الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أفق * شكوى حيدر محمود * جمال ناجي

تم نشره في الجمعة 24 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
أفق * شكوى حيدر محمود * جمال ناجي

 

 
لدينا مشكلة ثقافية في الأردن ، وهي الإعتداد الزائد بالنفس ، والترفع عن الخوض في القضايا التي يطرحها سوانا من الكتاب (الاردنيين تحديدا) ، باعتبار أننا أناس مهمون ، متمسكون بـ"هيباتنا" التي نسجت ، حولنا وفي دواخلنا ، تليفات ذاتية مرضية ، وأحالت الكاتب الى جزيرة تذود عن حياضها بالتجهم والترفع عن الكتابة أو التعليق على ما يكتبه الآخرون مهما بلغت أهميته. هذه "الحالة" أوجدت نوعا من الأنيميا التفاعلية التي تحتاج الى معالجة ، لأنها مسؤولة عن ندرة المثاقفة والمناقشة للقضايا الثقافية التي تطرح على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام.
قبل اسبوعين قرأت مقالا كتبه الشاعر حيدر محمود بمرارة ، أجزم بأن إحساسا مريرا قد انتابه اثناء كتابة ذلك المقال عن الأمسيات الأدبية التي لا يحضرها الجمهور ، وعن الأعراس التي يفوق عدد المشاركين فيها كل أمسياتنا ، ومن الممكن أنه وقع في واحدة من مصائد تلك الأمسيات الخلب - من حيث الجمهور - قبل أن يبق البحصة في نهاية مقاله (أرجو ان يسامحني الاخوة الذين يفكرون بدعوتي ، لأمسية قادمة (حضوراً او مشاركة) لأنني لم أعد قادراً على تلبية دعوتهم ..) لو كان حيدر محمود واحدا من شعراء الدرجة الثانية أو العاشرة لقلنا: أراحنا مما يمارسه علينا الكثيرون ممن يختشبون الشعر ويجلدوننا بأمسيات قد تمتد ساعات ، وقد تؤدي إلى التقيؤ والتهاب المخيخ وخراب الذائقة.
لكن الأمر هنا يتعلق بشاعر لا نملك إلا احترام أشعاره التي تتسم برقة الإحساس ورهافته ، وبلاغة القول وفصاحته ، وجرأة البوح وبراءته ، فكيف يمكن للوسط الثقافي أن يتقبل هذا الإعراض دون أدنى اهتمام أو تعليق؟ وماذا لو قام بقية كتاب الدرجة الأولى ببق بحصتهم واتخذوا مواقف مشابهة؟ الجواب مؤسف: لن يكترث أحد، لأن عدم الإكتراث يعد واحدا من مقتضيات الحفاظ على الهيبة التي غدت أهم من الإبداع ، وربما سابقة له ومتقدمة عليه، أمسيات وندوات بلا حضور .. حكاية قديمة جديدة لم يتم العثور على حلول جذرية أو حتى وسطية لها ، فلماذا لا نستحدث طرقا جديدا تجنب كتابنا حرج شح الجمهور وتوزعه بين الندوات التي تقام في ذات التاريخ واليوم والساعة؟ لا توجد حلول سحرية لهذه المشكلة المزمنة ، لكن ، يقينا ، ان الشعر هو الأصلح للأمسيات والمنابر ، بسبب توافر عناصر جذبه وإمتاعه للجمهور ، أو إلهاب مشاعره ، أو غير ذلك من الأسباب التي عرفها الإنسان منذ ابتداء وعيه الفني والجمالي.
أما الرواية والنقد والدراسات فلم توجد أساسا لكي تقرأ على المنابر ، ويمكن الإكتفاء بحلقات البحث المتخصصة التي تضم عددا محدودا من الباحثين والمحاورين ، وتفريغها ونشرها في الصحف أو الكتب ، أو تصوير وقائعها وبثها في البرامج التلفزيونية ذات العلاقة ، وهذه الطريقة لا تحتاج الى جمهور أبدا ، بل إن وجود الجمهور قد يشوش جلساتها ويشتتها ، فلماذا لا نعترف بهذه الحقيقة التي نعرفها جيدا؟ لو أوقفنا مهازل الندوات - الجماهيرية - النقدية والبحثية وقراءات الفصول ، لتخلصنا من جزء من المشكلة. ولو احتكم متعهدو إقامة الأمسيات الشعرية لمن هب ودب الى ضميرهم ، وخافوا ربهم ، وسلموا بأن حق "الشاعر" في قراءة قصائده على الجمهور يعتمد أساسا على كونه شاعرا حقيقيا ، لتخلصنا من جزء آخر من المشكلة ، ولكن ، ما العمل إذا كان الجميع يريدون أن يصبحوا شعراء بسرعة الضوء ، ومن دون أن يتعرفوا حتى على أنواع التفعيلات والبحور الشعرية وإيقاع القصيد؟ من حق الشاعر حيدر محمود وسواه ممن امتلكوا ناصية الشعر والكلمة أن يحتجوا على فوضى الأمسيات التي تقيمها المؤسسات الثقافية وغير الثقافية ، ذلك أن الجمهور غالبا ما يفاجأ بشعراء يعقدون حياته بقصائدهم الغثة ، ويشككونه بقدرته على الفهم ، ويطفشونه من الشعر والشعراء حتى لو كانوا من الوزن الثقيل.

ہ روائي وكاتب أردني
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش