الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوسف سامي اليوسف وظلم الجغرافيا

تم نشره في الثلاثاء 7 أيار / مايو 2013. 03:00 مـساءً
يوسف سامي اليوسف وظلم الجغرافيا * فخري صالح

 

ظلمت الجغرافيا الناقد الفلسطيني الراحل يوسف سامي اليوسف (1938- 2013) مرتين، الأولى عندما هُجّر مع عائلته عام 1948 إلى سوريا، والثانية عندما اضطر إلى مغادرة مخيم اليرموك في دمشق نتيجة المعارك التي وجد أبناء المخيم أنفسهم في وسطها أواخر السنة الماضية. في المرة الأولى كافح اليوسف مع عائلته لينجو من كارثة محو هويّته وهوّية شعبه ليصبح واحداً من النقاد العرب الذين يشار إليهم بالبنان. لكن الرحيل الثاني في اتجاه مخيّم نهر البارد في لبنان كسر قلبه. لقد أيقن أن الرحيل والتشرد هما قدر الفلسطيني والعلامة الفارقة التي تنطبع على جسده، فآثر الرحيل عن هذا العالم الظالم شديد القسوة.

كان اليوسف يؤمن بأن الكتابة تجربة كيانية، وأن الأدب العظيم هو الذي يعبر عن هذه التجربة الكيانيّة. وقد قادته رؤيته النقدية هذه، التي تستفيد بعمق من الفلسفة المثالية الجدليّة خصوصا فلسفة الألماني هيجل، إلى غزو المنابع الأدبية والثقافية الكبرى في الأدب العربي وكذلك في آداب العالم المختلفة. ومن يقرأ مؤلفاته، التي أنجزها في فترة مبكرة من تجربته النقدية، سيعثر على تأثير المأساة الفلسطينية في تكويته الثقافي والنقدي، فقد آمن أن تجربة الوجود، والمأساة خاصة، هي المكوّن الأساسي للأدب العظيم.

اتجه يوسف سامي اليوسف إلى الأدب الجاهلي ليرى عناصر التجربة الكيانيّة الوجودية في هذا الأدب. وقد ميّز أسس هذه التجربة الوجودية الكبرى في معلقات شعراء الجاهلية، والغزل العذريّ، محللا بعمق هاتين الظاهرتين الشعريتين الثقافيتين في الأدب العربي. ولعل تلك الفترة التي أنجز فيها اليوسف ثلاثة من كتبه: «مقالات في الشعر الجاهلي»، و»بحوث في المعلقات» و»الغزل العذري: دراسة في الحب المقموع»، أن تكون من أخصب مراحل تجربته. فهو لم يكتف بدراسة الشعر القديم بل انطلق في دراسة الشعر العربي المعاصر من رؤية كيانيّة ليدرس ظاهرة القصيدة العربية الجديدة في خمس مقالات مطوّلة جمعها في كتابه «الشعر العربي المعاصر» مركّزا بصورة أساسية على شعر السياب وأدونيس، إضافة إلى دراسة عن تطور الشعر الفلسطيني المقاوم. والمتأمل لهذه الدراسات يجد أنها طالعة من رؤيته الشاملة للشعر والأدب والثقافة، ولا تنفصل عن قراءته للشعر العربي القديم. فالأدب بالنسبة له هو تعبير عميق عن مأساة الوجود الكبرى، وهو ما عبّر عنه في دراسة مكثّفة عن غسان كنفاني معنونا كتابه صغير الحجم بـ»رعشة المأساة».

الرؤية نفسها تقيم في أساس كتابه «ما الشعر العظيم؟» الذي يؤكد فيه أن الشعر تعبير عن التجربة الكليّة للوجود. وهو يشنّ في هذا الكتاب حملة شرسة على ماديّة العصر ونزعة التسليع والاستهلاك فيه، داعياً إلى إعادة النظر في نظرية الشعر ونظرية الفن اللتين تنتميان إلى الغرب الماديّ المعاصر. وهو من ثمّ يدعو إلى العودة إلى جذور الشعر والفن المركزية والنصوص الكبرى التي تتصل بمنابع الوجود.

لقد ظلم تاريخ النقد العربي المعاصر اسم يوسف سامي اليوسف، كما ظلمته الجغرافيا؛ بل ربما كان ظلم من كتبوا عن النقد العربي المعاصر لليوسف أكثر فداحةً وتجاهلاً ونسياناص؛ فهو ناقدٌ عربي كبير يمتلك رؤية ونظرة عميقتين إلى الأدب والثقافة. فهو إضافة إلى عودته لقراءة الشعر العربي القديم قراءة جديدة لم يتوان عن وضع الظواهر الثقافية العربية المعاصرة موضع البحث والمساءلة، جاعلاً الشعر العربي في بؤرة تفكيره النقدي لأنه من وجهة نظره هو النوع الأبرز والأهمّ في إنتاج العرب قديماً وحديثاً. ولعل ذلك يدفعنا إلى إعادة الاعتبار لناقد كبير دفعته الانكسارات الكبرى إلى الانزواء بعيداً خلال العقدين الماضيين، كاتباّ مذكرات تشردّه ومنفاه الشخصي والعامّ كفلسطيني تميد الأرض دوماً من تحت قدميه.

التاريخ : 07-05-2013

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش