الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رجاء بكرية اللغة بعض تكوين الجسد والروح والنحت فيها خسارة فادحة للوقت

تم نشره في الجمعة 26 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً

    حاورها: عمر أبو الهيجاء

«امرأة الرّسالة»، روايتي الأثيرة، رفيقة حضوري في العالم العربي، هذا ما ذهبت إليه الروائية الفلسطينية رجاء بكرية، مؤكدة أن السّرد حقلٌ جاهز للزّرع، تمشيه شمالا جنوبا، شرقا غربا، ولا تتعب من «زَتِّ»، البذور في حفرٍ مفترضة لبيوت نملِه، مبيّنة أنها  تؤمن بأنّ مشاريعها القادمة ستسجّل لغة ومسارا مختلفين لرواية الـ48!

وبكرية أستاذة محاضِرة في الفنّ التشكيلي، والكتابة الإبداعيّة. تكتب في القصّة القصيرة، والرّواية، وفي نقد الفنّ المرئي منذ 1990، صدر لها: مزامير لأيلول، عواء ذاكرة، الصّندوقة، امرأة الرّسالة، باهرة، وقد حازت على جائزة القصة القصيرة النسائية لنساء حوض البحر المتوسط لعام 1999، عن قصّتها الصندوقة، مارسيليا - فرنسا، وجائزة فنان مبدع.

في هذا الحوار نسلط الضوء على جوانب مهمة في مسيرة بكرية الإبداعية وحول قضايا أخرى في الإبداع..



] بداية، لنقل أنك كاتبة متنوعة، تكتبين: القصة، والنص النثري المشعرن، والرواية، وفنانة تشكيلية، وتمارسين النقد الأدبي التشكيلي والمسرحي، أين تجد رجاء بكرية نفسها في التشكيل الإبداعي؟

- بقيتُ ممّن لا يستسيغون فكرة التّبعثر في تحديد هويّة النّص، وصانعه. يعجبني أن يعرف الكاتب لونه وقدراته ويحدّد كفاءة نصّه. وأنا على معرفة أكيدة أنّي روائيّة بالدّرجة الأولى. حين يستريحُ نَفَسي أمارس عادة القصّ، قنصا للحظات بارقة في عيني وحقولي، أمّا التّشكيل والنّقد المسرحي فهما دراستي. غير أنّ ما يحدث غالبا أنّي لا أجيزُ للحسّ الأكاديمي أن يسلب تلقائيّة الرّوائي فنّه وموهبة خياله حين أكتبُ في المسرح. فالمسرح ظلّ الكلمة الضّالة في بريّة عَبَثٍ لا أستسيغهُ على الخشبة. كنتُ أبرَزَ من سعى لترتيب أوراق المسرح في الدّاخل الفلسطيني، ليس مباهاة، ولكن انعكاسا لحقيقة ناجزة، لكن المناكفات غير المهنيّة لم تكن لصالح تعقّبي لهذا الجانر الجميل، أضف إلى ذلك تدنّي مستوى الإخراجات المسرحيّة، وشيوع منظومة الاحتكار الإخراجي. كلّ ذلك أبعدني تماما. ولقد استنتجت بكثير من الألم أنّا لا نحبّ غير التّصفيق المخجل فوق الخشبة، وكشف ركاكة الحوار، وضعف الأداء ودونيّة الموضوع يشعل حركة مقاومة تمنّيناها في رفض سياسات التّنكيل بنا كأقليّة في دولة اليهود. مللت حروب الإستنزاف،  فأنت تلامسها في كذب السياسيّين والعوام على حدّ سواء، وأنا يا صديقي قلمي غال على روحي، ولا أحبّ أن أجازف به كيفما كان. الرّسم ظلّ الحلم الّذي أِشتهيه على غيابه الطّويل لضيق وقتي هذه الأيّام، لكنّي أؤمن، ذات وَلْعَة سيشتعل أبعد من البداية.



] المطَّلع على أعمالك الإبداعية يلاحظُ اشتغالاً على اللغة وتشكيلاتها في البناء القصصي والنثري والروائي، وثمة أيضا لغة بصرية تحكي مخيلة القارئ، ماذا تعني اللغة وأنت المشتغلة بها؟

- هو الزلّة المتكرّرة في حواراتي، سهوا، يقولون، لأنّي لا أشتغل على اللّغة بقدر ما تُشكِّلُ هي بذاتها نكهة قُرُنفُلِها. لغتي تلقائيّة تماما، ولا أجتهِد في صناعتها. إمّا أن تأتي أو تمتنع. هكذا تخرج كلؤلؤة من قلب منجم. رأسي منجمُ حكي، والكلام حين يأتي لا تنافسهُ، ولا مهارتي في التّشكيل. وأعتقدُ أنّها تُزامِنُ مساحة التّخييل الّتي لألوان عوالمي. أؤمن أنّنا لا نعيش زمنا واحدا، بل نُعايشُ عدّة أزمنة في ذات الوقت. وكلّما استزدنا اطّلاعا، تسلّل زمن جديد إلى قلوبنا، قد يمحو الزّمن الّذي سبقهُ، وقد يُضافُ إليه، لكنّ الأزمنة كلّها تُزاحم على أوّل الذّاكرة لتنكتب. وعمليّا ما نكتبه هو انثيال زمننا الجديد، في أحلامنا اليَقِظَة. انثيال يأخذنا إلى مواسم خصب لا علاقة لها بما نعايشه دُنيويا، لأنّها أغرب من الوصف. أؤمن أنّ اللّغة بعض تكوين الجسد والرّوح معا، والنّحتُ فيها خُسارة فادحة للوقت.



] روايتك الأخيرة «امرأة الرسالة»، من الروايات التي كان لها الأثر الكبير في ذائقة المتلقي، أرخت للمكان والفلسطيني وجمالياته، برأيك هل المكان الفلسطيني كتب سرديا وإبداعيا بما يليق به؟

- «امرأة الرّسالة»، روايتي الأثيرة، رفيقة حضوري في العالم العربي. لا زلت أذكر أوّل نشرها كمّ الرّسائل الّتي وصلتني من كلّ مكان. وعدد الّذين شمّوا بحر يافا وأسوار عكّا وكرمل حيفا، وعدد الّذين لا زالوا يعتقدون أنّ نشوة، البطلة، هي أنا. كانت رسالتي إلى للعرب الّذين اتّهمونا بالخيانة والعمالة لليهود. وأعتقد أنّها أرّخت لفلسطينيّي الـ 48 حقولا أجمل في ذاكرة العرب. وفي طبعتها الثّانية لا زالوا يكتبون عنها ويقرأونها، لكنّها حتما ليست أجمل ما سيُكتَب، وما سيتلوها سيحكي صمتنا الطّويل في فلسطين. صمت عمّتي الّذي يحفر عميقا في ذاكرتي، وشعبي كلّه بجميلهِ وقبيحِهِ، صورة الإحتلال في قرانا ومدننا في ألـ 48 تختلف، وتتشكّل وفق تجربة لا تزال خاما للحكي، ومقاومتنا تختلف أيضا. بهذه المفاهيم لا يفهم العرب للآن طبيعة رفضنا، وأساليب تعليبنا للفرح لُنبقي على مساكِبِ الأمل. وليس صحيحا أنّ الصّورة المتلفزة هي واقعنا وحسب. أبدا، ثمّة وجوه أبعد وأعذب ستأتي إليكم مزنّرة بالدّهشة. ثقُوا بسوسننا، ولا تثقوا بسياسيّينا، هذه رسالتي. أليس ما يبقينا على أراجيحِ الرّيح صدمة واقع لم نأخذه في عين الجد؟ وفق هذا التصوّر ذاكرة السّرد الرّوائي هنا لم تنكتب بعد. وتحتاج لمن ولد بالفطرة يحلُم، وهم قلّة يصعب ذكرها، لكنّ الرّواية حتما ستأتي من بئرها الأوّلى.



] ما العلاقة بين الكتابة السردية، والتعبير البصري في اللوحة، كونك فنانة وناقدة تشكيلية؟

- وفق رؤيتي الشّخصيّة، السّرد حقلٌ جاهز للزّرع، تمشيه شمالا جنوبا، شرقا غربا، ولا تتعب من نثر البذور في حفرٍ مفترضة لبيوت نملِه. أحبّ أن أزرع في بيوتهِ ليعيش فيها كائنان، أنا وملِكاتها، لنتشارك معا رسم محاور الكون، فأنا أعتبر النّمل أقوى وأذكى المخلوقات، وهو لا ينسى في أيّ وقت ذاكرتهُ، ولو أنّك تتبّعتَ مسار حياته  ستراه يعود على مذابحهِ شأنَ مباهِجِهِ بذات الطّريقة. لن أبالغ إذا قلت، إنّه يعيدني لتاريخ السّلاطين، ببشاعاتهِ ومشاعِلِهِ، وأنا مغرمة بهذا الزّمن. أمّا الرَسم، فَلم أرهُ خارج عيونِ عبّاد الشّمس الّتي لذلك التّعس فان غوخ. خارج الدّفء العميق الّذي لقلبي لمن يجيد التحرّشَ بنبضهِ. وفي زيارتي لأرياف رومانيا وطبيعتها المُكتَسَحَة بالأصفرَ قبل سنتين طِرتُ بما يكفي لأفهم أنّ للّون حكاية لا تشبه مخالبَ الحرف، ولا رَهفُهُ، ومساحاته فصول ريح يؤجّجها الصّمت. وأستطيع أن أجزم أنّ أطول سنواتي سلاما، تلك الّتي انشغلتُ خلالها بمشاكسة الأقمشة بالفرشاة أو السكّين. تظلّ مزنّرة بالضّوء، ضوء يخرجُ من قلبك ويملأ كون. لكن الغريب أنّ كلا السّردين عناوين لمواجهة فاتنة.



] التراث النقدي العربي يُعتبرُ أهم  التّراث  النّقدي  العالمي، هل يمكن الاعتماد عليه في البناء في النقد العربي المعاصر؟

- نعم، وهذه حقيقة، وشخصيّا أولي أهميّة عليا للدّراسات الّتي أجريت بلغات أجنبيّة حول أعمالي من قبل باحثين عرب وغير عرب. وأعني دراسات نقديّة بالدّرجة الأولى. وأعتبر أنّ تأثير النّقد، وأثره لا يزال قائما فيما يتعلّق بزمن المعاصَرة، كم يضيفُ،أوينتقص من قيمة ما يقدّمه النّشر العربي، لا أعرف. فالشّيء بالشّيء يُذكر، إذ  لا يجوز للنّقد المعاصر أن ينشغل بمجاذبة الأعمال الأدبيّة المتدنيّة، فِكرا، حَدَثاً، وسبكاً، أطراف غزلٍ كاذب. ووسط  تهافت شعراء، خصوصا، لم يلمعوا شعرياّ، وذهبوا ينبشون في حقل الرّواية مثلا، عن غير دراية ومعرفة. ورواة يَلحَنون في نوتة العزف على وتر الشّخوص، و لا علاقة لهم من بعيد أو قريب بحيل السّرد وحباله الضّوئيّة، أعذر النّقد حين يُقلُّ فيهم، ليحمي درعه المهني والأخلاقي على حدّ سواء. والنّقد الآن أكثر من أيّ حقبة أخرى مطالب بالمصداقيّة والنّزاهة وسط ترهلّ ورق الأدب، فالمرحلة حسّاسة، ومحسوبة علينا وعليهم. ووظيفة النّقد ألا يداهن قبيح ما يخرج من كتب. لن تصدّق أنّي أحيانا أمسك برواية وأبعثر ورقها، إذ يضيقُ نَفَسي منذ الأوراق الأولى. لا أتذوّق الفجَّ، والدّارج. الفاحش والمبتذل. الرّكيك وقليل الحيلة. تصريحي هذا لا يلغي حضور تجارب روائيّة عربيّة استثنائيّة عشقتُ مجالاتها، وفطريّة سردها. فهل نعذر النّقد أم نعتب عليه؟



] عطفا السؤال السابق، يلاحظ أن الخطاب النقدي العربي الحالي ينطلق من مصلحة الآخر، لا من مصلحة الأنسان العربي، برأيك هل ثمة منهجية نقدية لهذا الخطاب؟.

- لا أضع النّقد في بؤرة الضّوء الّتي أرى منها جماليّات السّرد، لأشغل حواري هذا به. وأعتقد أنّما ذكرتُهُ آنفا يكفي، رغم كثير ما كتب حول إنتاجي نقديّا.



] أدب الداخل الفلسطيني «إن جاز التعبير»، ما هي المعيقات التي تواجهه في تواصله مع المحيط العربي وفي الوقت الراهن؟

- ظلّت فكرة تجاوز الأطر هاجسا بالنّسبة إلي. وهو ما سعيت إليه منذ «الصّندوقة»، مجموعتي القصصيّة الأولى،1991،  ثمّ «امرأة الرّسالة»،  في تبنّي دار الآداب لها. أتوقّف عند المحطتين، الأولى والثّانية مستعرضة حلُما صغيرا كبر معي طفلة، ثمّ صبيّة، حين كنت أسجّل أسماء روايات وقصص لأمّي المسافرة إلى نابلس لتأتيني بها. وكنت أتساءل بلا آخر لماذا الكتب الّتي تأتي بها أمّي من نابلس أجمل من كتب المكتبات الّتي عندنا؟ ومنذ طفولتي فهمت أنّنا نعيش حالة استثنائيّة، ممنوعا كان أن نتساءل عنها لتبعاتها السياسيّة، حتّى كبرت، وانتقلت للدراسة في حيفا وبقيت فيها. حتّى زرت أكثر من نصف دول العالم كضيفة وسائحة، واستوعبت عمق الغبن الّذي نعيشهُ صغارا، وعشتُهُ في قرية جليليّة صغيرة، من حيث علاقتنا بالعالم العربي. كان التحدّي أن أعثر على شقٍّ في رأس جبل أتنفّس منه نورا لا يراه غيري في تلك الحقبة. كان العادي أن يطبع الشّعراء والكتّاب، على قلّتهم، كتبهم هنا ويوزّعونها هدايا. وكان التّجاوز أن أعلن، «لن أهدي كتبي». وباعتقادي نمت ثقافة النّشر، عندنا في الدّاخل الفلسطيني، وسط استسهال غير معقول لمعانيه وأبعاده. ثمّ أنّها دور نشر قليلة، علاقاتها الخارجيّة محدودة إذّاك، وطموحاتها الاقتصاديّة داخليّا بعيدة. وتعتمد أساسا على كتب تروّج لها وزارة المعارف الإسرائيليّة، وهي ليست أفضل ما يصدر. وسط هذه البلبلة تفكّكت ثروة النّشر، وضاعت طموحات الكتاب. والجميل أنّي كنت واعية تماما لما يجري، ومصرة على الخروج من دائرة المعارك الضيّقة على تمويلات وزارة الثّقافة، والإنتشار المحدود. وتمويلها لروايتي الثّانية تخلّيت عنه لسواي. ولا زلت على اعتقاد أنّ الهمّ الاقتصادي يلقي بظلاله على حياتنا لارتفاع مستوى المعيشة بكافّة أشكالها، ولقد انشغلنا بهمّنا الكوني هذا، مهدّدين داخليّا بفزعنا الباقي من فكرة نزوح قسري جايلهُ أجدادنا. لن تتصوّروا كم اختالت صور النّزوح الأولى في مخيّلتنا، وأرعبتنا، تحت تسميات كثيرة. وكما يخاف اليهود، للآن، من فكرة رمينا لهم في البحر، لا نزال نهجس بفظاعات النّكبة الأولى.

لكنّ الأهم من سابق التّبريرات اعتبار العالم العربي لنا كعملاء لدولة اليهود، واستبعادهم لنا على صعيد المؤتمرات والنّشر على حدّ سواء. هذه الفكرة شكّلت عقبة، وحكما بالموت على ثقافتنا ونضالنا كلّه، ولعلّ الثّورة المعلوماتيّة حدثت لتنقذنا من فكرة الإبادة الثّقافيّة. فقد غيّرت مسار ثقافتنا تماما. لكن لن أخفي ضحالة مستوى الكتابة الرّوائيّة والقصصيّة عندنا، إلا فيما ندر. والتّجارب متواضعة، ومعظمها يذهب لصالح الشّعر كأنّ فيه منجى، حين يتدنّى، من المحو.

لدينا تجارب استثنائيّة محدودة في الكتابة الرّوائيّة، تصلح لاختراق الطّوق، ولإعلان كينونة، ولدينا الرّث الّذي لا يصلح، ولا  لنفسه شأننا في ذلك شأن الغير. في الرّاهن الثّقافي لا سبب يمنع الكتاب الجيّد من الإنطلاق بقوّة صاروخ إلى فضاءات القلب والأمكنة. وشخصيّا، أؤمن أنّ مشاريعي القادمة ستسجّل لغة ومسارا مختلفين لرواية ألـ 48!



 ] ماذا عن أعمالك القادمة؟

- عملان روائيان، واحد على الورق، والآخر في مخيّلة القلب. فقط أحاول اتّخاذ قرار مناسب بصدد شروط صدوره، وأعرف أنّها رواية تسرد تفاصيل  مخبوءة عن أسرار ألـ 48 وأنا على يقين أنّ السّرد العربي يحتاجها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش