الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«بحب السيما» و«الكومبارس» نموذجا * أفلام تعالج أزمة المواطن العربي المعاصر * أحمد طمليه

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
«بحب السيما» و«الكومبارس» نموذجا * أفلام تعالج أزمة المواطن العربي المعاصر * أحمد طمليه

 

 
لعله الخوف هو القاسم المشترك الذي يلتقي عليه أبناء الوطن العربي ، وهو خوف بتداعيات مختلفة من أبرز أعراضه الانطواء والتقوقع ، وإبقاء مسافات أمان دائمة أمام كل مجهول ، فالمبادرة ، والخروج عن المألوف هو الاستثناء وسط حشود طاب لها أن تضع رأسها بين الرؤوس ، وسير الحيط .. الحيط ، طالبة الستر ، وإذا كانت هذه الظاهرة لها تفسيراتها في عالم النفس وعلم الاجتماع ، فإنني أنظر إليها من منظور السينما ، وأحاول أن أبرز التجارب التي رصدت هذه الظاهرة وحاولت أن تعبر عنها.
أول ما يستوقفني في هذا السياق الفيلم المصري الحديث "بحب السيما" للمخرج اسامة فوزي ، فبعيداً عن حساسية الدين والكنيسة اللذين غلبا على أجواء الفيلم ، إلا أن اللافت في الأمر هو الخوف الذي أسر رب الأسرة (محمود حميدة) ودفعه لأن يجير حياته كاملة إلى عدم التواصل والتفاعل خشية الوقوع في الخطيئة أو اقتراف ذنب. وإلى جوار الأب المرعوب ، أظهر المخرج شخصية الابن وهو طفل في العاشرة من عمره يتابع برنامجاً كوميدياً ويضحك من أعماق قلبه في اللحظة التي تحلّ بالعائلة مصيبة ، وكأن لسان حال الفيلم يقول: عش حياتك ، فعلى الأرض ما يستحق الحياة.
المخرج السوري نبيل المالح تناول هذه الفكرة من جانب آخر في فيلمه كومبارس ، وللحديث عن هذا الفيلم نشير إلى أنه لا يوجد زاوية محددة تستطيع أن تلتقط من خلالها "طرف الخيط" الذي يمكن أن يقودك إلى عمق فيلم "كومبارس" الذي كتبه أيضا مخرجه نبيل المالح ، ذلك أن الأحداث متداخلة من المشهد الأول ونحن نشاهد البطل (بسام كوسا) يستمع لأصوات الإذاعات العربية وهي تكرر على مسامعه أخبار الاعتقالات والمداهمات ، والشهداء في فلسطين ، فيتبين لنا من اللحظة الأولى أننا أمام بطل مهزوم يحاول أن يعيش حياته كإنسان عادي ، طالما أن البطولة غدت من ضروب المستحيل ، وأقصى ما يمكن ان يتمناه الإنسان العربي هو أن يحقق أبسط أحلامه ، ويعيش كبني آدم مثل سائر البشر ، غير أن هذا الطلب على بساطته يغدو مستحيلاً.
نتعرف من مجريات الفيلم أن البطل يعمل "كومبارس" في احدى الفرق المسرحية ، كما يعمل في محطة وقود إضافة إلى كونه ما زال على مقاعد الدراسة الجامعية. هذا البطل الكومبارس يسعى جاهداً لتوفير مكان يستطيع أن يختلي به مع حبيبته لمدة ساعتين فقط ، وقد تم له ذلك ، أخيراً ، في بيت احد أصدقائه. وها هو ينتظر حبيبته بفارع الصبر. ولكن هـل بوسع الكومبارس أن يكون بطلاً لمدة ساعتين؟ وهل يستطيع أن يكون إنساناً بكامل قيافته أمام الفتاة التي أحبها للحظات؟ وهل بوسع الفتاة القادمة بحذر وخوف من أسرة محافظة ، ومن وسط تركيبة مجتمع غير سوّية أن تتماسك للحظات أمام حبيبها ، وأن ينسيا معاً المحيط بهما ويعيشا لحظاتهما منفردين؟
إن الكومبارس لا يمكن أن يكون بطلاً حتى ولو للحظة ، ولو على مستوى أن يتمكن من مسك يد حبيبته ، وذلك ما يتجلى في المشهد الذي يصوره وهو يقف ملخوماً داخل الشقة ينتظر حبيبته بقلق وتوتر ، وأنفاسه تتقطع من فرط الرعب. وفجأة يطرق باب الدار فيستعد بكل ما أوتي من حماس ورغبة لفتح الباب معتقداً أن الحبيبة تنتظر ، ليكتشف أن القادم وجه غريب بملامح متداخلة يسأل عن الشخص فاقد البصر الذي يسكن في الشقة المجاورة ، فيعجز الكومبارس عن الرد ، وتأتي أجابته عبارة عن مزيج من التلعثم والتأتأة.
يذهب الغريب ويظل الكومبارس أسير ضعفه وهزيمته ، ويحلم في غمرة ذلك لو قدر له أن يوجه لكمة لهذا القادم الغريب تعيده أدراجه ، ويتصور ذلك على شكل تخيلات وكوابيس ، إلى أن يفيق منها على صوت طرقات الباب من جديد ، ويكون القادم هذه المرّة الحبيبة الخائفة.
هل يمكن أن يلتقيا والخوف في أعماقهما أقوى من أن يسمح لهما بالتقاط أنفاسهما؟ ها هي الحبيبة حاضرة وهو حاضر والاثنان عاجزان عن التواصل. ها هو يراها من مقعده وهي في المطبخ تعدّ القهوة فيكشف فستانها الشفاف عن جزء من ساقيها ، فيلجم ، فوراً ، رغبته خشية أن تكشف عجزه. ها هما يحاولان أن يتمددا على السرير الحديدي المشبك بعد أن افتعلا تماسكاً مصطنعاً ، غير أن السرير ينكسر بهما ، فيزحف الكومبارس تحت الشبك الحديدي محاولاً تصليح السرير ، وتلحق به الحبيبة ، وهناك فقط يتعانقان ، حيث يأخذ لهما المخرج مشهد العناق من فوق الشبك فيظهران سجينين داخل الشقة الواسعة ، فلا يكتمل العناق بعد أن غدت دقات قلبيهما المرتعبة أعنف من عواطفهما. يسكنان إلى الصمت ، والدمعة حائرة في عين الحبيبة.
يحاول كل منهما أن يداري ضعفه أمام الآخر إلى أن يفقدا السيطرة على ذلك حين يُطرق الباب من جديد فيفتح الكومبارس وإذ بالجار فاقد البصر يندفع نحوه ويرجوه أن لا يسمح للرجل الغريب أن يأخذه.
يحاول البطل أن يكون بطلا للحظة واحدة ، لثانية على الأقل ، لكنه كومبارس مهزوم يدفع ثمن تدخله المتلعثم بصفعة على الوجه من القادم الغريب ، تعيده إلى حيث يجب أن يكون: مجرد كومبارس لا علاقة له بمجريات الأحداث.
نراهما في المشهد الأخير ينزل كل منهما على حدة: تنزل هي أولاً درج العمارة وتذهب في اتجاه ، ثم ينزل هو ناظراً إلى الاتجاه الذي ذهبت به ويذهب في اتجاه معاكس ، في إشارة واضحة إلى أن لقاءهما مستحيل في ظل الهزيمة التي تغمرهما من الداخل.
لقد ظلت أزمة الإنسان العربي مع محيطه هاجساً نكاد نلمسها بشكل واضح في تجارب المخرجين الشباب ، ونستشهد على ذلك بتجربة المخرج الشاب نبيل خان في فيلم "النوم حتى السابعة صباحاً" إذ يتحدث الفيلم عن شاب مهندس يُطلب منه أن يباشر عمله في موقع على شاطئ البحر ، حيث النية أن يتم بناء كباريه كبير هناك. يذهب الشاب إلى موقع العمل للاستكشاف ، حيث المفروض أن تبدأ عمليات الحفر والبناء غداً صباحاً في الساعة السابعة.
يلاحظ الشاب وجود كوخ قديم في الموقع ، وحين يتفحصه من الداخل يجد شخصاً كهلاً يعيش فيه ، فيطلب الشاب من الرجل الكهل أن يتدبر أموره ويخلي المكان ، ذلك أن عمليات البناء ستبدأ غداً وسوف يضطرون لهدم الكوخ. غير أن الكهل لا يسمع ، وحين يكرر المهندس القول يضع الكهل سماعته الخاصة على أذنه ليتقين مما يسمع ثم يعود لمواصلة هدوئه وطمأنينته ، الأمر الذي يفقد الشاب المهندس أعصابه ، فالأمر ملحّ والكهل لا يعيره اهتماماً ، فيضطر المهندس لأن يصرخ في أذن الكهل قائلاً: غداً الساعة السابعة صباحاً ستبدأ عمليات البناء وسيتم هدم الكوخ. وفي ذروة انفعال المهندس ، يرد الكهل بهدوء شديد: "لن يحدث شيء الساعة السابعة صباحاً ،"
يحار المهندس في أمر الكهل ، فمن أين يستمد قوته؟ وإلى ماذا يستند حتى يؤكد أن "لا شيء سيحدث في السابعة" ، مع العلم أن مخططات المشروع جاهزة ، والمعدات ستكون في الموقع غداً الساعة السابعة صباحاً؟ يجافيه النوم في تلك الليلة وعقارب الساعة تقترب من السابعة ، يشرب مهدئات دون جدوى ، يحلم بأن الكهل تمكن من التسلل إلى غرفته وسرق المخططات من الدرج. لقد رآه ، فعلا ، وادعى أنه نائم حتى لا يصطدم به ، ليكتشف أن ما شاهده مجرد كابوس.
يشرب المزيد من المهدئات ويحاول أن ينام دون جدوى ، يحلم أنه ذهب في الصباح إلى الموقع فوجد أن هناك من عبث بالمعدات وأزالها بعيداً ، وحين ينظر يرى الكهل يجلس على حافة سور ويقهقه ضاحكاً ، فيصحو المهندس ليكتشف أنه كابوس ، ثم يحلم أنه شرب المزيد من الأقراص المهدئة وأنه أفرغ العلبة كاملة في جوفه ، وصار يصبّ الماء على رأسه لكي يصحو.
وتستمر الكوابيس إلى أن يرن المنبّه فيصحو الشاب فزعاً وحين يلقي نظرة إلى الساعة يجدها تشير إلى السابعة تماماً فيطلق صرخة مدوية.
على هذا النحو ينتهي الفيلم طارحاً سؤالاً نعيشه يومياً ألا وهو سؤال القوة الخفية التي تجعل البعض على وهنهم وضعفهم أقوياء لا يحيدون عن طريقهم ، لا تهزهم عاصفة. أولئك البسطاء ، الذين يفترشون الأرض ، ويلتحفون السماء ، ويتسامرون مع البحر ، عديمو الحيلة ولكنهم آمنون مستقرون ، موقنون أن لا شيء يمكن أن يدوس على طرفهم.
في المقابل نجد الجيل الصاعد مرعوباً عبثا يحاول أن يتوازن أمام أصغر تحد يمكن أن يواجهه حتى لو كان مجرد هلوسات من رجل عجوز،
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش