الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التجربة البرازيلية إسماعيل الشريف

تم نشره في الأحد 28 شباط / فبراير 2016. 07:00 صباحاً



 «المعلم الأول في حياتي كانت امرأة، ولدت أمية، وماتت أمية، إنها أمي، ومع احترامي لكل الأكاديميين والخبراء الاجتماعيين، فهم يعرفون الكثير عن الإحصاءات والدراسات، ولكنهم يعرفون القليل عن الفقر، الشخص الذي يعطي نصف دولار للفقير يراها صدقة، ولكن لا هو ولا هؤلاء الخبراء يعرفون ماذا يستطيع الفقير أن يفعل بالنصف دولار هذا، فمعظمهم لم يذوقوا الفقر، لم يذهبوا إلى العمل دون إفطار، ولم يعيشوا في بيوت غمرتها المياه، ولم ينتظروا ساعات لركوب حافلة، في الجامعات لم يعلموا كيف يجابه الفقر، فالخبراء والأكاديميون الاجتماعيون لا يرون الفقر سوى أرقام» – لولا



كان المشهد مضطربا في البرازيل عام 2002، عندما بدا أن المرشح لمقعد الرئاسة اليساري لويس سيلفا الملقب بلولا هو الأوفر حظا لخلافة الرئيس الوسطي فرناندو كاردوسو، فاضطربت الأسواق وتوجس رجال الأعمال خيفة.

لولا هو الطفل السابع لأسرة مكونة من ثمانية أبناء، ولد في أفقر مناطق البرازيل، أجبر على ترك المدرسة وعمل ماسحا للأحذية، وفي العاشرة علم نفسه القراءة والكتابة، وفي سن الرابعة عشرة عمل في مصنع وفقد خنصره، ثم انضم إلى الاتحادات العمالية وتدرج إلى أن أصبح رئيس اتحاد نقابة عمال الحديد والصلب ولمّا يبلغ بعد الثلاثين من عمره، ترشح ثلاثة مرات للرئاسة ولم يحالفه الحظ وكانت شعاراته تأميم الصناعة والتوقف عن دفع الديون، إلى أن فاز أخيرا بانتخابات عام 2002، مطلقا شعارا وحيدا هو القضاء على الفقر خلال جيل.

وما أن وصل لسدة الحكم حتى بدأت دراسات تظهر مخاطر الاستثمار في البلاد، وبدأت البنوك الدولية بوقف تسهيلاتها المالية، وانخفض مؤشر السوق المالي بنسبة %30، وبدأ رأس المال بالهروب فخلال عدة أشهر خرج من البرازيل حوالي 12 مليار دولار، وانخفض سعر الريل البرازيلي امام الدولار بنسبة %40.

وما أن وصل لولا لسدة الحكم حتى اختار فريقا اقتصاديا عبقريا، وقام بخفض الانفاق الحكومي بشكل كبير مما وفر فائضا في الميزانية، ثم أطلق مباشرة خطته الاجتماعية ( صفر الجوع ) من خلال أربعين برنامجا مختلفا أداره عشرون وزيرا ، وكان على رأس هذه البرامج برنامج (منحة الأسرة) وهو برنامج ثوري يقوم على أساس منح الفقراء نقودا بدلا من سلع وخدمات.

في أول الأمر جوبه هذا البرنامج بمعارضة شديدة، فمنح الفقراء نقودا قد تتوجه في الأماكن الخطأ، وسيؤدي إلى اعتماد الفقراء على الدولة وسيكون على حساب استثمارات الدولة في البنية التحتية؛ ولكنه ضرب بعرض الحائط كافة تحذيرات البنك الدولي ومعارضيه، فقد آمن بأن منح الفقراء دعما غير مباشر كان مهينا للفقراء، ومرتفع الكلفة وغير فعال، ويحتاج إلى أنظمة إدارية معقدة تسمح بكثير من الاستغلال والفساد، وآمن أيضا بأن أكثر الناس قدرة على مكافحة الفقر هم الفقراء أنفسهم.

وكان وصول المستفيدين إلى البرنامج يخضع لشروط، أهمها أن تصرف النقود للأمهات، وأن يكون أطفالهن الذين في الأعمار 6-15 مسجلين في المدارس، وأطفالهن الذين دون السابعة قد حصلوا على مطاعيمهم، وأن تخضع الأمهات وأطفالهن لفحوص طبية مستمرة، واشترط على الحوامل أيضا الخضوع لفحوص طبية، وأن توفر الأمهات الرضاعة الطبيعية لأطفالهن.



لولا كان مصمما على كسر القاعدة السائدة: في البرازيل إن ولدت فقيرا ستموت فقيرا، فهدفه كان توفير فرصة أفضل للجيل القادم من خلال صحة وتعليم أفضل وقليل من النقود.

كل هذه الشروط وشروط أخرى رسخت شعورا لدى الناس بأن عليهم العمل لكسب هذه النقود.

وبالطبع ظهرت اختلالات واستغلال عندما طبق البرنامج، ولكن لولا استمر في عناده، ففي شهر كانون ثاني من عام 2005 وضع استراتيجية جديدة تم بموجبها إنشاء سجل وطني وموحد لتسجيل المنتفعين في البرنامج، ووضع نظام مراقبة فعال من خلال لجان شعبية، فتحسن أداء البرنامج بشكل كبير، وحظي بدعم شعبي واسع، ووجد فيه خبراء البنك الدولي خيرا كثيرا، وعندما خلفت لولا الرئيسة الجديدة للبلاد ديلما روسيف توسعت في البرنامج وأطلقت برنامج (البحث النشط) الذي يقوم على إرسال باحثين اجتماعيين إلى أكثر المناطق النائية في البرازيل لإشراك سكانها في هذا البرنامج.

أدى هذا البرنامج إلى انخفاض وفيات المواليد بنسبة %58، وتحسين فرص التعليم للفقراء بنسبة %26، وتخفيض العمالة بين الأطفال بنسبة %14 والفقر المدقع بنسبة %15 لتصبح في عام 2014 %3، ونقل 36 مليون شخص من الطبقة الفقيرة إلى المتوسطة، وارتفع متوسط دخل الأسرة البرازيلية بنسبة %27 ، وأدى إلى إرتفاع الناتج القومي البرازيلي بنسبة 1.78 %، وزادت مستويات السعادة والشعور الوطني، ووجدت دراسات أن 75% من المستفيدين من البرنامج كانوا يعملون وأن الذين لم يعملوا لأنهم لم تتوفر فرص عمل كافية لهم في مناطقهم، وانعكس البرنامج على القوة الشرائية في البرازيل فحسن من الاستهلاك ودورة النقود.

كل هذا تحقق بإعطاء الفقراء مبلغ بسيط هو 65 دولارا شهريا، وهو مبلغ وجد الأغنياء أنه لا يكلف دافعي الضرائب سوى 0.5 % من الناتج القومي البرازيلي.

وقد خلصت دراسة بريطانية إلى أن كلفة هذا البرنامج تقل بحوالي 30% عن أي برنامج آخر، وأصبح هذا البرنامج مصدر اهتمام من دول العالم، فثلاثة وستين دولة أرسلت وفودا للبرازيل لمشاهدة البرنامج على أرض الواقع، وأربعين دولة طبقته منها تركيا.

كم نحن بحاجة إلى برنامج وطني على غرار هذا البرنامج لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، فنحن لدينا عقول متقدة وسواعد فتية بانتظار فرصة مثل هذه التجربة العبقرية الناجحة.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش