الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عرضت على خشبة مسرح القباني بدمشق * «فوتو كوبي» ..عرض التفاصيل التي تسحق الإنسان والسؤال: إلى متى؟

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2007. 03:00 مـساءً
عرضت على خشبة مسرح القباني بدمشق * «فوتو كوبي» ..عرض التفاصيل التي تسحق الإنسان والسؤال: إلى متى؟

 

 
دمشق - الدستور - يارا بدر
شهدت خشبة مسرح القباني بدمشق عودة ماهر صليبي مُخرجاً ، ويارا صبري كممثلة غابت عن خشبة المسرح قرابة عشرة أعوام ، في عرض "فوتو كوبي" الذي خرقت به مديرية المسارح والموسيقى بدمشق قراراها باعتبار هذا الموسم مجالاً لإعادة تقديم عروض مهرجاناتها المسرحية المحلية. ويّقدّم ماهر صليبي رؤية إخراجية واضحة المعالم ، تتجلى في تنوع عناصر العرض المسرحي ، من حيث الفكرة والأسلوب وتفاصيل الخشبة المدروسة بعناية ، حيث اشتغل بداية مُعداً إلى جانب آنّا عكاش لتحويل نص الكاتب الأميركي موري شيزجال "الطابعان" ، الذي كتب لبيئة خمسينيات وستينيات القرن الماضي في أميركا إلى تاريخ يمتد من ستينيات ذاك الزمن وحتى وقتنا الحالي في المنطقة العربية. وانتقى بالدرجة الأولى حكاية تلائم طبيعة الجمهور السوري والعربي بالعموم ، تمتد من خط حب تعصف به مشاعر الشوق والرغبة ، إلى الأحلام التي تتكسر كل يوم في مكاتب العمل الوظيفية ، عن شاب وفتاة من هذا المجتمع ، هي هربت إلى العمل المكتبي من سلطة أخيها وعائلتها البطركية ، وهو كان ماراً من هنا ، عمل مؤقت ريثما يُنهي دراسته للحقوق ، ويُصبح محامياً مشهوراً وغنياً ويُحقق بثروته كل أحلامه بالسفر والسلطة والاستقلالية.
(الساعات والأيام والسنين تمضي بُسرعة ، ومع ذلك نشعر بمللْ فظيع. أحلامنا بسيطة جدا ، وطموحاتنا صغيرة جداً ، ومع ذلك.. لا تتحقق) هذه كانت كلمة المخرج على بروشور العرض ، وهي جوهر الحكاية ، فليلى ومروان موظفان على الآلة الطابعة في أحد المكاتب الباردة كزنازين السجون ، كل منهما مرّ عابراً نحو أحلامه المتواضعة بالزواج أو الزيادة في المرتب ، بمعنى الحياة الكريمة التي تحققها شروط مادية أفضل ، وعبرت السنين من حولهما وهما في ذاك المكتب الذي أخذ يضيق عليهما شيئاً فشيئاً ، خانقاً كل الأحلام والرغبات حتى الغياب. كل يوم كما اليوم السابق ، ذات التفاصيل الصغيرة ، وذات العمل الروتيني ، وذات الشوق الذي جمعهما يوماً ، ولكن في النهاية لم يتغيّر شيء في الصورة إلا ما تركه تقدم العمر من اثر على أجسادهما البشرية.
العمل طرح فكري يُلامس ألم كل موظف صغير منسي وراء طاولته ، اتخذ له تجسداً سينوغرافياً يفتح على أي مكتب ليس من فيه سوى أشباح تغترب عن ذاتها وعن الآخر في عالمها القسري.
إذ يُعيد الأستاذ نعمان جود بناء الفضاء المسرحي للخشبة التي رسمها مئات المرات في مئات العروض المختلفة ، ترتفع النافذة ذات القضبان الحديدية في عمق الخشبة ، ويحيط بها جدران يضيقان على سكان المكان مع تقدّم زمن العرض ، الموازي افتراضياً لتقدم السنين ، مكان عارْ إلا من شمعدان لتعليق الملابس ، وطاولتين مالتا نحو الجالس على الكرسي ، وكأنها تبغي خنقه أو إخفاءه ، بزوايا حادة وخطوط مُتكسرة بقسوة. كما ترتفع في فضاء المكان ثلاث علامات دلاليّة ، هي الآلات الطابعة التي يتم استبدالها في المشهد الأخير تقريباً بأجهزة كومبيوتر حديثة.
وفي زاوية الخشبة اليُسرى (بالنسبة للمتلقي) انطلق جهاز راديو صغير كمؤثر صوتي فاعل للدلالة على التبدّل الزماني ، من خلال بعض المقتطفات السياسية للأخبار وبعض الأغاني نكتشف مرور الزمن الخارجي.
تبدأ الأحداث في العرض بعد هزيمة الـ (67) بقليل وتستمر مع الحرب الأهليّة في لبنان ، وحربي الخليج ، وكامب ديفيد وصولاً إلى يوم يُشبه هذا الزمن ، الذي غابت فيه الأغاني الجميلة التي يُطالعنا العرض بها ، لأصوات جيل الأحلام والرومانسية ، وأغاني فيروز مع الرحابنة بجماليات السبعينات ، ومع ألحان زياد الرحباني تطرح جماليات جديدة في زمن التسعينات ، إلى الألم والانكسار الذي يكشفه زياد الرحباني ابن الجيل الجديد وشعار "أنا مش كافر.. بس الجوع كافر".
بعنف وقسوة حقيقيين ، لننتهي من كل جمالية ممكنة في الصوت أو المعنى ، ونعيش نحن أبناء هذا الجيل ، مرحلة الانحطاط الفاضحة بأغان مثل "بحبك يا حمار".
عرض "فوتو كوبي" لا يُنصّب نفسه سيداً على الحقائق المطلقة ، ويتخلى عن النبرة الإنشائية ، ليغرق في كم التفاصيل اليومية التي تسحق الإنسان الصغير ، بطل العالم الحديث التراجيدي.
فمهما اختلفت الأشكال تبقى المأساة مُستمرة ، والسؤال إلى متى؟،.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش