الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المستهدف * جمال ناجي

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
المستهدف * جمال ناجي

 

 
إمرأتان تحكمتا بي وسخرتا مني: أمي وزوجتي. كانت أمي تلبسني قمصان وبنطالات اخوتي الكبار ، تلك التي يعوفونها ويرفضون ارتداءها لأسباب كثيرة: تغير لونها "وحرولته" ، انتهاء موضتها ، خراب سحاباتها او ازرارها وعراها. على أن السبب الأكبر الذي دفعها الى إلباسي ثياب اخوتي تلك ، هو انها تشرب، في تلك الايام كانت بعض الملابس تنكمش وتقصر، ما إن تغسل حتى تتشرب الماء ، فتضيق ويقل طول الساقين او الكمين ويتجعدان.
هنا تبدأ أمي باستهدافي ، حيث يمتنع اخوتي عن ارتداء تلك الملابس ، بينما تتولى هي مهام إطلاق الشتائم والدعوات على الباعة - اولاد الحرام - الذين غشوها وأقسموا او حلفوا امامها بأولادهم أنها اصلية ولا تشرب ابدا. بعد انتهائها من صب غضبها على الباعة تستدير نحوي ، تنظر الي وفي يدها البنطال او القميص ، تزين الامر لي بأساليب تثير الاعجاب والغيظ في ان معا: الاعجاب بقدرتها على استحضار العبارات التي تلين الصخر ، ومهارتها في ادارة شؤون عموم فضلات الملابس.
اما الغيظ فمبعثه اكتشافي للإحالات التي تقوم بها فور استغناء احدهم عن أي من ملابسه . ربما ظنتني جاهلا بسبب صغر سني ، وربما استخفت بذكائي لتلبسني فضلة هذا الاخ او ذاك ، والأنكى أنها دأبت على تحميلي جمائل كثيرة تلخصها بعبارة تنطقها بنبرة من تخص عزيزا: انت أبدى منهم،
بعد ارتدائي أيا من تلك الملابس ، تسارع الى استخدام ذلك المرهم اللفظي المهدئ "القالب غالب" فأحس بأنها تتعامل معي باعتباري قالبا ، وأتذكر القالب الخشبي الاملس الذي يضعونه داخل الحذاء كي لا يتجعد.
كانت تصف القميص او البنطال الذي تلبسني اياه بأنه مفصل عل بدني تفصيل ، او مبحبح بما يكفي لمنحني حرية الركض واللعب ، وتحريك اليدين والقدمين وبقية اعضاء الجسم بسهولة ، وتضيف - دون أن يرف لها جفن - بأن الملابس الفضفاضة هي الموضة السائدة ، وتزيد ، بأن ثياب اخوتي تضعني في مصاف الشباب.
هنا ، هنا بالذات ، تصيب مقتلا في نفسي ، فقد كنت في عجلة من أمري ، اريد أن أكبر. ويبدو انها أدركت تلك الرغبة الملحة لدي ، واستثمرتها لإقناعي بقبول ما يصعب القبول به من ثياب الكبار.
ورغم انني تنبهت مرارا الى الأكمام التي غالبا ما تغطي نهايات اصابع يدي ، وحرصت على شد حزامي كثيرا كي لا ينزلق البنطال عن حوضي فأجد نفسي نصف عار امام زملاء المدرسة او الحارة ، الا انني عودت نفسي على الاكتفاء بالسكوت ، خصوصا انها - للحق - كانت تقصر أطراف البنطالات التي عادة ما تكون طويلة ، وتعلمني كيف اشمر كمي قميصي كي أبدو كبيرا كالشباب. تلك كانت ايام أمي.
الآن ، وقد بلغت الخامسة والستين من عمري ، وانجبت أربعة ابناء صحاح ، اجد نفسي امام مشكلة من نوع مختلف ، فقد كبر اولادي ، ورفضت طيلة اعوام زواجي وأبوتي فكرة استخدامهم ملابس بعضهم البعض ، اذ ان تكرار التجربة معهم يذكرني بما تعرضت له من ظلم واستهداف في طفولتي ، وللحق ، فقد استجابت زوجتي لهذا الرفض القاطع ، ما دعاني الى احترام موقفها الجليل ذاك.
غير انها فاجأتني - غير مرة - خلال الأعوام الأخيرة بما لم أتوقعه ، فقد عمدت الى تجميع ما لا يريد ابنائي ارتداءه من الملابس ، ودعتني بلسان معسول الى امتلاكها وارتدائها قائلة ، بنبرة من تخص عزيزا: انت أبدى منهم ، ملابسهم ستعيدك شابا ، ما زالت جديدة ، والأهم ، خساره نرميها.
ثمة أمر مشترك بين امي وزوجتي ، وربما بين كل النساء ، وهو تفردهن بامتلاك غريزة "الاحتفاظ بالأشياء التي لا لزوم لها" ، وهذه مناسبة للتذكير بوجود نقص في سلم الغرائز المعتمدة لدى (سيجموند فرويد) وسائر المختصين في علوم النفس ، اذ كان يجب ان تضاف الى تلك الغرائز - بعد الأمومة وقبل الجنس ، على سبيل الإقتراح - غريزة الاحتفاظ بالأشياء التي لا لزوم لها، ففي سدة بيتنا - مثلا - هنالك أدوات واجهزة وانابيب وقطع اثاث وأكياس ملابس وأجسام غريبة مغبرة ، وأشياء مركونة منسية منذ عشرات السنين ، وقد حاولت ذات ليلة التخلص منها خلسة ومن دون علم زوجتي ، غير أن محاولتي باءت بالفشل الذريع ، لأن غريزة "الاحتفاظ" أيقظت زوجتي ، فأفاقت من نومها كي تتصدى لي وتذود عن حياض تلك الاشياء بحزم ، ودون سبب منطقي.
قبلت فكرة زوجتي وإن على مضض، اكتفيت بالسكوت إياه ، وجربت ملابس ابنائي فبدا معظمها ضيقا على بدني. هنا وجدت فرصتي كي اتمرد على قراراتها التي تقدمها على شكل اقتراحات. إلا أنها ، وقبل أن أنطق ، باغتتني قائلة ان موديلات الملابس هذه الايام مشدودة على البدن ، وأن تلك القمصان والبدلات والبنطالات لو لم تكن مشدودة لما رضيت لي بارتدائها ، لأنها ستزيد من شيخوختي ، هذا فضلا عن ان الثياب المشدودة تخفي عيوب ترهل الفخذين والذراعين والبطن ، وتلمها بصرامة ، حسب قولها، ومع أن قوالب الأحذية هذه الأيام لم تعد خشبية صلبة مثلما كانت أيام زمان ، إنما هي مصنوعة من الزنبركات ، فإن زوجتي لم تنس - ومن دون أن يرف لها جفن - توظيف ذلك المهدئ الذي استخدمته امي قبل نصف قرن: القالب غالب،
الحياة مشروع خاسر قوامه الترويض والتكيف الذي لم اجد له تفسيرا غير التنازل ، فهي في مرحلة متقدمة من العمر ، تحيل أعتى الفحول الى مخلوقات مسالمة مسايرة ، بدليل انني توصلت مؤخرا الى ان غريزة الاحتفاظ التي أثارت سخطي في ما مضى ، إنما تنطوي على حكمة عظيمة ، وأن الحكمة تتطلب اصطفافي الى جانب زوجتي ، وتحريضها على التمسك بهذه الغريزة الخفية، اذ ، ماذا لو تخلت عن تلك الغريزة وقررت التخلص من كل الاشياء غير النافعة؟ ماذا ستفعل بي أنا؟
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش