الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مطارحات * لم يرغب الشاعر في تقديم ثلاثية شعرية على غرار ثلاثية محفوظ - مكانة النقد في كتاب «مكانة المكان» لمحمد ضمرة * د. محمد عبد الله القواسمة ہ

تم نشره في الجمعة 24 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
مطارحات * لم يرغب الشاعر في تقديم ثلاثية شعرية على غرار ثلاثية محفوظ - مكانة النقد في كتاب «مكانة المكان» لمحمد ضمرة * د. محمد عبد الله القواسمة ہ

 

 
يدرس محمد ضمرة في كتابه "مكانة المكان: دراسة تحليلية في ثلاثية عبد الله رضوان الشعرية"ھھ ثلاثاً من المجموعات الشعرية للشاعر عبد الله رضوان وهي: مقام حبيبي ، ومقام المليحة ، ومقام عمان دراسة تحليلية ، واضعاً إياها ضمن ثلاثية شعرية متفردة على غرار ثلاثية نجيب محفوظ الروائيّة ، وتشكّل الدراسة الكتاب النقدي الأول لمحمد ضمرة: فهو المعروف شاعراً وقد صدرت له عدة مجموعات شعرية كان آخرها حفيد الشوق الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق.
يتوقع القارئ من هذا الكتاب أن يحيط بالتقنيات اللغوية التي ساهمت في صنع المكان الشعري وإبراز مكانته ، في شعر الشاعر عبد الله رضوان عبر مجموعاته الثلاث ، وأن ترتقي ذائقته الجمالية ، وتتسع آفاقه النقدية ، من خلال تعايشه مع جماليات المكان ، وإبداعه عالماً خيالياً جميلاً موازياً للعالم الذي أقامه الشاعر.
لعلّ هذا التوقع لا يتم إلاّ بالاستناد إلى منهج نقدي متماسك ، ومقدرة واضحة على فهم النص الشعري ، والتسلل إلى أعماقه وسراديبه الخفيّة ، ومعرفة مرجعيته الثقافية والفكرية ، والإحاطة بأبعاده الفنية. من هنا يبرز التساؤل عن منهج ضمرة النقدي في كتابه ، وكيفية تعامله مع النص الشعري ، وهل استطاع أن يبرز مكانة المكان في هذا الشعر موضوع الدراسة.
في البدء يضعنا ضمرة أمام عنوان الدراسة ، ويقف في المقدمة والخلاصة أيضاً على اللفظتين: المكانة ، والمكان ، ولا يضيف جديداً في التفريق بينهما: إذ يرى المكان مذكراً ، والمكانة مؤنثة ، وفي لفظة المكانة معنى الرفعة والسمو ، ولكننا نفاجأ من التحيز للأنثى عندما يرى في تأنيث اللفظة دلالة على "تقدير الأنثى واحترام منزلتها ، حيث تفوقت على الاسم الدال على المكان المجرد من أي دلالة سوى كونه مكاناً ليس إلاّ" (22ص) بخلاف ما يرى علماء اللغة وفي مقدمتهم دو سوسير من أنّ العلاقة بين اللفظ ومعناه علاقة اعتباطية ، فليس هناك طريقة مباشرة بين اللفظ وما يشير إليه في الخارج ، أي بعبارة أخرى بين اللغة والواقع ، فإذا كان في تأنيث الألفاظ الدلالة التعظيمية للأنثى ، فماذا نقول في الألفاظ المؤنثة: جهنم ، مقبرة ، مجزرة ، ملحمة..؟ ثم كيف لا يكون للفظة المكان المستخدم أي دلالة ، فأين من ذلك نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني التي ترى أن الألفاظ لها دلالاتها التي تتوضح من خلال تركيب الكلام وتأليفه؟ ووجه الغرابة هنا أن نجد ضمرة نفسه في موضع آخر من مقدمته يعدل عن إفراغ المكان من أي دلالة ، ليضع لنا معادلة واضحة: المكان = مكان« مكانة ، وتدفعنا هذه المعادلة إلى التساؤل عن الفائدة من إضافة كلمة مكانة إلى عنوان الكتاب ، أليس والأمر كذلك أن يكتفى بذكر لفظ المكان ليغدو العنوان" المكان في ثلاثية عبد الله رضوان الشعرية".
على كل حال إذا انتقلنا إلى الجانب التطبيقي من الدراسة فلا يجري التركيز على أي من اللفظين المكان أو المكانة.. بل لا يذكران إطلاقاً في الجزء الأول من الدراسة الذي تناول "مقام حبيبي". أما في الجزء الثاني الذي يدرس فيه الناقد "مقام المليحة" فلا يذكر المكان إلاّ ضمن بيان ما جاء في الإهداء: فالشاعر يهدي مجموعته إلى عمان: "إليها في تجلياتها السبعة.." (100ص) وحتى في مقام النبع المقام الثالث الذي يتكون منه ديوان "مقام المليحة" فلم يجر الحديث عن النبع كمكان معين ، أو مكان عيش فيه ـ كما عند ميشال بوتور ـ بل يتحدث عنه كلفظ قاموسي لا حياة فيه ، أي لا وظيفة له في النص ، فضلاً عن استهانته بعقل القارئ. نقرأ: "النبع هو الماء الذي ينساب أو يتدفق تلقائيا وبدون تدخل بشري وذلك لوجود فائض من الماء ، خرج من منطقة رخوة من أسفل مكان قي الجبل أو التل أو الهضبة. في بداية المقام هذا لا يوجد أي إشارة للنبع أو النبعة ، لكن الشاعر يبتدئ نصه الجديد متبعاً ما كان يرسمه أولاً من مشهد أمام المعشوقة ولها. ولذلك فهو يبتدئ بالحوار معها مباشرة وبدون مقدمات." (ص 135) أما في مقام عمان الذي يحمل الإشارة المباشرة إلى المكان أو المكانة كما أراد الناقد فلم يبد الاهتمام بالمكان كعنصر مركزي متفاعل ومؤثر في الخطاب الشعري ، له علاقاته بعناصر الشعر الأخرى من صور ورموز وموسيقى وأفكار بل جاء الاهتمام على هامش انشغال الدراسة باللغة تفسيراً وتوضيحاً.
وإن غاب المكان أو مكانة المكان عن الاهتمام الرئيس في الدراسة ، فربما يعود ذلك إلى غياب المنهج أو اضطرابه لدى الناقد: فهو يعلن في المقدمة أنه لا يتقيد بأي نظرية نقدية قديمة أو حديثة ، وإنما يستشعر هذه النظريات "داخلياً مجتمعة ومختلفة ومتفردة ومتميزة" (12ص) ، وهو يتعامل مع النصوص تعاملاً متعسفاً ، كأنما محارب يشعل معركة ، ولا يدري كيف يطفئها ، كما أنّه يخشى ألاّ يخرج منها حياً لكنه في النهاية إزاء نصوص عبد الله رضوان يرى أنه الناقد المنتصر "استطعت الخروج من هذا العراك بيني وبين محاولاتي داخلاً إلى ساحات النصوص ، خارجاً منها بدون غبار الهزائم." (12ص) في الحقيقة إن الشاعر في موضع آخر من كتابه يعلن عن تبني النقد الأسلوبي في تعامله مع النص الشعري.
يقول: "سوف أعتمد في دراستي هذه على مبدأ الأسلوبية الذي يهدف إلى تحليل العمل الفني تحليلاً عملياً" (27ص) ، وهو لا يغفل في موضع آخر عن الاستعانة بالنظرية البنيوية والتفكيكية في خضم اهتمامه باللغة فلا بد كما يرى من تفكيك النص وتحليله لغوياً قبل الدخول في فضاءاته: لهذا فهو يعلي من شأن النظريتين واهتمامهما باللغة. "وإذا كانت النظرية البنيوية قد تألقت ، فإنما جاء هذا التألق نتيجة اعتمادها الكلي على التحليل اللغوي للنص ، فالتحليل اللغوي هو الأساس ، وإذا كانت النظرية التفكيكية قد جاءت خارجة عن البنيوية كما توهم بعض الدارسين ، فإن هذا محض افتراء ، وعدم إلمام باللغة." (61ص) وقد انعكس تردد الناقد في تحديد المنهج أو عدم وصفه على التعامل النقدي مع مقامات عبد الله رضوان الثلاث فجاء نقده لها لاموضوعياً: فهو على الرغم من أنه يعتبرها ثلاثية شعرية ذات قواسم مشتركة من حيث الشكل والمضمون والأفكار "فهي ذات فكرة ممتدة في ثلاثة أجزاء ، مترابطة ، شكلاً ومضموناً ومفهوماً" (232ص) ، فإنه لا يتعامل معها من الناحية التطبيقية كما يقرر فهو يدرس كل مقام على حدة ، وإمعاناً في هذه الرؤية فإنه يلحق بكتابه دراسة كان قد نشرها عن مجموعة "مقام عمان".
وفي الحقيقة إن الشاعر عبد الله رضوان لم يكن يخطر بباله أن يقدم ثلاثية شعرية على غرار ثلاثية نجيب محفوظ الروائية ، إنه يريد أن يعلي من شأن الأنثى متمثلة في الحبيبة والمليحة وعمان فقدم عنوان كل مجموعة من مجموعاته الثلاث بكلمة مقام ، كما تعلق سابقاً بكلمة كتاب لأهميتها في التعبير عما يكتب من شعر فجاء "كتاب السيدة" يحمل كل جزء من أجزائه كلمة كتاب: فكان هناك كتاب العاشق وكتاب حبيبي وكتاب السيدة وكتاب الملكة وكتاب الفتى وكتاب السوسن وكتاب المرأة وكتاب الشاعر.
وهكذا فكل مقام من مقاماته شأن كل كتاب من كتبه مستقل عن الآخر ولا ترابط جوهرياً بينه وبين غيره: فعلى سبيل المثال فإن مقام المليحة يتكون من عدة مقامات: وهي المنخل ، والهوى ، والنبع ، والإطفاء ، وكلها قصائد يتمتع كل منها بوجود مستقل ، وكذلك مجموعة مقام حبيبي فهي ذات بينة حوارية أسطورية تتكون من شخصيات ثلاث: العرافة والعاشقة والعاشق ، أما مقام عمان فيقوم على الإعلاء من شأن عمان ، والتعامل معها كأنثى ساحرة الجمال ضمن مفهوم ابن عربي: "المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه". ولعلّ عزم الشاعر كما علمت على نشر مجموعاته الثلاث في كتاب واحد تحت عنوان ثلاثية شعرية إنما سيكون بوحي هذه الدراسة وتأثيرها.
إنّ التسرع في اعتبار المجموعات الثلاث ذات بنية ثلاثية يماثله تسرع الناقد محمد ضمرة في فهم النص الشعري بخلاف ما ينطق به كما بدا واضحاً في مواضع كثيرة من التحليل الذي تبناه. لنقرأ هذه الأبيات وما يقول عنها: "تسمى خزامى إذا خطرت يحضر العطر أو يصعد الفجر أو تنحني لخطاها الظلال مشهد حركي... الشاعر قد جاء بالفعل المضارع المبني للمجهول حينما أراد التحدث عن خزامى ، فهو يقول: تسمى فالذي سماها مجهول ، لأن الأسطورة بحد ذاتها لا يدري أحد من جعل منها آلهة ، وهو موفق في هذا الانسياق بالإسناد إلى المجهول تماماً" (40ص ـ 41). فهذا المشهد ليس حركياً ، وإنما مشهد تتجمد فيه الحركة عند حدود الشرط المستقبلي الذي تحمله إذا ، ثم إن هذا المقطع الذي يأتي على لسان العرافة لا يركز على المجهول الذي أطلق اسم خزامى بل على تماثل الصفات التي تتصف بها هذه المرأة مع صفات النبتة العطرة خزامى.
ومن صور هذا التسرع في الفهم يأتي إقحام الناقد الأسطورة في بيان العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني: إذ يرى في صورة اللقاء بين إيل وتايكي في قول عبد الله رضوان: والنجوم تساقط في عب "تايكي" هداياك يا "إيل" "دلالة أصيلة على مدى الرابط الأسطوري ، ما بين الشعب الفلسطيني والشعب الأردني" (96ص).
فلا شك أن الامتداد الأسطوري عبر الزمن الماضي السحيق كان قبل ظهور الشعبين الأردني والفلسطيني ، وما في الواقع أعمق وأفضل للدلالة على وحدة الشعبين من الرابط الأسطوري الذي تظهره أسطورتا إيل وتايكي اللتين عرفتا في أساطير الشعوب الأخرى.
ومثل هذا إقحام الفهم الصوفي على مقام الهوى إحدى مقامات مقام المليحة. يقول الناقد: "في هذا المقام بإضافة الهوى إليه ، يعيدنا الشاعر إلى الحال الصوفيّة.." (113ص) فأين الحال الصوفيّة مثلاً من وصف الشاعر لجيد تلك المرأة:
وذا عنقها زحل من الشهوات أبيض فضة موج عفي فما هذا إلاّ وصف واقعي يتم بتشبيهات بليغة كما تسميها البلاغة القديمة ، ولا يتبنى أياً من الأفكار الصوفية. أخيراً نقول: لقد جاءت دراسة محمد ضمرة لمقامات رضوان الشعرية مخيبة لتوقعات القارئ في فهم مكانة المكان في النص الشعري: فليس فيها غير التماعات نقدية ، وتأملات لغوية مجزأة لا تتكامل في تقييم نقدي. ولعلّ ذلك يعود إلى عدم التعمق في استكناه النص ، وسبر أغواره ، وإلى التسرع في التقاط جماليات الألفاظ والتراكيب والموسيقى: لهذا يحق لنا التساؤل عن مكانة النقد لدى الناقد قبل التساؤل عن مكانة المكان لدى الشاعر عبد الله رضوان. .
ہ روائي وناقد أردني

ہہمحمد ضمرة ، مكانة المكان: دراسة تحليلية في ثلاثية عبد الله رضوان الشعرية ، عمان: دار البيروني ، 2006 ، في 244 صفحة من القطع المتوسط. [email protected]m
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش