الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«جـناحـها الـريح وغـيمة ماطرة» * لآسية الـسخيري سيـرة امرأة غـائبة

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2007. 03:00 مـساءً
«جـناحـها الـريح وغـيمة ماطرة» * لآسية الـسخيري سيـرة امرأة غـائبة

 

 
محمد العشريہ
أنا امرأة تشدّني التفاصيل الصغيرة. تأتيني من الشتات القصي فأحاول ترميمها دون أن أسعى إلى الرد على سؤال طالما أرهقني وأرّقني". من هذا البوح الكاشف لحال أنثى تعي كيانها بحدة ، وتعيش كما تحب أن تحيا ، تهيئ الكاتبة التونسية آسية السخيري الطريق أمام القارئ ، ليقرأ روايتها الأولى "جناحها الريح وغيمة ماطرة" ، الصادرة حديثاً لدى "الدار العربية للعلوم" في بيروت. تتكئ الكاتبة على الموروث الشفاهي ، في بناء دراماتيكية السرد ، حيث تستمد الحوادث متنها وقوتها من أغانْ ثلاث ، هي فصول الرواية. يتبادر الى القارئ أنه في إزاء سيرة ذاتية ، تستمد من المونولوغ ما يفضي الى تكوين الشخصيات الرئيسية في إطارها الحكائي ، تشكيلاً وبناء درامياً مركّباً. وهذا ما يجعل الرواية في حال من البوح المفتوح ، على آفاق الشخصيات ، التي تمارس اعترافاتها ، راصدة آمالها وخيباتها ، نجاحاتها واخفاقاتها ، وهي تشرّح أنواتها من دون خجل يمنعها من لمس جروحها ولعقها ، في محاولة تجريبية لشفاء ذاتها بنفسها ، باللجوء إلى شكل تراثي في السرد ، ينبع رافده الأول من حكايات الجدّة: "لا تتردّدي ولا تجعلي السرّ الذي أوصتك كبرى مدينتنا بحفظه في بئر عميقة القرار". لكن هذا الأسلوب يستعصي على البقاء ، في تلك النقطة البعيدة ، بسبب ما تحمّله الشخصيات من طموحات ، تتداخل مع الحياة الآنية ، حيث يدخل السرد إلى تلك البئر ، التي تخبئ في أغوارها البعيدة أحلام المستقبل. في الأغنية الأولى: تطوف صفوى في فلك حياتها الطفولية بكاميرا حساسة ، تلتقط ذبذبات الحياة والموت ، في مدينتها العتيقة ، ذات الأسوار الصامتة ، التي يدهمها السيّاح ، فيتلمسون زخارف صخورها ، وهي البنت الصغيرة التي يتشكل وعيها ، وينمو كعشب تدهسه أرجل لا تعرف مسالكها في الحياة ، لكنها تتحرك مستجيبة أشياء خارجية كثيرة تمارسها من دون اقتناع. وهذا ما تحاول الكاتبة أن تنزع عنه الحجب ، لترى الصورة واضحة ، بلا رتوش: "لم أكن أذهب إلى الكتّاب إلا من أجل رؤيته والتملي في سحنته ، وها أنا بعد عشر سنين ونيف من رحيله الذي فجعني ما زلت أراه في جلباب يوسف". هذا هو سرها. حبها الكبير للعمّ عبد الله الذي كان في عمر جدّها ، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من عشقه. وساهمت في تعميق هذا العشق حكايات الجدّة عن الجنية ذات الشعر الأزرق ، التي عشقته ، وكانت تراوده عن نفسه. ينفتح السرد بدخول رشيد في الإطار ، ليشاركها تلوين حكايات الجدّة: "حدثني يا رشيد أرجوك وأنا أسرد على مسامعك فصلاً آخر من قصة العمّ عبد الله". وتمضي الكاتبة في فضاءات متشعبة ، تصبّ في حيوات كثيرة ، منها: رحيل الجدّ خلدون ، هجرة الخالة رضوى إلى روما ، وعودة رشيد من هجرته الطويلة في كندا ، يصاحبه ألم فظيع يقطّعه إرباً ، ويخفي عنها سرّه. حين مدّ إليها ظرفاً ضخماً ، ملصق الحواشي ، أوصاها بعدم فتحه إلى حين يحدث له مكروه: "ألحّ عليَّ أن أحفظ الظرف بعيداً عن الأعين ثم تركني وحيرتي". يخبرها رشيد حكاية عشقه لجمانة ، سبب حزنه الجارف ، وتشرده ، وطيفها الذي لاحقه في كندا ، وأورثه المانخوليا والبارانويا ، ثم أسلمه الى العلاج الكيميائي: "رشيد دون أن يرأف لحاله ، شنق نفسه". موت صديق الطفولة رشيد ، وضع صفوى في خضوع مخز ، لم يُخرجها منه إلا نجيب عبد الباري ، الرجل الذي تعرفت اليه صدفة ، ومنحها مالاً ، وعطفاً ، وثقة ، جعلتها تخرج الى الحياة ، وتنتمي إلى فرقة مسرحية ، مكّنتها من معانقة الخشبة بكامل كيانها. وتنهي آسية أغنيتها الأولى بموت الأب ، يصاحبه موت آخر لرجل لم يظهر في السرد ، هو سعيد اسماعيل زيتوني ، الذي لن يجد القارئ ظلالاً واضحة له حتى نهاية الرواية ، لكنه يتسرب في أرواح الآخرين وموتهم ، لأنه الرجل الذي هجر صفوى. في الأغنية الثانية ، يتطهر الممثل المسرحي نجيب عبد الباري من هوس أوجاعه بالإنغماس في الخطيئة ، وتقمّص المشاهد التمثيلية للإيقاع بالنساء ، ولدفع الملل والرتابة عن حياته ، هرباً من جرح قديم: "تعبّأت الروح الثكلى الى حد التخمة بالفراغ المريب والصدى الموحش والهياكل المحنطة". إتقانه دور الممثل ، جعله يغيّر جلدته ، ليصبح آخر لا يشبهه ، بغية نسيان آلامه ، فيتفنن في خداع النساء من أجل وطئهن: "لم أستطع أن لا أكون غير تلميذ أبيقور الوفيّ. ظللت لا أعترف بغير اللذة هدفاً سامياً في حياتي. اللذة والاشتهاء هي أساس وجودي الأمثل".
ومع نزيف اعترافه لصفوى ، يتعرف القارىء الى بذور تكوين العقدة في داخله ، ووصفه لأمه نادية جابر بالعاهرة ، لأنها خانت أباه الذي أورثه سلوكاً داعراً من حيث لا يدري: "كم أحتقرك يا أبي لأنك دفعتني إلى أن أهدر عمري الداعر بحثاً عن كنه الذي يلتمع في عينيك". طهّرته صفوى وأغرته بطفولتها الحزينة ، لتفتح في قلبه باباً يدخل منه الحب للمرة الأولى. مارس عبد الباري طقوس اعترافه بكامل عريه الإنساني بين يديها ، من أجل أن يكتشف سر نقمته ، وإصراره على ركوب صهوة الشر. فهل يقدر على الاستمرار في محبتها ، بعدما تعرضت له من مرض أفقدها أحد ثدييها؟ تسعى آسية السخيري في أغنيتها الثالثة إلى التغلب على الموت ، وفتح كوة يدخل منها النور إلى ظلام الأجساد ، التي تعفنت بالإنكفاء على ذاتها: "وأجدني أجري وراء جمال خفي متوحش يسكنه في أعماقه المكينة هذا الذي يتبدّى لي وللعيان قبحاً سافلاً". وتتجلى للقارئ صورة واضحة للمدينة وللناس ، أرادت الكاتبة أن تبرزها كشاهد عيان على ذلك الذي أورثها الحزن ، حيث تغيب عن مدينتها ، لكنها تبقى حاضرة بقوة في الذاكرة ، والمسالك ، والجدران ، وتظل عالقة في الأصابع ، لأنها تعيش وروحها ترصد ما تخبئه الضمائر ، الساعية للتطهر من آثامها: "التي لا شك أنكم ترونها تشرق الآن بالدمع ماتت منذ أمد بعيد... تلك التي تنتحب بصمت مروّع ماتت منذ دقائق لم تحص". وكما ماتت المدينة في ضمائر الشخصيات ، تُكمل آسية السخيري سيرة المرأة الغائبة بالموت ، التي تؤمن أن الحب هو سر الوجود: "ماتت ولم يغلق عينيها أحد ، ولم يطفئ ظمأها إلى نظرة حانية رفيق".
- روائي وناقد مصري
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش