الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لاجئ تتبعه بلاد تختفي : فاروق يوسف في كتابه الجميل القاسي

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 مـساءً
لاجئ تتبعه بلاد تختفي : فاروق يوسف في كتابه الجميل القاسي عبد الستار ناصر

 

 
يوجعني القول إنني لم أعرف حجم فاروق يوسف أيام كان بيننا في العراق ، من أين ، بل أين كانت هذه اللغة الدسمة التي قرأتها في كتابه (لاجىء تتبعه بلاد تختفي) وقبله (لا شيء لا أحد)؟.

منذ وقت بعيد وأنا أفتش عن كاتب عربي يرغمني على قراءة ما يكتب ، عادة أقرأ الكتاب الى نصفه وربما أقل من ذلك ، أما أن يحتويني الكتاب ويسحبني إليه بهذه القوة ، فهذا ما لم يحصل منذ أمد ليس بالقصير ، حتى عثرت على (لاشيء لا أحد) وصرت أسأل عن فاروق ، أين هو الآن؟ لا أدري ، حتى جاءني كتابه التالي (لاجىء تتبعه بلاد...). تركت كتاباتي وانشغالاتي جانباً دون أسف عليها ، ورحت أطوف (معه) بين غابات ( هلستر فريد) وبحيراتها وشعابها وأسرارها عساني أكتشف المنفى على طريقته ، ترى هل علمته الغربة أسلوباً آخر في الحياة والكتابة ، هو الذي أعرفه كاتباً للأطفال وشاعراً لم يلتفت أحد إليه طوال حياته في وطن الشعر؟ ماذا حدث؟ كنت أسأل نفسي ، عما إذا كنت أنا الذي كان مشغولاً عنه طوال تلك السنين ولم أكتشف ملامحه في الكتابة ، أم كانت الحياة مع أنظمة القهر هي التي منعتنا من اكتشافه؟.

أظنني على خطأ فيما أقول ، فاروق يوسف لم يكتب هكذا حتى عاش الحياة الصحيحة التي حرموه منها ، فجأة ، قرر الجبل أن زمان البركان قد أزف بعد أن كان مجبولاً على الخوف كما هو حال أبناء جيله من الجبال دون استثناء ، وكنت على يقين أن منجم الذهب سيأتي أوان الدخول إليه وإخراج النفائس دون خوف (هذه المرة) من اللصوص وكتاب التقارير ، وقد جاء فاروق يوسف في أول طابور دخل المنجم وخرج منه بأجمل ما قرأت من كتب السيرة الذاتية واليوميات ، لغة حارقة كسرت طوق (الممكن) صوب فضاء شاسع ، أنا على يقين بأنه لن يتوقف بعد ذلك حتى يصل ذروة إبداعه ذات يوم.

لا يهمني أن أتفق أو أختلف معه في بعض ما جاء من آراء ، كنت أنظر الى الكتاب على أنه (كائن) له سلطة اللغة وسطوة الأسلوب وهذا يكفيني كمبدع ، أما حراشف الحكايات والظنون والمعتقدات وأسلاك السياسات الشائكة فهي من شأن النقد إذا ما جاء باتجاه فاروق يوسف وصوب إبداعه ، وأنا لست بناقد ، بل قارئ يتمتع بوهج الكتابة وحلاوة الجملة والمفردة والصورة ، وبهذا السحر الذي أغراني وأغواني بقراءة الصفحات دون أن أتوقف حتى نهاية الصفحة 176 وهي آخر صفحة من شخصية اللاجئ الذي تتبعه بلاد تختفي. هل نستطيع القول: إن هذا الكتاب يشبه كاتبه ، كتاب ينبغي أن يُقرأ بهدوء ودون قناعات مسبقة وهو ما أراد أن يحققه الشاعر؟ نعم ، كل واحد منا ضحية مؤجلة لمكان لا يمكن الرجوع إليه (صفحة 63 ) ها نحن نصنع الوطن في أذهاننا كما نريد له أن يكون ، لكننا نقع عادة في حفرة يأس عميقة لا نهاية لها ، وفاروق حاله حال جميع كائنات الغربة من المبدعين ، يكتشف الوهم الذي ننسجه بهدوء وصبر ، الوهم الذي كان وما يزال اسمه (الوطن)إذا بنا نخسر أصابعنا التي أرهقناها طوال أعمارنا في ذاك النسيج الذي تفككت خيوطه مع أول صدمة ، مع أول أرض تأخذنا إليها ، كل شيء (الآن) لا يشبه أي شيء مضى ، فما يزال الوطن في معناه (أن تعيش هناك في أي مكان دون خوف وبلا كوابيس). الشرطي يأخذ منك الوطن ويسلبه بعد أول صفعة وأول هراوة على رأسك ، والغبي يشاركه في ذلك أيضاً ، فكيف إذا كان الوطن محض شرطي يمشي خلفك ليل نهار ومحض غبي ما من معاشرته بدّ ؟ اختفت أشياء نفيسة كثيرة من حياتنا ، والخسارة بدورها كانت تنمو. حياة العراقيين منذ الأزل محصورة بين (جاء المغول ، ذهب المغول) وهناك دائماً من يستفيد من بقاء المغول وثمة أيضاً من يستفيد من غيابهم ، وليس من خاسر طوال مئات السنين سوى الشعب الذي ما يزال فقيراً برغم ثروته الكبرى.

أما عراقيو الشتات فقد خذلوه أيضاً ، كان عليهم البقاء في (الوطن) ذلك أن المنفى لا يليق بهم ، المنفى لغة مختلفة وطوق نجاة وأسلوب آخر في العيش ، لغة محشوة بالكبرياء وطوق نجاة في بحر أقل عمقاً من بلاهتهم ، لماذا يأخذون حقوق غيرهم في النجاة وهم بهذه البلاهة؟ يذهبون الى مفوضيات اللجوء بأكاذيب مبرمجة ، وهم أنفسهم من نمط الشرطة التي ركضت خلفك في بغداد ، ومن نمط الأغبياء الذين زاحموك في كل شيء وانتصروا عليك حتى في لقمة العيش. حقائق مخيفة ، لكنها صحيحة ، تلك التي قصها علينا فاروق يوسف في كتابه الجميل القاسي ، ومن المهم عند قراءة هذا الكتاب ، أن نترك خلفنا تلك القناعات المضحكة التي غطت رؤوسنا عشرات السنين ، والتي ما زال الملايين من (مواطنينا) يتعكزون عليها دون أي سؤال مع النفس عما إذا كانت تلك القناعات ما زالت كنزاً لا يفنى. بعض أجزاء الكتاب مقالات قصيرة منشورة في حقل ثابت كان يكتبه فاروق الى إحدى الصحف العربية ربما حدث ارتباك في تسلسل فكرة الكتاب (كما هو في وسطه عما كان في بدايته ونهايته) ولا حدود لمحبته في الفصول كلها عندما يتذكر الأحبة والأصدقاء ، كل واحد منهم (قارة) ما زالت بحاجة لمن يكتشفها ، وللموتى منهم مكانة خاصة قد لا يقترب منها الأحياء: صاحب الشاهر ، موسى كريدي ، حسين الحسيني ، ليلى العطار ، محمد شمسي ، رعد عبد القادر ، دون أن يغفل ذكر ممدوح عدوان وغالب هلسا ومحمد القيسي ومحمد شكري وغيرهم ما تأتي به ذاكرة رجل تجاوز الخمسين من العمر المزحوم بالمنافي ، هو الذي كان منفياً في وطنه ، والذي صار مواطناً في منفاه.

الفاجعة في أعلى مستواها ، هي أن نقول عن أنفسنا بأننا شعب يذهب الى الموت بأناقة المدعو الى حفلة ، وأن نتذكر مع تلك الفاجعة ما قاله الشاعر سامي مهدي (لا شيء مؤكد غير الموت هنا).. ومن المؤكد أيضاً هو أن فاروق يوسف اختصر المحنة في كتاب وهو في طريقه الى الصمت الخلاق. ــ لاجئ تتبعه بلاد تختفي . فاروق يوسف . سيرة ذاتية ومقالات أدبية . أزمنة للنشر والتوزيع .



عمّان . 2007

ہ قاص وروائي عراقي

Date : 28-12-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش