الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من صادر الآخر في كتابته الفكري أم الواقعي؟ ...فايز محمود.. تجربة السرد بأدوات الفلسفة ...* د.محمد عبيد الله

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2007. 02:00 مـساءً
من صادر الآخر في كتابته الفكري أم الواقعي؟ ...فايز محمود.. تجربة السرد بأدوات الفلسفة ...* د.محمد عبيد الله

 

 
كيف يمكن قراءة فايز محمود أو قراءة إنتاجه المتنوع؟ هل نقرأه من منظور الفلسفة أم الأدب؟ وأي المنطقتين أقرب إليه؟ هل هو كاتب أم فيلسوف؟ وهل يمكن لمنهج نقدي محدد أن ينطبق أو يساعد في محاورة هذه الكتابة التي يختلط فيها الوعي الفلسفي بالتعبير الأدبي السردي؟ إذا ما تأملنا الأدب العربي بصفة مجملة فسنجد نوعا من الفرار التاريخي من الفلسفة ومشاغلها واسئلتها وتأملاتها ، مقابل غلبة الصيغة الغنائية العاطفية وفي أفضل الأحوال المشاغل الواقعية وما يتفرع عنها أو يرتبط بها.
نتذكر مثلا تجربة المعري كتجربة مرموقة في سياق التداخل بين الأدب والفكر ، بين الشعر والتفلسف. كما نتذكر طائفة الفلاسفة الأدباء الذين ظل السؤال الفلسفي هو الاساس عندهم ، ابن سينا مثلا ، وابن طفيل صاحب القصة الفلسفية الشهيرة: حي بن يقظان الذي يبدو أقربهم إلى فايز محمود على الأقل من خلال شخصية مضادة لحي بن يقظان اسمها عند فايز: ميت بن نعسان.
لكن من الواضح أن هناك فرقا او فروقا جوهرية بين الاثنين: هي المسافة المقلوبة للاسمين المتقابلين: ميت وحي ..يقظان ونعسان.
وإذا كانت فلسفة ابن طفيل تعتمد مبدأ الإشراق الصوفي للوصول إلى الحقيقة عبر أشواق الشخصية ومطلق مهاراتها في الحياة واليقظة فإن المدخل الوجودي التشاؤمي لفايز قلب شخصية بطله إلى الموت والنعاس ، وهو ما يوصل إلى حقيقة: اللا حقيقة واللايقين ، أو إلى تبدد "الحقائق" بأية صيغة متوقعة وتبديد فرصة البحث عنها والتشوق إليها.
تظل كتابة فايز محمود محيرة مهما أعدت قراءتها ، من نواح عدة ، فأنت ستتبين فعلا أنه لا يضع نفسه مختارا في موقع ما ، موقع يكون منطلقا للكتابة وتسويغا لوضعيتها. إنها تبدو أقرب للقدر الوجودي وللضرورة بالمعنى الفلسفي عنده. إنها شكل من أشكال البحث عن الحقيقة ، وصورة من الصور المحتملة لممارسة الحرية ، إنها حيرة الكائن وسؤاله ... إنها شكل من أشكال التجريد اللغوي للسؤال الفلسفي الأصعب.
ومن هنا تأخذ مثلا صبغة الذهنية التي قد لا تعجب كثيرا من قراء الأدب الباحثين عن حيوية الحياة وحركتها لا الأفكار المجردة والأسئلة الوجودية المختبئة خلفها. وفي الإطار نفسه تلتبس الكتابة بصاحبها ، بأفكاره وتأملاته ، وتكاد تمثل سيرة فكرية وفلسفية له على نحو ما تمثل حي بن يقظان الوجه الضمني لسيرة ابن طفيل الفكرية والتأملية. ووسط هذه النسيج من السيرة الفكرية هناك أطياف وقطع ومواقف من حياة الكاتب ووقائعها ، ولكنها في ظني لا تمثل صورة من صور تداخل السيرة الذاتية بالسرد بمقدار ما تظل محكومة بالوعي الفكري لصاحبها.
إنه لا يسرب من حياته إلا ما يعيد تأويله وتجريده ليأخذ موقعا في رقعة الفكر والتأمل ، فالتحويرات التي يقوم بها لا تتأتى من الخيال بمعناه الأدبي وإنما تنبع من الطبيعة الشقية لتأملاته ، تلك التأملات التي لم تنقله إلى مصاف الفلاسفة ولكنها منحته كثيرا من التميز بين كتاب الأدب.
هذا التجريد من الواقعي إلى الذهني هو الذي يصبغ طائفة واسعة من قصص فايز محمود ، فتغدو الشخصيات بلا أسماء وبلا انتماءات واقعية واجتماعية.
تتجرد الشخصية إلى صيغة "الإنسان" الذي تشغله أسئلة الكينونة والصيرورة.. المآل والمسير والمصير. يغدو آدم أو قابيل أو ميت بن نعسان ، أو يغدو رجلا أو امرأة دون اسم ، أو له اسم بلا وظيفة أو معنى ولو أبدلناه بأي اسم آخر لما تغير أو تبدل شيء. ولو تذكرنا الأسماء المتعددة مثلا في مجموعته: العبور دون جدوى من مثل: محمود ، كامل ، مجاهد ، خالد وتساءلنا عن الفرق بين هؤلاء البشر.
لكان الجواب أنهم شخصية واحدة متعددة الأسماء وأن هذا التعدد لا معنى له أبدا ، ولا يغير من جوهر الشخصية شيئا.
إنها هي هي في همومها الفلسفية والثقافية وفي خيبتها العاطفية وفي إخفاقاتها المعيشية غير المسوغة قصصيا إلا إذا كان التأمل الفلسفي نقيض ممارسة الحياة ومباشرة العيش كما يفعل سائر البشر. وإذا كانت الكتابة القصصية في فلسطين والأردن قد مالت إلى وضوح الهم الواقعي في المستوى السياسي والاجتماعي ، وفيما يتصل بقضايا العيش وحركة الواقع إجمالا ، فإن فايز محمود تميز بنبرته الفلسفية الأقرب إلى الوجودية.
ولسنا نعرف من أين نبعت وجوديته وما العوامل التي شجعته للوقوف الطويل عندها ، ولماذا لجأ إليها وهو الذي بدا ضحية واقعية بامتياز لجملة تكوينات وأوضاع غير وجودية نطل عليها أو على أصدائها في جوانب من إنتاجه ، بعد تحويرها من الواقعي إلى الفلسفي والوجودي. هل يمكن أن نعد "وجودية فايز" صورة من صور الفرار من الواقع الذي لم يستطع فهمه أو السيطرة عليه ، وتكون الوجودية هنا حلا اعتباطيا يشتت المواجهة عوضا عن الصمود فيها؟ من جانب آخر يصعب تصنيف ضروب التأمل والأسئلة الفلسفية التي تتكرر في كتابات فايز ضمن منحنى تطوري فكري متماسك. صحيح أنها تستند إلى كثير من مشاغل الوجوديين الذين شاعت كتاباتهم في العالم العربي في الخمسينات والستينات من خلال دار الآداب ومجلة الآداب ومن خلال مجلة الأفق الجديد التي تواصل معها فايز وراسلها من المفرق ونشر فيها بعض الكتابات المبكرة ذات المنزع الفكري المبكر.
ولكن هذا لا يكفي ولا يغني لأن اهتمامات فايز استمرت من بعد وظلت متكررة حتى كتاباته المتأخرة دون أن تكف عن مواصلة تسآلها حتى وإن بدا مريرا مكررا أحيانا.
ظلت الذات عنده ذاتا غامضة مشتتة بين تكوينها الاجتماعي ومآلها الفلسفي الممزق ، وجوديته يمكن وصفها بالوجودية الاعتباطية التي تتصادى مع تكوينه الخاص ومع قراءاته المتنوعة غير المنظمة ، وتفضي غالبا إلى تأملات ممتعة صعبة لكنها غير متماسكة أو لا توصل إلى نسيج كلي فكري.
ومع ذلك فإن ما ينقذ هذه الوجودية من العبث واللاجدوى ذلك النوع من "الإشراق" أو "الفيض" الأقرب إلى مذاهب المتصوفة المسلمين. ولكنه أيضا إشراق ناقص لأنه لا يفضي إلى أية صورة من صور "الإيمان" أو "المعرفة" ، بل يظل معطوبا بالسؤال الحائر والقوى المنهارة للكائن وللذات الإنسانية التي بمقدار جوعها للطمأنينة فقد احترفت تبديدها والفرارمنها.
من صادر الآخر في تجربة فايز محمود: الفكري أم الواقعي؟ ولماذا ظهرا نقيضين لا يلتقيان؟ وهل بالضرورة أن يأخذ السؤال الوجودي كل هذه المساحة المعتمة التي تبدو كما لو كانت مسؤولة عن انطفاء بهجة الحياة ومباهجها في روحه لا منذ اليوم بل منذ أمد بعيد يرجع إلى كتاباته المبكرة التي يفلسف فيها الحب ويسجنه في تابوت وجودي لا يمازجه النور حتى يخنقه ، ثم يتحول إلى بكاء أسيان فيرثيه ويتخذ منه سبيلا للكلام عن الموت ، ومحاولة مباشرته عبر فعل الانتحار الذي ظل ثيمة كبرى في أدب فايز محمود ، ومفردة متكررة في حياته قبل تيسير سبول وبعده.
ما العلاقة بين فكرة الانتحار وتأمل الموت والايمان بسقوط الانسان في عبث العالم وتفاهة الحياة؟ من حمى فايز من نفسه: أهو قدره أم هو تكوينه الداخلي الصارم القوي رغم هشاشة الخارج وتماثله للسقوط والانهيار؟ هذه الأسئلة تجد مجالا رحبا للتأمل وللمجابهة في قصص الكاتب نفسه حيث الحدود غير بعيدة بين الذات وموضوعها بل حين تغدو هي نفسها موضوعا للتأمل ومشروعا للاختبار الفلسفي الصعب.
هل يمكن القول إن تجربة فايز ولدت في الزمن الخطأ ، ونمت نموا اعتباطيا شرسا في زمن موت الفلسفة وتراجع أسئلتها لصالح أسئلة أخرى وخصوصا في الأدب والفن ، وظهرت علوم أخرى ورثت الموقع الأثير للفلسفة وكادت أن تعوض عنه.
يضاف إلى هذه المسألة الغياب شبه المطلق للمشاغل الفلسفية في بلادنا أكثر من أية بقعة اخرى ، ربما لأسباب تربوية وأخرى متصلة بغلبة السؤال الواقعي والسياسي واليومي الذي لا يترك مساحة كبيرة لأسئلة أصعب وأعمق لكنها تبدو أقرب للترف في واقع محوط بالدمار اليومي والعبثي المتأتي لا من الوجود المطلق الغامض وإنما من أسباب شديدة الوضوح والقرب والقسوة.
كما أن المشتغلين بالفلسفة عندنا تأثروا ببعض اتجاهاتها وتركوا اتجاهات أكثر أهمية وخطورة ولم يحولوها إلى فلسفة "واقعية" إن جاز التعبير. فلسفة الواقع أو تجسير الفلسفة وتيسير أسئلتها لم يبد همّا عند أصحابها ومنهم فايز محمود الذي ظل معتصما بأسئلته من غير أن يتساءل عن إمكانية التواصل معه وما الذي يعني الناس من أمره واسئلته ، فظلت أسئلة معزولة تقدرها النخبة او بعض أفرادها وإن كانت ترى فيها ترفا فكريا غير مفسر بما يحوطها من أحوال الواقع وحاجاته.
أبطال فايز محمود أو بطله الاثير مشغول بـ"شؤون الفكر" التي تغلب على كل اهتمام آخر. إنه يفكر دوما كطفل كبير ، يعاني غربته الوجودية وقد يتساءل "أيتها الروح البائسة من حوالي ثلاثين عاما ألقيت في الكون والوجود ، ولا زلت تعانين الغربة؟ ولا زلت تخشين ذاتك؟ وترهبين ممن تحبين؟ هذا هو الوجود اللامتناهي يضيق ويضيق فإلى أين الالتجاء؟" مثل هذا الخطاب عن السقوط في الوجود وعن غياب التفاؤل في الغد كما في الماضي أمر يسيطر على البطل المتأزم الذي لا نعرف من تكوينه شيئا ، ولا يتكشف لنا واقعه بوضوح لنعرف منابع اسئلته الوجودية المتشائمة.
قد ينتسب للمقاومة الشعبية كما تخبرنا بعض القصص وقد يدخل السجن بعد نضالات سياسية وإعلامية معينة ولكنه يبدو غائبا منوما كما لو كان المناضل والسجين شخصا آخر لا يعنيه أمره. وخلافا لأدب السجون مثلا يختفي السجن او تختفي معاناته المباشرة لصالح هواجس الوجود وأحزانه. الواقع كله يبدو طبقة سطحية لا قيمة لها أمام سماكة الطبقة الوجودية والفلسفية في مشاغل فايز وكتاباته.
وما أكثر ما يكرر عبارات عن السقوط في الكون أو في العدم وما يشبه ذلك من المعجم الوجودي الأسيان. وحين يكتب عن البحر الميت ينشغل بصراع الأرض ـ البر مع الماء ويستشرف مصير البحر الميت مستندا إلى بعض دلالات الميثولوجيا المرتبطة بالبحر الميت ومحيطه. ويفيد في بعض أجواء قصصه من أسفاره واغترابه الفعلي ولكنه يحول التجربة إلى صيغة مشددة من الاغتراب الفلسفي التأملي ولا يترك للواقع فرصة أن يظهر بعيدا عن: الكوني والعدمي والوجودي.
لا مكان لتفاصيل الواقع إلا إذا خدمت السؤال الفلسفي وعززته بمزيد من الآلام. ولهذه الأسباب ولغيرها تفتقد قصة فايز محمود للبؤرة أو منطقة التركيز ، وتصاب بمس من التشتت الظاهري الذي لا شك يزعج القارئ السردي الذي يريد الطريق المشوق النامي للحكاية ، إذ يغدو في مكانها المفترض جولة دسمة من التأملات التي لا تترابط إلا كي تتفكك من جديد ، ولا تتجمع إلا لتتمزق مرة أخرى وتعكس أثناء ذلك تمزق البطل ومعه الكاتب الذي لا يفترق في تفكيره كثيرا عن بطله مهما تكن صفته أو اسمه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش