الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

معالجة فلسفية لقضية اجتماعية شائكة * «معالي الوزير» فيلم يكشف الوجه القبيح لفساد السلطة * * أحمد طمليه

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 مـساءً
معالجة فلسفية لقضية اجتماعية شائكة * «معالي الوزير» فيلم يكشف الوجه القبيح لفساد السلطة * * أحمد طمليه

 

 
ترى ، إلى أي حد تسهم ثقافة الممثل في تحديد مستوى العمل الفني الذي يشارك فيه؟ لقد علمتنا التجربة أن هناك علاقة وثيقة ما بين ثقافة الممثل والعمل الفني ، فعلى الرغم من وجود سيناريو وكاتب للسيناريو ، ومخرج بالدرجة الأولى ، إلا أن الممثل له دور ، خاصة عندما يصل إلى مرحلة من النضج الفكري. وتجربة الفنان الراحل أحمد زكي خير دليل على ذلك ، فإذا استثنينا بداياته التي شهدت الكثير من التخبط والتذبذب في مستوى أعماله ، فإننا نجده في سنوات عمره الأخيرة يمعن في اختيار أدواره ، فبعد أن أخذته فكرة تقمص الشخصيات فقدم "السادات" و "ناصر "56 وأخيراً "حليم" حرص على تقديم أفلام تنطوي على بعد فكري وإنساني ، فكان فيلمه "اضحك الصورة تطلع حلوة" نموذجاً لما يمكن أن يقدمه الفنان في العقد الخامس من عمره ، فقدم شخصية الأب المسكون بهاجس تأمين حياة هانئة لابنته الوحيدة ، أما الفيلم المفاجأة ، فكان آخر الأفلام التي أنجزها بالكامل ألا وهو "معالي الوزير" مع ملاحظة أنه قدم بعده فيلم "حليم" إلا أن المنية وافته قبل أن ينجز هذا الفيلم.
في "معالي الوزير" يقدم أحمد زكي ومعه المؤلف وحيد حامد ، والمخرج سمير سيف ، فيلماً فلسفياً عن فساد السلطة على نحو جديد ومختلف لم تعهده السينما المصرية من قبل ، فلم نر في الفيلم مسؤولاً فاسداً يمعن في التطاول على العباد ثم يقع في شر أعماله على طريقة الأفلام التقليدية ، بل رأينا مسؤولاً يئن تحت وطأة إحساسه بالفساد ، فلا يجد جنباً يريحه ، ولا عيناً تغمض له.
نبدأ مع الفيلم من نهايته حيث يختتم بعبارة تشير إلى أن أحداث الفيلم لا علاقة لها بأشخاص حقيقيين على أرض الواقع ، وتشير العبارة إلى القول "وإذا كان ثمة تشابه فإنها مشكلة معاليه".
وعلى الرغم من أن مثل هذه العبارات توضع عادة في نهايات الأفلام لاعتبارات احتراسية ، خشية إثارة حفيظة أحد ، إلا أنها على النحو الذي ظهرت به في الفيلم أخذت معنى مختلفاً لا علاقة له ، على أية حال ، بأي اعتبار احتراسي ، بل إنه يزيد الطين بلة فيما يتصل بدرجة السخرية بأصحاب المعالي ، ذلك أن الفيلم لم يقدم إدانة أو انتقادات ، بقدر ما قدم هلوسات بطلها معالي الوزير ، بأسلوب فنتازي يتداخل به المعقول بـ اللامعقول ، لدرجة أنك في نهاية الفيلم لا بد وأن تسأل نفسك: هل ما أشاهده حلم أم أمر واقع؟ يبدأ الفيلم على نحو طبيعي وسلس ، إذ يظهر المشهد الأول أصدقاء يتناولون طعام العشاء في بيت رأفت رستم (أحمد زكي) وحرمه ، فيما ينقل التلفزيون أخبار تشكيل وزاري جديد ، ولا أحد يعلم ، حتى هذه اللحظة ، ولا في وقت لاحق حتى ، من هو رأفت رستم هذا وماذا يعمل ، وما هو موقعه من الإعراب؟ في مشهد آخر ومواكب للمشهد الأول ، نـرى رئيـس الـوزراء (عمر الحريري) يخفق في إقناع أحد المرشحين للوزارة بالموافقة على تسلم حقيبة لأسباب صحية ، فيطلب رئيس الوزراء من معاونه أن يتحدث إلى المرشح الأخير وهو رأفت رستم الأستاذ في جامعة القاهرة ، وليس الذي يتناول طعام العشاء في بيته مع أصدقائه ، غير أن المعاون يخطئ التقدير ويطلب رأفت رستم الآخر ، الذي يتلقى المكالمة بدوره بكثير من الود والامتنان والشكر الجزيل ويعلن موافقته المطلقة بحفاوة بالغة ودون قيد أو شرط.
في صباح اليوم التالي يفاجأ رئيس الوزراء وقبل دقائق من إعلان القسم أمام رئيس الدولة أن رأفت رستم الموجود ليس هو المقصود ، ولكن الوقت ضيق ولا مجال لتلافي هذا الخطأ ، فيقرر اعتماده في التشكيلة الوزارية الجديدة على أن يتم تلافي هذا الخطأ في أقرب تعديل وزاري ، غير أن رأفت رستم يثبت حضوره ، ويصبح واحداً من أهم الوزراء بالحكومة ، وتتجدد به الثقة في وزارة جديدة مع رئيس وزراء جديد ، ويصبح واحداً من رجال الدولة ممن يُحسب لهم ألف حساب.
كل ما عرضناه حتى الآن من مجريات الفيلم جاء في الدقائق التي سبقت عرض عناوين الفيلم ، بما يوحي وكأن القصة لم تبدأ بعد ، حيث يبدأ الفيلم صباح اليوم التالي بمشهد لرجال المخابرات وهم في منزل معالي الوزير بعد أن ترد لهم مخالفات فساد ، يتأكدون بعد التفتيش من صحتها ، فيحال معالي الوزير إلى التحقيق ، وبعد عدة جلسات تحكم المحكمة بحبسه عشر سنوات مع الأشغال الشاقة ، وفي هذه اللحظة التي يتراءى فيها للمشاهد أننا أمام حبكة درامية ألفتّها السينما المصرية في الكثير من أفلامها ، يتضح عكس ذلك تماماً ، فما جرى مجرد حلم ، أو كابوس بالأحرى ، أقلق منام معالي الوزير ، فاستيقظ وهو يستعيذ بالله من الشيطان ، وليكون هذا المشهد بمثابة مقدمة لحبكة مختلفة عّما قد يتصوره المشاهد ، فنحن أمام معالي وزير لا ينام ، وإذا نام فإنه يحلم بكوابيس مرعبة تقض مضجعه ، دون أن يقدم الفيلم ادانات محددة تدين الوزير ، فالرجل لم يفعل شيئاً بما يعطي فساده بعداً افتراضياً ، ولعل هذا ما أراد الفيلم أن يقوله بالضبط ألا وهو: كيف يمكن أن تشعر إذا كنت مسؤولاً فاسداً ، وكيف يمكن أن تروق لك الحياة إذا كنت قد أسهمت في إفساد حياة الآخرين؟ تتجلى مشكلة معالي الوزير ، كما أشرنا ، أنه لا ينام ، وإذا نام فإنه يحلم بكوابيس ، تدور في أجواء الفساد الذي يقترفه بحق الناس ، وفي تربص من حوله للنيل منه ، بما في ذلك زوجته (لبلبة) وابنه وابنته. نراه في أحد الكوابيس وهو يعترف لأفراد أسرته أن لديه ملايين في بنوك خارج البلد ، ونراه في كابوس آخر وقد انزلق في الحمام ومات ، وشيعت له جنازة فوجئ ، وهو ميت ، أن لا أحد مشى فيها إلا قلّة قليلة ، فيقوم من كفنه ويعرب عن اعتراضه ، غير أن زوجته ترغمه على مواصلة الموت.
يصل الأمر بمعالي الوزير لأن يصارح أقرب معاونيه بمشكلته ، فينصحه المعاون أن يتناول الحشيش للمساعدة على النوم. وفي مسعى حصولهما على الحشيش يتورطان مع الشرطة وينامان في "النظارة" بعد أن يجهل أفراد الأمن هويته الرسمية ، ويكتشف معالي الوزير في اليوم الذي يلي أنه نام نوماً عميقاً في الحجز. وفي مشهد آخر وحين تنقطع بهما السبل أثناء الليل يقرران النوم في أحد المساجد ، ويفاجأ معالي الوزير أنه نام في المسجد نوماً عميقاً ، وكأنه في الحالتين يواجه دعوة نحو التوبة أو تلقي العقاب.
يتأزم الموقف إلى أن ينصح المعاون معاليه أن يعرض نفسه على طبيب نفسي ، غير أن منصب صاحب المعالي يمنعه من ذلك فيقرر أن يذهب المعاون إلى الطبيب النفسي بعد أن يبوح له معالي الوزير بكافة تفاصيل حياته ومعاناته. وفي يوم الموعد مع الطبيب يتوفى المعاون في ظروف غامضة ويثار جدل حول وفاته إن كانت قتلاً أم انتحاراً ، وينتهي الفيلم على هذا النحو تاركاً المشاهد حائراً إذا كان ما يشاهده تتمة لتفاصيل الفيلم ، بمعنى أن معالي الوزير قام بقتل المعاون قبل ذهابه إلى الطبيب النفسي خشية أن يكشف سره ويفضح أمره ، أم أن المسألة لا تعدو أن تكون كابوساً جديداً من كوابيس معاليه،
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش