الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«في الخلاص النهائي» لفهمي جدعان * هل تكون الديمقراطية القاسم المشترك بين الإسلاميين والليبيراليين والعلمانيين في العالم العربي؟ * موسى حوامدة

تم نشره في السبت 17 آذار / مارس 2007. 02:00 مـساءً
«في الخلاص النهائي» لفهمي جدعان * هل تكون الديمقراطية القاسم المشترك بين الإسلاميين والليبيراليين والعلمانيين في العالم العربي؟ * موسى حوامدة

 

 
قبل أن يخوض د. فهمي جدعان في عرض مقالته الطويلة التي زادت على الاربعماية صفحة من القطع الطويل ، والتي أصدرتها حديثا دار الشروق للنشر والتوزيع في عمان ، في طبعة أنيقة وطباعة متميزة زادت على الصفحات الأربعماية ، في وعود التيارات الثلاثة التي تتسيد العالم العربي حاليا ، وهم الاسلاميون والعلمانيون واليبيراليون ، يضع احتراسا ذكيا في مقدمته يقول فيه أن الاقدام على مقاربة معمقة لنظم مركزية كبرى ينطوي على مخاطرة حقيقية. وأن الرهان على استنطاق النوى الجوهرية للنظم المركزية الثلاثة من أجل إدراك حالة من التضافر بين هذه القوى الثلاث رهان خاسر. لأن المخيال العربي أَلًفَ اعتبار هذه النظم أيديولوجيات متضادة مترافعة.
بالطبع لا يصدق هذا على العلائق بين العلمانية والليبرالية لكنه قد يصدق على علاقة كل من هذين التيارين بالاسلاميين ، لكن المخيال العربي كما يرى جدعان قد لا يكون ضالا لأن التباين بين هذه النظم قائم.
قبل البحث في آفاق الخلاص او معوقاته ومسبباته يذهب جدعان إلى توضيح هذه النظم كلّ على حدة لكنه يسبق ذلك بفصل مسهب ودقيق عن النظم الاحادية ونداءات الديمقراطية ، وهو ينزع عن بعض الكليشيهات التي صارت من سمات العقود الأخيرة ، ولحقها الكثير من تقديس هذه المصطلحات ، مثلما وصفت العقود الاخيرة بانها عقود النهايات او نهاية الايديولوجيا او نهاية التاريخ أو نهاية الانسان وفكرة الكونية والعولمة وتفكك مراكز القوى ، ما هي الا دعاوى ، وأخرويات أخرى أو أيديولوجيات في الماهية وان روحها تتسم بالديماغوجية والقطيعة.
من هنا يدلف جدعان في بحثه بلغته الرشيقة ليقول كل شيء دون ان يضع حقيقة ثابتة ، أو رأيا ناجزا أو فكرا أحاديا ، وهو في كل ما يكتب ويحفر يطرح سؤالا واحدا وجوهريا وهو كيف الخلاص ، ومن هو التيار القادر على نقلنا الى حالة من التفاؤل ، وهل يستطيع هذا التيار أن يقدم لنا نموذجا واحدا للمستقبل لعل السؤال الذي قام عليه كتاب جدعان وهو كيفية الخلاص سيحيلنا في النهاية إلى الغاية الرئيسية التي يصل إليها القارئ بشكل غير مباشر والتي يقوده جدعان للنطق بها قبيل ان يصل البحث نفسه إلى تلك الحقيقة التي لا بد من الجهر بها وهي ايجاد صيغة توفيقية بين التيارات الكبرى ، وهي ضرورة حتمية لا مناص منها ، لكنه قبل ذلك يذهب إلى تشريح النظم الثلاثة مبينا ماهيتها والتعارض فيما بينها ، مركزاً في مقالته أكثر على الاسلاميين ووعودهم لأنهم على ما يبدو يتصدرون واجهة العمل السياسي حاليا في العالم العربي.
يأخذ صاحب المحنة وأسس التقدم عند مفكري الإسلام على عاتقه البحث في الخلاص النهائي لهذه النظم وهو يقول ان كل العرب من المحيط الذي لم يعد هادرا إلى الخليج الذي افلت من رياح الثورة يشكون من ألف علة وعلة وكلهم ينشد الخلاص ، فأين يمكن أن يكون ووفق أي منظومة من هذه المنظومات الثلاث قد يحقق العرب نجاحا ما ، وهل الاتفاق والتوافق بينهم ممكن أم ان احدهم قد يكون الاكثر صواباً. المنظومة الأولى التي يتمثل أصحابها دينَ الاسلام ، يجعلونه مبدأ لأيديولوجيا الخلاص النهائي ، والعلمانيون يتمسكون بإزاحة دورالدين من الشؤون العامة ويطالبون بالحياد العقيدي والديني ، اما الليبيراليون فهم يؤكدون أن الخلاص لا يمكن ان يتحقق إلا باصلاح شامل يتخذ من الحرية سبيلا وحيدا للخروج من المأزق ، أي ان الخلاص النهائي يكمن في الليبيرالية التي تريد الاقتران بالديمقراطية. يسقط الدكتور جدعان الاشتراكية والقومية كمنظومتين فقدتا الفاعلية والحيوية بسبب فشل تجاربها في العاللم العربي ، في الوقت الذي يوجه نقده للمنظومات الثلاث اللواتي ما زالت فاعلة وحية في المجتمع ، لكن كل واحدة منها تشكل فكرا أحاديا ، فأي منها لا يرضى بغيره بديلا ويزعم انه الطريق الاوحد للخلاص ، فالنموذج الاسلامي الذي نجح المتصلبون منذ ما لا يقل عن نصف قرن في اقراره يقول صراحة الإسلام هو الحل الاوحد ، ولا بديل عنه والنموذج العلماني سواء كان مستندا الى مبدأ الفصل بين الدين والدولة والمجتمع ام إلى مبدأ الحياد ، يعلن أن المبدأ المطلق والنهائي هو استقلال العقل الانساني وان الاستقلال هذا ذو طابع مطلق ولا يأذن لأي مبدأ آخر غيره بالتدخل في الحياة العامة للمجتمع والدولة ، والنموذج الليبرالي في صيغته التي فرضت نفسها مع موجة العولمة وانتصار النظام الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة ، جبَّ مفاهيم دولة الرعاية والدولة التي كانت مقترنة بالرأسمالية الكلاسيكية ، وأصحاب هذا النموذج يعتقدون ان هذا النموذج هو النموذج الاوحد الذي يتعين الأخذ به. أما نظام العلمانيين فهو ليس خالصا ، فالعلمانية تمتد على محور أبرز وجوهه علمانية جذرية العلمانية الدجماطية والمناضلة ، والعلمانية التي تقف فيها الدولة على موقف الحياد من الدين ومؤسساته وتفسح للدين فضاء منفتحا في الحياة الاجتماعية دون ان يتدخل الدين في بناء النظام السياسي وتوجيهه. كما ان نظام الليبراليين لا يختلف عن نظام العلمانيين ، اي لا تظهر منه ليبيرالية واحدة وانما ليبراليات عديدة والليبرالية هي بنت الحضارة الغربية الرأسمالية المتولدة من الحداثة ومن نشأة الرأسمالية وتطورها.
يواصل جدعان نقد كل منظومة من هذه النظم ، فنظام الاسلاميين ليس خالصا لأي فريق من فرق الإسلاميين ، وليس الكلام هنا متعلقا بالفرق والمذاهب القديمة وانما بالاسلاميين المعاصرين ، فهؤلاء لا يجمع بينهم أي نظام محكم ، كما لا يخرج أحد منهم من حدوده مع ان هاجس الدولة والسلطة والحاكمية هاجس يشبه ان يكون مشتركا بينهم ، الا انهم يفترقون عند امور كثيرة نظرية وعلمية ، وبرغم أنهم جميعا يعتبرون انفسهم سلفيين ، إلا ان تمثلهم لمفهوم السلفية يتفاوت ويتباين حتى أننا نجد في هذا المفهوم ثلاث سلفيات على الأقل: السلفية التاريخية والسلفية المحدثة والسلفية المتعالية او المتصلبة ، لكن هناك تقدما طرأ لدى بعض هذه الجماعات وهو ان الخلاص النهائي لم يعد (مسيانيا) او (مسيحانيا) مرتبطا بالفعل التاريخي والانساني المباشر وبالانخراط المادي العملي في الحياة المشخصة والفعاليات الزمنية الآنية.فقد حدث تقدم في وعي الاسلاميين اذ تحرروا من (الميثي) وتعلقوا بالواقعي وحدث تحول في وعيهم وتمثلهم لمفهوم الدين والتدين. في النظرة إلى الغرب هناك تباين في المنظومات الثلاث ، ففيما ينتقد د. جدعان مخاطر الرؤية الانفصالية لدى الاسلاميين والنزعة الوثوقية الاقصائية وما يسميه جدعان بالحيدة عن غائية الاسلام الجوهرية في العلاقة بين الاسلام والغرب ، فأن الاسلاميين قدروا ان مسألة خلاص العالم العربي مسألة اختلاف حضاري ، بينما القوميون وعلى رأسهم عبدالناصر ثم البعثيون لم ينظروا للغرب من منظور الحضارة المضادة وانما من باب الهيمنة السياسية والاستعمارية ، والجماعيون الاشتراكيون والشيوعيون كذلك كانوا امتدادا لفلسفة أيديولوجية صدرت في الغرب نفسه ، وتحدثت عن الرؤية الانفصالية.
والديمقراطية وهي تحمل مساوئ الليبراليات الغربية التي افرزت الانظمة النازية والفاشية لكن لها ما يتبقى من اللبيرالية الذي يتبقى بعبارة مكثفة هو ان الحرية الايجابية التضامنية ذات الوجه الاخلاقي والانساني اي اليبرالية الاجتماعية. ويختم جدعان بان الفضاء الديمقراطي قد يكون هو العامل المشترك بين المنظومات الثلاث ، وهنا السؤال الذي قد يطرح نفسه في كيفية تقبل الاسلاميين للخيار الديمقراطي ، لا بد من التمييز بين الاسلام والنظم الاسلامية التي صارت (طاردة) كما يقول المؤلف بما تختاره من تقديم جذري لرؤية انفصالية تفترض تقابلا وقطيعة مع المجتمع والدولة والعالم ، جاعلة الدين الاسلامي نفسه في خطر ، وذلك يحتم تعديلا جوهريا في حراك الاسلاميين وتخطيطاتهم ، وهذا التعديل يستجيب له (الاسلام الجاذب) ، اسلام العدالة والمصلحة والرحمة والتمدن الانساني ، كما ان العلمانية في شكلها التقليدي التاريخي نظام (طارد) ، كما ان الليبرالية تلحق الديمقراطية بنظام السوق ، ولديها سلبيات كثيرة ، لكن الليبرالية الاجتماعية التضامنية ذات الوجه الانساني التي تصون حريات الافراد والمجتمع وتحميهم من المخاطر المدمرة لمطلق الحرية واستبدادها هي القادرة على التضافر. في الفضاء الديمقراطي تستطيع التيارات الثلاثة بناء عالم عربي إنساني حامل لمقومات التقدم وقادر على البقاء والعيش في العالم الكوني المعقد. واليمقراطية هي انجع تقنية انسانية يمكن التوسل بها لإقصاء الاستبداد ولتمكين المجتمعات من قيادة نفسها بأعظم قدر من الحرية والفاعلية والسداد. بقي القول أن د.جدعان حامل دكتوراة الدولة في الآداب من السوربون ، أستاذ الفلسفة والفكر العربي في عدة جامعات عربية ، والاستاذ الزائر في جامعة باريس السوربون الجديدة والكوليج دي فرانس ، عميد كلية الآداب والبحث العلمي في الجامعة الأردنية سابقا ، أصدر من قبل (التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث) ، (المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الاسلام) ، ، الطريق الى المستقبل ، الماضي في الحاضر ، ورياح العصر ، ويعمل حاليا استاذا للفسلفة في جامعة الكويت.
- محرر صفحة واحة الكتب
[email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش