الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نقد : «حجرة الناي» لإبراهيم نصر الله * مرايا الخريف في عواصف القلب الأخيرة

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 مـساءً
نقد : «حجرة الناي» لإبراهيم نصر الله * مرايا الخريف في عواصف القلب الأخيرة

 

 
* د. محمد عبد القادر



آثار صدور المجموعة الشعرية الأخيرة "حجرة الناي"(1)(2007) للشاعر الروائي إبراهيم نصر الله في نفسي رغبتين ، الأولى إعادة قراءة "عواصفه القلبية" الثلاث السابقة خاصة وأنه اعتبر هذه المجموعة الأخيرة "عواصف القلب 4". أما العواصف الثلاث فهي على التوالي: عواصف القلب (1) :1989 شرفات الخريف (2) 1997 ، وكتاب الموت والموتى (3) ,1998 وقد كان باعث الرغبة هذه محاولة التقاط رؤية مشتركة قد تتناثر في مجموعات شعرية أربع اتخذت جميعها شكل القصيدة القصيرة ، ما بين شعر ونثر أما الرغبة الثانية فقد تمثلت في العودة إلى ما تبقى لديّ من مصادر في الأدب الإنجليزي ذات صلة بالشعر الرومانسي الإنجليزي(2) ، ومردُّ ذلك إلى عشرات القصائد القصار التي خص بها نصر الله فصل الخريف وإحساسي الخاص بأن ثمة أصداء رومانسية من نوع معين يمكن التقاطها في سلسلة العواصف وفي هذا السياق تطمح هذه القراءة النقدية إلى البحث عن خيوط فنية ورؤيوية تربط بين هذه الأعمال و"حجرة الناي" أو عواصف القلب الرابعة.

قسّم الشاعر مجموعته الشعرية هذه إلى ثلاث حجرات دون أن يضع عنواناً لكل حجرة ، بيد أن الحجرة الأولى شكلت ما يربو على ثلاثة أرباع الديوان تناولت في مجموعها الخريف بأبعاد وتمثيلات فنية متعددة ومتنوعة. وبدا لي أن "حجرة الناي" صورة فنية إبداعية للقلب المسكون بالحزن ، فإذا كان للقلب حجرات أربع ، فإن رابع حجرات الديوان هو الناي ذاته ، آلة النغم الحزين والقلوب الجريحة ، والذي منح الديوان اسمه ، فوشى بروح قصائده التي تطرح ، كما أرى ، سؤالين رئيسين: (1) كيف رسم الشاعر صورة الخريف ـ أو صُوره؟ (2) ما علاقة الخريف بالحب ـ المرأة والإبداع ـ الشعر عند نصر الله؟ ينطوي ديوان "حجرة الناي" على تمثيلات شتى للخريف ، وعلى معانْ وأبعاد متعددة لهذا الفصل الذي يقيم في المخيلة العامة على أنه وقت السقوط ، سقوط أوراق الشجر وثمارها ، انطلاق الرياح والعواصف أحياناً ، وتناثر الغيوم في السماء ، واصفرار الخضرة ، واحتجاب الشمس أحياناً. وإذا كان البريطانيون يسمونه (autumn) فإن الأمريكيين يطلقون عليه اسم (fall) ، أي فصل السقوط ، وكأنه الفصل النقيض للربيع بجماله وبهائه. وبدا لي - اجتهاداً - أن للخريف كلفظة عربية علاقة "بالخرف" ، أي بداية السقوط لقدرات العقل والروح والجسد ، وتلك حال الطبيعة بالمقابل.

في "حجرة الناي" انتقى نصر الله من صور الطبيعة خريفها ، وهو يعي بالطبع واقع الخريف ورمزيته في الذهنية العامة كفصل ينذر بقسوة قادمة مع مرور الأيام والأسابيع. على أن الشاعر لم يقدم الخريف كفصل من فصول الطبيعة بل إستعان به إطاراً لمعانْ ودلالات فلسفية إنسانية عميقة.

مقارنــات:

وهنا يتأتى مبرر استحضاري للشعراء الكبار من رموز المدرسة الشعرية الإنجليزية الرومانسية ، وكيف تصوروا علاقة الإنسان بالطبيعة وبالإبداع ، مع التنوع والاختلاف في هذه الرؤية بين شعراء المدرسة الشعرية الواحدة. يقول بليك(3) (Blake): أنظر إلى الشمس البازغة ـ هناك يعيش الإله ويعطي ضياءه ـ ويمنح دفأه فتتلقى الزهور والأشجار والوحوش والرجال منه الرفاهية في الصباح ، والفرح في الظهيرة.

أما ويردزويرث (Wordsworth) فيقول: ..... عندما أستلقي في فراشي ـ فارغ الوجدان أو مثقلاً بالفكر تومض هذه الزهور ـ في بصيرتي.... ـ عندئذ تفعم قلبي المسرة ـ ويرقص مع أزهار النرجس.

يوضح النموذجان أعلاه هيام الرومانسيين الأوائل بالطبيعة وعناصرها ، فيقول شاعرهم أنها تبدد الهموم من نفسه ، أي أن الطبيعة هي الأصل والنفس مرآتها ، وكأن الطبيعة تعكس صورتها في نفس الشاعر فتحلّ فيها المسرة أو يكتنفها الحزن. ومن هنا تصبح الطبيعة نفسها مصدراً لإلهام الشاعر ومحدداً لحالته العاطفية ومشاعره الخاصة. فالجمال والسعادة يوجدان في الطبيعة ، وهكذا الشعر ، كما يرون.

وهناك كيتس (Keats) أكثر الرومانسيين هياماً بالحزن والخريف حتى أنه اختص الخريف بواحدة من قصائده الشهيرة عرض فيها وصفاً خارجياً للخريف ضمنّه ثناءً وتمجيداً لهذا الفصل بقوله: أين أغنيات الربيع؟ أين هي؟ لا تفكر فيها ، إن لك أنغامك أنت الآخر لقد رأى (كيتس) في فصل الخريف جماليات خاصة لا تقل عن جماليات الربيع وأنغامه. على أن كوليرج (Coleridge) قد رأى الطبيعة بمنظار أكثر عمقاً ، ولم يقدمها صورة مستقلة عن ذاته الإنسانية ، ولم يجد فيها مصدر إلهامه الأساسي ، بل رأى أن المهم هو ما يجري في داخل النفس الإنسانية وهذه هي التي تعكس ذاتها على الطبيعة فترى في الطبيعة جمالاً أو قبحاً.

يقول (كوليرج): وهذا الهلال ، ثابتاً كما لو كان قد نما في بحيرته الزرقاء التي لا سحاب بها ولا نجوم إني أبصرها بديعة للغاية أبصرها ، ولكن لا أحسّ كم هي جميلة إلى أن يوضح رؤيته بصورة مباشرة بقوله: يجب ألاّ آمل أن أكتسب من الأشكال الخارجية العاطفة والحياة ، اللتين تكمن ينابيعهما في داخل الإنسان وفي صورة جميلة تجسّد هذه الرؤية يقول: أيتها السيدة، ـ نحن لانتلقى إلاّ ما نَهًبْ وفي حياتنا وحدها تحيا الطبيعة فنحن نملك ثوب عرسها ، كما نملك أكفانها إزاء هذه الرؤى المتعددة للطبيعة ، والخريف عنصر من عناصرها ، ما هي الرؤية التي رسمها نصر الله للخريف في "حجرة الناي"؟ وما علاقة ذلك بالحب والإلهام والإبداع؟ في محاولة لالتقاط خيط يصل عواصف نصر الله الأربع بعضها ببعض ويلقي الضوء على رؤيته المتبلورة في "حجرة الناي" اخترت بعض القصائد علّها تفي بالغرض. في عواصف القلب (1) يقول(4): قبل أن يسقط القلب ـ في الأفق مروحة أو خريف سأكتبها (القصيدة) قبل أن تضمر الطرقات ـ ويهرم فيّ الرصيف وفي عواصفه الثانية يقول: من سيكتب هذي القصيدة ـ حينما ترحلين من يرتبها وينقي بيادر حنطتها ـ من ظلام المنافي ويرشدها لمدى الياسمين ويقول في الثالثة: بأغنية مكسورة ـ وقامة تشبهها حزيناً أعبر الشوارع منذ رحيلك ـ وأمر بالياسمين كنهر فقير لا يملك من هذا العالم ـ سوى ضفة واحدة وفي "حجرة الناي" - أو العواصف الرابعة - يقول: تلك أغنيتي ـ قبل هذا الختام لا خريف مع امرأة ـ والسلام إن تأملاً بسيطاً لهذه القصائد المنتقاة من العواصف الأربع يشير إلى هواجس تعتمل في نفس الشاعر وتعكس قلقه على مصدر إلهامه الشعري ، فهو إذ يخشى غدر الموت وعجز الجسد ، يهجس بقلق إبداعي يثيره زوال الحب فتغدو قصائده ضالة ، خاوية بلا معنى ولا روح ، ولعل القصيدة الأخيرة الواردة أعلاه تحسم الأمر بشكل قاطع ومفاده أن الحياة والإبداع والربيع لا تكون إلاّ إذا كانت المرأة.

هل يعكس الديوان حالة خاصة بشاعر تجاوز الخمسين وبدأ يهجس بأسئلة الوجود الكبرى؟ ليس الأمر مستبعداً ، فالمبدعون في حياتهم يتمنون الخلود ، وهم إذ يدركون حتمية سقوط الجسد في نهاية المطاف ، فلا أقل من أن يخلّدهم إبداعهم.

في "حجرة الناي" قصيدة يقول فيها إبراهيم: خريفي الذي كان يهذي بخمسين لوناً ـ ويركض كالطفل خلف المطر رأيت هنالك خلفي ظلال اندفاعاته ـ وهي تتبعني مثل قط أليف وتبكي كقاتلي المنتظر وفي "كتاب الموت والموتى" ، العواصف الثالثة ، يتحدث عن موت يطرق الباب فيقول: إذا جاء الليلة قولي له ـ أنه لم يكتب القصيدة بعد إذا جاء غداً قولي له ـ إنه لم يكملها إذا جاء ثالثة لا تقولي له شيئاً وأدخليه ـ على الأقل هناك من يسأل وهو الذي قال في عواصفه الأولى: أجيئك بالشعر ـ أجيئك باللون ـ أجيئك بالكون أجيئك كي تودعيني لديكً ـ لأني أخاف الفناء ها هو الشاعر ، يهجس بخريف العمر ، وسطوة الموت الذي يهرب منه إلى المرأة ـ الحب التي تمنحه إحساساً يشبه الخلود في الزمان ، أو قل خلود الفن الذي يجود به الحب.

وعلاوة على قيمة الرؤية التي تمثلها قصائد التجربة في "العواصف" ، إلاّ أن "حجرة الناي" يمثل أيضاً تزايداً في نضوج شكل القصيدة القصيرة لدى نصر الله وازدياد عمقها وكثافتها ، وهو ما يتبدى في التمثيلات الفنية والصور البلاغية والرموز الإبداعية للخريف ، ليس كظاهرة طبيعية بل كحالة معنوية تجسد تأملاً عميقاً مدهشاً. فالدروب التي تنتهي "صحراء" ، والصحراء ذاتها "خريف معتق" ، و"الغراب خريف الحمام" ، والخريف"ضرير أضاع عصاه" أو هو "قطة أليفة أكلت أولادها" ، والهاتف الذي لا يرن خريف ، ومثله الباب الذي لا يُدق ، واللقاءات العابرة خريف ، ومثلها أنصاف العلاقات والعواطف التي لا تشكل في مجموعها واحداً. ولا شك في أن انتزاع هذه الصور من سياقاتها الفنية يجردها من قوة التأثير ويحدُّ من متعة الإدهاش ، هذا الإدهاش الذي يتجلى في آخر قصيدة خريفية في الديوان حيث يختتم بها نصر الله الحجرة الأولى بقوله: لا ترد السلام على أحد لا يحب الخريف ولا ينحني لنحول الشجر لا ترد السلام على أحد لا يحب الخريف الخريف بشر وفي ظني أنه هنا يكتمل معنى الخريف في رؤية الشاعر الفلسفية للإنسان والطبيعة والحب. والخريف هنا هو نحن ، هو ذاكرتنا ، تماماً كما يمثل المكان ذاكرة للإنسان ، فيغدو الزمان وجهاً آخر من وجوه الذاكرة ، ونبعاً من ينابيعها. إن حباً - على سبيل المثال - يولد في الخريف يجعل الخريف زمان الحب ، كما أن حباً يذوي في الربيع يجعل الربيع ذاكرة الرحيل والجفاف والموت.

في "حجرة الناي" ارتقى نصر الله بالحب وأسكنه عرش القيم الإنسانية ، ومنحه فضيلة الإبداع ، وجعله مصدر الوجود وغايته ، وفي ضوئه أعاد تسميات الأشياء وأضفى عليها ظلالاً جديدة محمّلة بقوة المعنى وعمق الإيحاء. في "حجرة الناي" ، أو عواصف القلب الرابعة ـ الأخيرة ، قصائد جميلة تثير من الدهشة بقدر ما تثير من الإعجاب.



ہ ناقد أردني



هوامـش:

1.إبراهيم نصر الله ، حجرة الناي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت (2007).

Bloom Harold, and Trilling, Lionel. Romantic.2

Poetry and Prose, Oxford Univ. Press, NY, ,3791

3 0جميع المقتطفات الشعرية الرومانسية الواردة في المقالة مستقاة من كتاب مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي لعبد الوهاب المسيري ومحمد علي زيد ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، (1979).

4. إبراهيم نصر الله ، الأعمال الشعرية ، المؤسسة العربية.. ، بيروت ، (1994).

Date : 09-11-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش