنت تغمض عينيك، ثم تصعد تلك الدرجات: درجة درجة، وكأنك ترتقي جنات المسرات.

تقول النظريات العلمية بإن تأخر المطر، أو انقطاعه كان بسبب ظاهرة الإنحباس الحرري، ولكن صوراً من طفولة عامرة بالبراءة، تقول لنا على المكشوف: إن الانحباس الضميري وتبلد مشاعر الناس، وأنانيتهم المفرطة، جعلتنا نقف الآن على شفا الجفاف: فارحمنا يارب، ما زلنا على أمل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش