الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القيم الأخلاقية والفروسية كانت لازمة لمدينته الفاضلة * خالد الساكت بعد عام على رحيله: حضور الاسم وغياب النص * د.محمد عبيد الله

تم نشره في الجمعة 6 تموز / يوليو 2007. 03:00 مـساءً
القيم الأخلاقية والفروسية كانت لازمة لمدينته الفاضلة * خالد الساكت بعد عام على رحيله: حضور الاسم وغياب النص * د.محمد عبيد الله

 

 
خالد الساكت ، نتحدث عنه في غيابه ، لا لنرد إليه اعتبارا في الزمن الضائع ، بل بوصفه مبدعا متميزا صادقا سيظل حيا باقيا معنا ، في أشعاره ومراياه ونظراته ، في خصوصية صوته ونقاء روحه ، في كبريائه وإبائه ، وفي كل الدروس الفريدة التي يمكن أن يقع عليها المرء في تجربة هذا المبدع الرائد.
وخالد الساكت من ذلك النفر المبدع الذي توجه بخطابه صراحة إلى الناس ، كتب عنهم ولهم ، وكانت ميزته ومشكلته في درجة إحساسه العالية الشفافة بالبشر والأشياء وكأنه مسؤول عن الكون كله ، كأنه آخر الشعراء المكلفين بإعادة إصلاح العالم وترتيبه ليكون عالما إنسانيا حرا لا قهر فيه ولا ظلم ولا اعتداء.
ومن يقرأ مجددا إبداعات الراحل فلا بد أنه سيقف على تلك الرؤية النبوية أو الرسولية التي ترغب في إنقاذ العالم ، وتتساءل عن دور الشاعر في هذا العصر ، فلماذا الشعراء ما دام الظلم يتعاظم ويزيد؟ وما دامت البشاعة هي التي تتسيد العالم عوضا عن قيم النبل والجمال؟
ويمكن الإطلالة على هذه الرؤية صراحة في مقدمة الشاعر لديوانه (لماذا الحزن) عندما يقول:"هذا الديوان ـ الشعر: رفض واحتجاج بقدر ما هو إيماء لطريق الممكن. وشجب للظلم والتحيز والاحتقار لكل ما هو إنساني. وهو لهاث متقطع ، وموجات متكسرة منكسرة ، ووقوف أمام الأبواب المسدودة التي ينبغي على أي شاعر أن يعي بأن عليه اقتحامها..تحطيمها..أو على أقل تقدير ضرب جدرانها بقبضة يديه بقوة واستمرار".
ولعل قصيدته (لماذا الشعراء) التي يفتتح بها هذا الديوان تعبر عن هذه الرؤية بوضوح شديد ، ومنها مثلا:
ماذا يصنع شاعر هذا العصر
يهرب؟
يبكي؟
يتسول خيط يقين؟
يلهو بحكايات ، رحلات ضليلة؟
لو يصحو يصحو
يقرع باب القهر
يصلب وجه اللص القاتل
يجمع أقمارا للأطفال
ويغني في الفجر مواويل حداء للآتين
لو يصحو يصحو
يشعل في الكلمة
خيطا من نور في قلب العتمة
لو يعرف كيف يعلق نجمة
لو يحصي دمع المظلومين
ولا شك أن هذا الموقع الذي اختاره الراحل موقع خطر وصعب ، لأنه يتجاوز قدرة الفرد.. أي فرد مهما يكن متنفذا مقتدرا ، فكيف والحال مع شاعر شفاف لا يملك إلا سيف الكلمات ومرايا اللغة. ولو أن هذه الرؤية وقفت عند حدود التصور الجمالي والفكري لأمكن التعايش معها ، ولكن خالد الساكت أرادها مجسدة مشخصة في الواقع الفعلي ، أي في الجزء الذي يحيط به ويتصل معه ، ولذلك لم يتسامح مع محيطه ولا حتى مع أصدقائه أو معارفه أو مسؤوليه ، عندما يلاحظ أنهم تجاوزوا المبادئ التي يؤمن بها ، وكان دوما ينتقد ما يراه إخلالا بالقيم التي تشكل أساس العالم في نظره ، وكما يبدو فإن القيم الأخلاقية والفروسية في رأس الشروط التي رآها الساكت لازمة لمدينته الفاضلة ، ليوتوبيا الجمال والإنسانية والصدق والعدالة ، وكان الانتقال من تلك اليوتوبيا إلى أوجاع الواقع قاسيا وصلبا ، يصيب شاعرنا بمشاعر النقمة والتمزق والحرد على المحيط كله ، فيلجأ إلى الكلمات ليهجو الواقع وناسه وأحواله ، أو ليكتب بعض المرايا التي يقف فيها أمام النماذج البشرية المتنوعة على أمل أن تمكنه مراياه من تفريغ طاقة الغضب العارمة ومن تفهم هذه الأحوال التي يرى فيها بعض أمارات العالم المختل.
كتب خالد الساكت قصيدة التفعيلة بمختلف تقنياتها وخياراتها ، واتخذها سبيلا تعبيريا لرؤيته ومواقفه ، ولكن الشعر نفسه كنوع أدبي لم يتحول إلى أن يكون همه الأساسي أو الأكبر ، ويبدو أنه لم ينشغل بمسائل الشكل والخصائص الجمالية كثيرا ، مستندا إلى مقدرته وموهبته وإلى أن حاجته من الشعر هي التعبير عن الواقع وليس تحويل الواقع وتفاصيل العالم إلى شعر ، وربما لهذا السبب لم يعن بدخول معركة الشعر الحديث وقصيدة التفعيلة ومناقشاتها الحادة في الخمسينات والستينات ، وكانت الفرصة أمامه في مصر الخمسينات ، ثم هناك مجلة الآداب البيروتية التي احتضنت شعر التفعيلة في مقابل مجلة شعر التي اعتنت بقصيدة النثر. لم يشارك خالد الساكت في حدود اطلاعنا في هذه المعارك الهامة التي أسفرت عن تثبيت أسماء الرواد ومنهم بعض أصدقائه وزملائه.
يضاف إلى ذلك أن ديوانه الأول: لماذا الحزن تأخر صدوره إلى منتصف السبعينات ، أي بعد أن غدت معارك البدايات والريادة من كلاسيكيات النقد المعاصر. وعلى المستوى المحلي في الاردن وفلسطين لم يبادر الراحل إلى دخول أجواء الستينات الحاسمة في مسألة الحداثة وتثبيت المكانة لأبناء جيله والأجيال اللاحقة له ، لقد اختار أن يظل بعيدا عن دوائر صنع الفعل الثقافي ، يكتب وينشر بطريقته دون أن ينضم لبعض المناخات المؤثرة آنذاك. وفي مصر في النصف الأول من الخمسينات حيث درس وتعرف على عدد هام من الكتاب والشعراء الذين كان لهم شأن في تطوير الإبداع العربي كله ، لم يسلك خالد الساكت مسلك أصدقائه بعد عودته إلى الأردن ، ولسنا نعرف ما الذي منعه من إطلاق موهبته وصوته في ذلك الزمن الهام جدا من الناحية التاريخية في مسألة الحداثة والتجديد والانتقال من عهد إلى عهد. وتشير شهادات فاروق شوشة وسليمان فياض وأبو المعاطي أبو النجا وبعض أصدقائه الآخرين إلى شخصية فريدة في تأثيرها على الآخرين وفي مستوى ثقافتها ، وفي مقدرتها القيادية ، ولكن كل ذلك تعرض كما يبدو للإخفاق منذ مغادرة خالد الساكت لحزب البعث بعيد عودته من مصر ، وما اتخذه من موقف حاد ضد الحزبية والأيدولوجيا إلى حد النفور والخصام المطلق. فهل كان لخيبته الحزبية دور إضافي في انطفاء طموحاته وانكسار شخصيته في مستويات متعددة؟
وعندما نعود لمجلات هامة ظهرت في الأردن وفلسطين في الخمسينات والستينات من مثل: القلم الجديد والأفق الجديد وأفكار نلاحظ ابتعاد خالد الساكت عن تلك المجلات التي تتخذ اليوم مرجعا حاسما في التأريخ للحركة الأدبية والشعرية وللمناخات المبكرة للحداثة في الأردن وفلسطين خاصة ، فلماذا غاب خالد الساكت عن الأفق الجديد وهي المجلة البارزة قبل عام 1967 ولماذا لم ينشر في مجلة أفكار منذ صدورها وحتى ما بعد منتصف الثمانينات ، وأي جهد جبار سيبذله الدارسون والنقاد لإنصافه ، بعدما غيب نفسه عن معظم دوائر التأثير والفاعلية اختيارا أو عنادا أو حردا؟ لماذا غاب مثلا عن رابطة الكتاب وظل بعيدا عن نشاطاتها ومناخها المؤثر رغم انضمامه إليها عام ؟1978
لقد عاند خالد الساكت الزمن وسمح له أن يفر منه كاتما صوته دون سبب مفهوم ، رغم ما كان يتميز به من ثقافة رفيعة ، ورغم مواكبته لمعارك التجديد ، واطلاعه غالبا على محاولات عرار التجديدية المبكرة واطلاعه المؤكد على بدايات الشعر الحر في العراق ومصر بحكم صحبته لحجازي وعبد الصبور.
ولذلك حين يجري الحديث عن الظلم ، وإذا ما كان هناك تثبت من أن خالد الساكت تعرض للظلم على المستوى الإبداعي فإن أول المتسببين هو خالد نفسه ، عندما تأخر في نشر شعره بعد أن تكرس الشعر الجديد ، وعاد القوم من المعركة منتصرين ولم يعد بمقدور أحد إضافة اسم جديد إلى قائمة رواد الشعر الحديث بعد تكريس الأصوات الفاعلة الأولى في هذا المجال ، وكلهم أو معظمهم من مجايلي خالد ومن معارفه أو أصدقائه.

نثر خالد الساكت
ترك خالد الساكت آثارا نثرية هامة لم تنتبه الدراسات لقيمتها بعد ، وهي ما يتمثل في عدد من كتبه المطبوعة والمخطوطة من مثل: مرايا صغيرة الذي نشر منه جزءان أو كتابان. ومن مثل خاطراته التي عنونها بـ: لكيلا تتذكر وصدرت عام 1991. أما المرايا فهي سبيله لرؤية نماذج بشرية عرفها وخبرها وحاول أن يفهمها ، وعندما تتحول عنده إلى مجال الكتابة والإبداع فإنه ينتقل بعلاقته مع أولئك البشر من المستوى الواقعي المباشر إلى مستوى أعمق يريد منه أن يغدو تفسيرا لبعض جوانب الحياة والسلوك البشري.
اتخذ خالد الساكت في هذه المرايا شكل الرسالة الذي يوحي بالرغبة في التواصل ، فوجه رسائله إلى متلق مجهول قد يكون القارئ الضمني أو الافتراضي ، أما النماذج البشرية التي يرسم صورها فليست مهمة عنده على المستوى الشخصي بل غايته الأعمق استخراج تلك الخلاصة الإنسانية من التجربة البشرية وتحويلها إلى خبرة وحكمة ، الأفعال والأعمال والسلوكات علام تدل وإلام تشير في مستوى تجريدها من الإنسان الفرد؟ ما الذي يريده الإنسان وهو ميت لا محالة؟ وما الذي يوجه سلوكه وأفعاله ويحكمها؟ إذن لم تكن مراياه هجاء أو هجوما على أولئك البشر ولم تكن مديحا أو إبرازا مجانيا لصنف آخر ممن رضي عنهم ، وإنما صور مراياه أقرب لما يراه الحكيم أو الفيلسوف عندما يجرد الحياة من تفاصيلها ووقائعها لتستقر في صورة قوانين أو شبه قوانين تحكم مسيرة الإنسان وتفسرها.
ولكن في كل حال ومهما تكن الملابسات التي اختارها الساكت مسارا لطريقه الإبداعي فإنه فيما خلف من آثار متعددة شعرا ونثرا يمثل صوتا متميزا نادرا في تجربة الأدب العربي الحديث ، ومن الخير والوفاء لخالد الساكت أن تنصب العناية أولا على إصدار أعماله الكاملة ، لتشمل ما نشر منها في كتب أو ما ظهر في المجلات والصحف أو مما ظل مخطوطا من مثل سيرته التي أحسب أنها تامة أو قريبة من التمام ، وعدد كبير من العناوين التي أعلن عنها ولم ينشرها حتى رحيله.
ہ شاعر وناقد وأكاديمي أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش