الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بدأت مع فيلمي «إسماعيلية رايح جاي» و «اللمبي» * * أزمة السينما.. كيف تزدهر الرداءة وتعيق تطور الفن السابع؟ * أحمد طمليه

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2007. 03:00 مـساءً
بدأت مع فيلمي «إسماعيلية رايح جاي» و «اللمبي» * * أزمة السينما.. كيف تزدهر الرداءة وتعيق تطور الفن السابع؟ * أحمد طمليه

 

 
حتى مطلع التسعينات تقريبا كانت صناعة الأفلام المصرية تسير في تدرج نوعي ملحوظ ، فظهرت أفلام شكلت علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "الكيت كات" ، "يوم مر.. يوم حلو" ، "ليلة ساخنة" ، "البريء" ، وغيرها من الأفلام الذي اتخذت من البعد الإنساني أفقاً لها ، ومن الدقة في تناول الموضوع أساساً ، ومن عدم الارتهان إلى ما يريده الجمهور قاعدة. وقد نجحت هذه الأفلام وشكلت مناخاً تنافسياً بين أوساط العاملين في مجال السينما في مصر ، وكان شرط هذا التنافس هو الابداع والتفوق ، والتحليق في عالم الابداع ، وصناعة سينما حقيقية ، للحوار فيها دور ، وللصورة معنى ، وللخلفية دلالات ، وللفكرة بعد. ولم يقتصر التنافس بين المخرجين آنذاك من أمثال عاطف الطيب ، وخيري بشارة ، ومحمد كامل القليوبي ، وداود عبد السيد ، ورضوان الكاشف ، بل إن الممثلين أنفسهم ، خاصة الذين قطعوا مشواراً ضمن نمطية معينة ، راحوا يبحثون عن أدوار مختلفة يقدمون أنفسهم من خلالها لمجاراة المناخ الابداعي الذي كان سائداً آنذاك ، فوجدنا على سبيل المثال ممثلاً مثل عادل امام يخرج من ثوبه الذي اعتاد عليه الجمهور ، وهو ثوب الممثل الساذج الذي يثير الضحك بناء على التهريج والمفارقات المرتبطة بالشخصية ، وينتقل إلى تقديم أدوار تعتمد فيها الكوميديا على مفارقة الموقف ، فشاهدناه في أفلام تعد من أهم الأفلام التي قدمها: "الارهاب والكباب" و"اللعب مع الكبار" ، و"طيور الظلام" ، وصولاً إلى آخر أفلامه ، وربما أهمها ، ألا وهو فيلم "عمارة يعقوبيان" الذي رأينا فيه عادل إمام يتنازل عن نرجسيته باعتباره البطل الوحيد في الفيلم السينمائي ، ويقدم دوراً مميزاً بمشاركة ممثلين آخرين في البطولة.
وساد الاعتقاد آنذاك ، أن الأمور تسير من أحسن إلى الأحسن ، وأن النجاح يكمن بالابداع الذي لا يرتهن إلى إرادة ما يريده الجمهور كما أشرنا ، إلى أن حدثت المفاجأة ـ القنبلة بظهور فيلم "اسماعيلية رايح جاي" إنتاج 1997 بطولة محمد هنيدي والمطرب محمد فؤاد ، إخراج كريم ضياء الدين. ومشكلة هذا الفيلم أنه حقق إيرادات غير مسبوقة في تاريخ السينما المصرية ، رغم أنه ساقط فنياً ، ولا قيمة إبداعية له تذكر ، حتى أن الممثل نور الشريف ربط الانحدار الذي شهدته السينما المصرية بهذا الفيلم حين اعتبر أن أزمة السينما المصرية بدأت مع الإيرادات الضخمة التي حققها هذا الفيلم وقال إنه "كان مقدمة لظهور موجة كبيرة من الأفلام التي اندفعت بنفس الاتجاه بقصد تحقيق الأرباح المادية فقط ، ودفعت هذه الموجة عدداً كبيراً من المؤلفين والمخرجين إلى الاكتئاب" ولم يستبعد نور الشريف أن تكون هذه الانتكاسة السينمائية وقفت وراء موت كل من المخرجين حسين كمال وكمال الشيخ كمداً من الحالة التي آلت إليها السينما.
وإضافة إلى تدهور المستوى الفني الذي تسبب به هذا الفيلم ، فإنه قدم مثالاً للأفلام التي يمكن أن تحصد الأموال ، فكانت أغلب الأفلام التي ظهرت من بعده تدور في نفس الأفق تقريباً من حيث الاعتماد على مطرب. وقد تم التركيز بداية على محمد فؤاد ، ولاحقاً تامر حسني ، ومصطفى قمر ، والاعتماد على وجود شخصية كوميدية تمثل دوراً ثانياً ، ووجود فتاة حسناء. وكانت المفارقة أن مثل هذه الأفلام لم تحقق النجاح الذي حققه "إسماعيلية رايح جاي" حتى وصل الأمر بالمنتجين إلى البحث عن "الوصفة السحرية" التي تسببت بنجاح هذا الفيلم ، ولماذا الأمر لا يتكرر مع الأفلام التي تلته ، فإذا كان الأمر متصلا بالمطرب ، فمحمد فؤاد لم يحصد إلا الفشل تلو الفشل بعد ذاك النجاح الذي حققه ، أما محمد هنيدي فلم يترك طريقة إلا واستعان بها ليستعيد تألقه ، فكانت النتيجة المزيد من الاسفاف والابتذال. وقبل أن يفيق المعنيون من صدمة فيلم "اسماعيلية رايح جاي" حتى كان ثمة صدمة أخرى تمثلت بالنجاح الجماهيري والمالي الذي حققه فيلم "اللمبي" بطولة محمد سعد ، إنتاج عام 2002 ، اخراج وائل مصطفى. ومصيبة هذا الفيلم أكثر دهاء ، فلقد اعتمد في نجاحه على شخصية البطل الساذج ، الأبله الذي لا يجيد نطق كلمتين واضحتين. وقد ووجه هذا الفيلم بانتقادات شديدة ، حيث اعتبره الناقد د. رفيق الصبان "دروسا سينمائية في التفاهة والبلاهة" بل لقد وصل الأمر بالكاتب أسامة أنور عكاشة لأن يقول عنه إنه "ليس فيلماً ، ولا علاقة له بفن السينما ، ولا بفن الدراما ، ولا فن التمثيل ، فلا يمكنني أن أقارنه بأي فيلم كوميدي لأن مجرد المقارنة اهانة لتلك الأفلام".
ولم يقتصر الأمر على الانتقادات التي واجهها الفيلم ، فالأنكى من ذلك أنه ، أي الفيلم ، شكل مزاجاً عاماً لدى المنتجين الذين ظنوا أن "الوصفة السحرية" للنجاح وجني الأموال إنما تكمن في صناعة أفلام مشابهة ، فأنهال علينا "الهبل" من كل صوب: ممثلون مهرجون ، وأغان نشاز طويلة ، ورقص واسكتشات وجمهور يقهقه في الصالات ، ودخان يتصاعد في الأجواء وحركات شاذة يمارسها الممثل والمتفرج على حدْ سواء.
لقد تسبب النجاح المادي والجماهيري الذي حققه فيلما "إسماعيلية رايح جاي" و"اللمبي" بما سمي "أزمة السينما المصرية" ، والتي اعتبرها أزمة اجتماعية ، فرغم أن الابداع مفقود ، إلا أن النجاح الجماهيري موجود ، مما طرح السؤال ملحاً حول هوية الجمهور الذي تكتظ به دور السينما ، وقد وصف بعض النقاد الجمهور "بالمريض" فهو يقبل على مشاهدة التفاهات ويشتمها في نفس الوقت. غير أن الأمر أكبر من ذلك فالجمهور الذي تكتظ به دور السينما ليس مريضاً بالمعنى الحرفي للكلمة ، بدليل أننا في الوقت الذي نشهد فيه حضوراً جماهيرياً وبالتالي نجاحاً مالياً لأفلام من سلسلة اللمبي ، فإننا نشهد بالمقابل حضوراً جماهيرياً ، ونجاحاً فنياً لأفلام مختلفة شكلاً ومضموناً ، وتحمل لمساتها الابداعية معها ، مثل فيلم "سهر الليالي" للمخرج هاني خليفة ، الذي اعتبر إعادة اعتبار للسينما النظيفة ، مما يدل على أن هناك جمهوراً دخيلاً على صالات السينما ، لا يشكل حضوره مقياساً أو معياراً لقيمة السينما بحد ذاتها ، بل هو معيار لأزمات اجتماعية أخرى. وللايضاح أشير إلى أننا في الأردن مثلا فقدنا فكرة ارتياد دور السينما ، أي أن الذهاب إلى السينما من أجل السينما لم يعد من ضمن اهتمامات الجمهور الذي يطيب لي أن أسميه بـ" الجمهور الأصيل" مما أبقى صالات السينما مفتوحة لشرائح أخرى من الجمهور ، لنقل إنهم العاطلون عن العمل الذين لا يجدون مكاناً يقضون أوقاتهم فيه فيذهبون إلى السينما وهم بالطبع غير معنيين بأية قيمة فنية ، بل على العكس فإن أفلاماً مثل "اللمبي" تكون أكثر انسجاماً مع نفسياتهم طالما أنها بلا فكرة أو مضمون. الأمر ذاته ينطبق على المراهقين الذين يرتادون دور السينما لغايات الصفير والتهريج ، والمغتربين الذين تضيق بهم أرصفة الشوارع. وإذا كان هذا هو واقع الحال في الأردن ، فواقع الحال في مصر لا يختلف عن ذلك ، وبالتالي فإن صالات السينما هناك وفي مناطق كثيرة في الوطن العربي إنما غدت ملاذاً للخطوات التائهة على الأرصفة ، وبالتالي فإن اكتظاظ دور السينما بها لا يشكل مقياساً لنجاح المادة المعروضة ، بقدر ما يعبر عن أزمة اجتماعية أخرى لها ظروفها المختلفة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش