الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سلطانة .. من أنا الفرد إلى الأنا الجماعية

تم نشره في الجمعة 31 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
سلطانة .. من أنا الفرد إلى الأنا الجماعية * فيصل دراج

 

 
يقول الألماني فريدريك شليغل: "الكتاب الرومانسي هو الذي يعالج موضوعاً عاطفياً بشكل غير مألوف". يوحي التعريف بأن الموضوع المعالج متفرّد ، أو أن المعالجة تجعل منه موضوعاً متفرّداً. يظهر في الحالين موقف يرفض المحاكاة ، ويقرّر ، بشكل واضح أو مضمر ، أنه أساس ذاته وأنه يؤسس قواعد غير مسبوقة. ينفتح التأسيس ، أي رفض التقليد ، لزوماً ، على فكرة الجديد المطلق ، بلغة معينة ، أو على فكرة الخّلْق ، بلغة أخرى. وهذا الخلق هو متكأ الرومانسية ، في أشكالها المختلفة ، التي تحتضن مقولات على صورة طموحها ، تتضمن الجمال والمعرفة المطلقة والمرأة ـ الأصل ، التي تعيد إلى الوعي الرومانسي عالماً بريئاً قديماً ، منقطعاً عن قرون إنسانية خالطها الفساد.

وما رواية غالب هلسا "سلطانة" إلا صورة عن وعي يتوزّع على عالمين: عالم قديم مفقود جاء ورحل ، وعالم مرغوب لم يأتً بعد. يقصد الوعي الرومانسي ، دائماً ، عالمين نقيين ، يقبع أحدهما في ماضْ متخيّل ، ويقف ثانيهما في مستقبل لا تطاله العين.



1. "سلطانة" مبتدأ الحلم الذي لا ينتهي

تدور رواية غالب هلسا ، حول امرأة تساوي الجمال ، أو يساويها الجمال ، لأن في حضورها الخارق ما يكسر معايير الجمال المألوف. يصف السارد ، وهو يرجع إلى صبا تؤرقه كهولة ثقيلة ، المرأة ـ المثال قائلاً: "رأيتها مقبلة من بعيد. تسير وكأنها في طريقها إلى فوق إلى السماء. ليست كالأخريات تنجرّ أقدامهنّ على الأرض ، ... ص: 41". امرأة تسير إلى السماء ، مغايرة نساء الجمال المألوف اللواتي تَسًرْن على الأرض ، مجبولة من طينة خاصة ، تلزم الناظر إليها بتجربة عشق فريدة. يعطي جمالها حياة عاشقها أسساً جديدة: "لقد وقفت سلطانة ، منذ تلك اللحظة ، بيني وبين كل امرأة ، عرفتها. ص: ,158" يظفر غير المألوف ، الذي تحدّث عنه الرومانسي الألماني شليغل ، بإضاءة كاملة. فأنثى الرواية لها جمال لا يشبهه غيره والذكر الذي وقع في حبها التقى بتجربة فريدة.

جمع السارد ، وهو يعود إلى زمن الطفولة والصبا في قرية أردنية ، بين زمن البراءة الأولى ، الذي يتطيّر من الدنس ، والمرأة ـ الأصل ، التي تجسّد الجمال النموذجي ولا تتغير ، فإن تغيّرت عاودت الظهور في أجساد جديدة. تتحدّد المرأة ـ الأصل ، التي تأخذ أشكالاً كثيرة ، امرأة أولى وأخيرة ، يهواها الإنسان ويظل أسير حبها حتى النهاية. فكما تتوالد في نساء يشبهنها ويغايرنها في آن ، يتوالد حبها ويتوزّع على نساء مختلفات ، ويبقى عاشقها مشدوداً إلى صورة المرأة الأولى. ولهذا يلتقي السارد بعد "سلطانة" السائرة إلى فوق ، بابنتها ، التي هي صورة عنها ، في انتظار أن يلتقي ، بعد ثلاثين عاماً تقريباً ، بامرأة قاهرية هي صورة عن المرأة الأولى واستئناف لبراءتها ، التي سقطت في منتصف الطريق. يقول السارد: "كان قد مضى على آخر مرة رأى فيها سلطانة سبعة عشر عاماً" ، ثم يكمل الكلام راسماً ملامح "سلطانة" أخرى: "كان لها طلعة: العنق الشامخ ، والصدر البارز ، والقامة الممشوقة الطويلة ، ... ، ولها وجه يستغرق في اللحظة كأن الآخرين لا وجود لهم ، وكان لها ذلك الإشعاع الذي يخترقك رغم الزحام حولك.. ص: 420".

احتجبت صورة "المرأة الأردنية" وانبثقت ، فجأة ، في القاهرة بعد سبعة عشر عاماً ، في مظاهرة طلابية يقودها المؤمنون بتغيير العالم. ومع أن المرأة ـ الاصل لحم ودمّ وجسد مشتهى ، فهي أولاً صورة للجمال الجوهري ، الذي وجد مرة واحدة ، في زمن ومكان لا يتكرّران. ولهذا تتعيّن موضوعاً وإشارة: فهي الجميلة المشتهاة التي تعيد صوغ الرغبات والأحلام ، وهي الكمال الذي لا يكترث بالزمن ولا يلتفت إليه. أنتج نص هلسا أنثى ملتبسة تجسّد الفضيلة ، بالمعنى الديني ، وتندرج في حياة دنيوية طافحة بالدنس والخيانة.

قاد التصوّر الرومانسي السارد إلى المرأة ـ الفاضلة ، وقاده تصوره "الواقعي" إلى امرأة ملموسة ، تصوغ العشاق ويصوغها أصحاب الجاه والثروة. تجاوز السارد ، الموزّع على الواقع والمثال ، تمزّقه بالركون إلى نسق من النساء الجميلات ، يحتضن القروية البريئة والمرأة المومس والفتاة الثورية والأم المرضعة ، التي تثير فيه حواس مختلطة ، والأم ، التي تسبغ على النهار الألفة والحنان والطيبة. ولذلك تنوس المرأة ـ الأصل بين الأنثى الجميلة المشتهاة ، التي تسقط وتنتقل ملامحها إلى أخرى ، وشخصية الأم ، التي تصبح في اللاوعي أماً وأنثى معاً. يصف السارد المرأة التي أرضعته أثناء مرض أمه: "آمنة في الذاكرة. صاغت رؤيتي للنساء وأعادت إنتاجها في كل مرحلة من مراحل العمر. هي وسلطانة حلم القرية الشبقي السري ، الملعون ، الفاجع ، الممنوح والمستحيل معاً..."

يوحّد السارد بين الأنثى المشتهاة والأم المرضعة أكثر من مرة: فالأولى ، كما الثانية ، صاغت رؤيته للنساء ، وهما شكلان متكاملان لحلم القرية ، تتقاسمان الجمال وتوقظان الرغبة ، ... يفصل السارد بينهما ويوحّدهما ، معلناً رغبة في تملّك الطرفين معاً: رغبة سريّة ومعلنة ، تحيل على جسد وروح وممنوع ومسموح ورومانسي وشبقي ، وتحيل الثنائيات جميعاً على أم مستترة ، يستبدلها اللاوعي بما شاء من النساء. تضيء الثنائيات موقع المرأة في التصور الرومانسي للعالم ، فبها تبدأ الحكاية وتنتهي ، جميلة وساذجة حيناً ، وطاهرة مقدسة حيناً آخر ، وهي وجود ملتبس مرغوب وممنوع في آن يقرّر أن المرأة هي المدخل الواسع إلى قراءة التصور الرومانسي للعالم في علاقاته كلها.

يشتق التصور الرومانسي المستقبل من ماضْ جميل ، ويشتق الزمنين من زمن ـ أصل قديم ، يساوي الكمال ويلتبس به. تصبح المرأة في هذا التصوّر طريقاً إلى المعرفة ، ويغدو العشق والمعاناة وجوهاً من بحث معرفي ، يمزج بين الحدس والتجربة والوعي واللاوعي والعقلي واللاعقلي ، ... ولهذا تتجلّى "القرية" ، التي هي مجاز الطفولة والفردوس المفقود والنقاء الراحل ، في وجوه وأجساد نسائها كما لو كانت المرأة ، بصيغة الجمع ، مرجعاً للوجود في وجوهه المختلفة. تبدو المرأة ، في حضورها المعلن ، وجهاً جميلاً وجسداً مرغوباً ، وتتراءى ، في وجودها المستتر ، دليلاً منيراً إلى معرفة ما كان.

يضع قول الألماني شليجل ، المحدّث عن عاطفة خارقة تزيدها الكتابة الرومانسية توهجاً ، المقدسات السابقة تحت ضوء جديد: فإذا كانت "الأنا" الرومانسية مبتدأ العالم ومرجع حركته ، فإن المرأة في طبقاتها ودلالتها امتداد للأنا ومرجع لها ، كما لو كانت هذه الأخيرة أنثى متعالية ، أو فضاء يجمع بين الذكر والأنثى معاً. تغدو الرحلة في عوالم المرأة آنئذ ، رحلة في عالم الذات الرومانسية التي تتعيّن ، في التحديد الأخير ، خالقاً لحكاية شاسعة ، ألوانها من ألوان خالقها ، تشتمل على الحب والجمال والمعرفة والكتابة الخالقة. تأخذ المرأة دلالتها من موقعها من الحكاية ، وتأخذ الحكاية دلالتها من وجوه المرأة المتعاقبة. والواضح في كل هذا أمران: تخلق الأنا الرومانسية عالمها وتمدّه بالانسجام والنظام ، وتعيّن المرأة الجميلة عنواناً له وباباً إليه ، ذلك أن حقيقة المرأة سبيل إلى الكشف عن الحقيقة الأخيرة.

تخلق الأنا العالم وتنظّم علاقاته مصرّحة ، منذ البداية ، بأنها الخالق الأول الذي يبعث بمخلوقاته إلى وجهات مختلفة. ولهذا توحي الرواية ، في صفحتها الأولى ، بشيء لا شكل له ، يستيقظ ولا يستيقظ ويعابثه النعاس ، إلى أن ينقشع السديم وتنبثق الأنا الخالقة واضحة بلا إبهام: "وهكذا استيقظ جريس". تبني الكلمات الثلاث جملة تقول: "هكذا خلقت نفسي" وأعطيتها اسماً ، لأن مانح الإسم يمتلك المسمّى وقراره. غير أن الخلق ، مهما كان شكله ، يبدأ بالكلمة التي هي "القوة الخالقة الأولى في الوجود" ، كما يرى الرومانسيون. لذا ينصرف الخالق ، بعد ظهوره ، إلى توليد مخلوقاته وتتويجها بالتسمية: "كنت سائراً في طريق التنبه. كان ذلك حين حزمت أمري وقرّرت أنا في القرية. ص: 14".

ينبثق السارد الخالق من سديم يشبه النعاس ، ويصطحب معه عالماً متوالد العلاقات حسن التنظيم ، يحتضن الأم التي تشرب القهوة المرّة مع جيرانها ، وباب الدار الكبيرة ذو الصرير الذي تختلط فيه الصرخة بالأنين ، وبنات القريات الجميلات ومنحدر الشمس في حمرته الكابية والقسيس وزوجته والطريق المتجهة غرباً المنفتح على اتجاه القدس ، .. تفصح الصور جميعاً عن فعل الخلق الذي يوقظ ، متوسّلاً الكلمة ، عالماً مضى مركزه المرأة الجميلة المتعددة الوجوه التي تعبّر عن طهر البداية ودنس ما يتلوها. يساوي الخلق معركة منتصرة تقترح ما شاءت من المخلوقات ، يتوسطها خالق تزامله كلمة مطيعة تترجم حدسه إلى أسماء ومواضيع ومصائر.



2. الكلمة الخالقة وقوة الكتب

"هكذا استيقظ جريس" ، أو هكذا أيقظ ذاته وطاف في العالم ووضع أسراره في كتاب ، مبرهناً أن الكتب كلمات ، وأن الكتب والكلمات مرجع العالم وأصله القويم. فكما استيقظ "جريس" وأيقظ معه ما شاء من المخلوقات ، استيقظ غيره في كتب أخرى ، ساق مخلوقاتها خالقون منتصرون. فلا شيء أقوى من الكلمة ، التي تبعث عوالم غير مسبوقة ، وتخبر أن العالم هو الكتب ، وأن ما تقول به الكتب يتنفس الهواء ويمشي في الشوارع. يأخذ الكتاب وضع المرأة ، يفسّران زمن البراءة الأولى ويشيران إلى سبل البراءة المستعادة. ولهذا تُستهل الرواية بالمرأة والكتاب معاً ، ففي كل كتاب امرأة ، مثلما تعبّر كل امرأة عن كتاب.

يقول السارد في الصفحة الثالثة: "سوف أحكي عن الرواية التي أقرأها". يحضر السارد ، مباشرة ، مصطحباً المرأة والكتاب ، موحياً بأن المرأة هي الكلمة. وأن الكلمة ـ المرأة جوهر هذا العالم. يظهر بعد صفحة واحدة عنوان الكتاب: "أقرأ رواية العبرات للمنفلوطي" ، الذي يسبقه مباشرة اسم المرأة أو "عنوانها": "ما الذي حدث لخضرا؟ كانت هي البادئة" ، إلى أن يقول: "من خلال أحلام اليقظة خلقت نهاية سعيدة... ثم رأيت خضرا تقف أمامي...". يأتي الواقع بما تقرّره الرواية ، وتكتب الرواية ما نطق به الواقع ، فلولا رواية "العبرات" لما تذكر السارد "خضرا" ، ولولا الأخيرة لما فكّر السارد بكتابة رواية يحتفي الكاتب ، بعد أربع صفحات ، بأدباء لهم شهرة واسعة: "أعلم أنه لم يقرأ لهم إلا القليل: طه حسين ، ومصطفى لطفي المنفلوطي ، والعقّاد الذي كان يقول عنه معقد مثل اسمه". ينطوي الكلام على المحاكاة والخلق معاً ، لأن السارد يحاكي "العبرات" ويبدّل نهايتها ، دون أن تتبدّل هالة الكتاب ـ المثال في شيء.

بعد رواية "العبرات" ، التي خلق لها "جريس" نهاية جديدة ، ينصرف الصبي الحالم إلى رواية غوستاف فلوبير "مدام بوفاري" ، المرأة الرومانسية التي اعتقدت أن ما تقول به الروايات تستضيفه الحياة. ولعل مصير المرأة المؤسي ، الذي هو تعليق طويل على حوار الروايات والحياة ، هو ما يجعل عمل فلوبير يصاحب طويلاً الصبي الحالم ، الذي أراد رواية جديدة تستبدل بدموع العشاق ابتسامة عامرة تتكفّل الحياة بديمومتها. وهذا ما يجعله يبحث عن الجواب في روايات أخرى: "وعشت عاشقاً ، أو وحيداً أقرأ الروايات التي أعشقها: جزيرة الكنز ، مرتفعات وذرنج ، خان الخليلي ، آلام فيرتر وقصص إدجار ألان بو. و..... مدام بوفاري. ص: 207". أقام الصبي الرومانسي حياته على العشق ومحا الحدود بين الواقع والخيال ، منتهياً إلى عشق سعيد يشبه زمن الطفولة ، أو زمن الحلم الذي تتبادل فيه الكلمات والرغبات المواقع: "المساحات الفارغة ، اللامعة ، البعيدة عن الشارع حملتها معي وأجريت فيها لقاءات خيالية مع من أ حب ، ...".

يأخذ التنقل المتواتر بين الحلم والواقع معناه الواضح اعتماداً على مقولتين رومانسيتين أساسيتين ، تقول الأولى: حياة كل إنسان رواية ، لا فرق إن كتبت ، أو تركت من دون كتاب. وخلاصة القول ، التي لا تحتاج إلى تعليق طويل ، أن الحياة جملة من الروايات ، وأن الروايات سرد لوقائع الحياة. والفرق بين الكتابة وغيابها قائم في "الفرد المبدع" ، الذي يدرك أن في الكلمة قوة لا تقاوم. أما المقولة الثانية فتقول: تنزع كل عاطفة حقيقية إلى التحقق ، كما لو كانت العاطفة قوة خالقة. يحيل الأمر ، في النهاية على جدل الذات والموضوع ، بالمعنى الرومانسي ، الذي يرى الموضوع امتداداً للذات ، ويرى في "الأنا الهائلة" مرجعاً للعالم ومركزاً له. تتراءى في التصوّر ملامح "الخالق المطلق" ، الذي يحاكي حدسه الذاتي ، معتبراً "الحدس معرفة تجسّد مواضيعها ، دون حاجة إلى عون خارجي".

تعثر القراءة المتأنية في رواية غالب هلسا "سلطانة" على المقولات الرومانسية: المرأة ، الجمال ، العاطفة الملتهبة ، العزلة ، الأم ، قوة المعرفة ، الإنسان ـ الأصل ، الإبداع ، وذلك الحنين الملتاع إلى عالم نقي بدئي ، اقترحه الرومانسي وتصوّره وآمن بإمكانية وجوده. غير أن ماركسية هلسا تحوّر قليلاً متاعه الرومانسي ، حين تضع إلى جانب الأنا الخالقة ، بصيغة المفرد ، أنا خالقه جماعية تعبّر عن "الجماهير" التي تصنع تاريخاً جديداً ، أو عن المناضلين الشيوعيين ، الذين يؤمنون بقوة "الرواية النظرية" ويحتفون بقوة الكلمات. تبني الأنا المفردة عالماً غنائياً يرضي العشاق ، وتنشئ الأنا الجماعية مجتمعاً لا صراع فيه ولا طبقات. ينبثق ، في الحالين ، عالم جديد مجازه زمن الطفولة ، الذي هو زمن البراءة والخير والثورة.



3. من كتاب الأنا المفردة

إلى كتاب الأنا الجماعية

تمر الرواية ، التي تلتبس بسيرة ذاتية ، على أمرين: انتقال السارد من قرية يخلقها الحنين إلى مدينة "أنشئت على عجل" تدعى: عمّان ، وانتسابه إلى عالم سري تريد أفكاره تغيير العالم يدعى: الحزب الشيوعي. ومثلما أن الأنا المفردة تحاكي الكتب وتهجس برواية عاطفية من دون "عبرات" فالأنا الجماعية ، الممثلة بالحزب الشيوعي ، تتطلع إلى محاكاة الكتب وترى إلى عالم من دون استغلال. تتعامل الأنا الثانية مع كتب خاصة بها ، تقول "إن الإنسان أثمن رأسمال" وأن الصراع الطبقي محرّك التاريخ ، وأن الطبقة العاملة تحرّر ذاتها والإنسانية كلها في آن: "كانت قراءاتي في هذا المجال كتاب لينين "الدولة والثورة" ، ولا أدّعي أنني فهمته ، وكتاب إيليا اهرنبورغ "مشاهداتي في الولايات المتحدة" ، ثم رواية "الأم" لمكسيم غوركي...." لا يقرأ المناضل الشيوعي الكتاب المقرّر له ، إنما يقرأ رغبته فيه ، مدفوعاً بالعالم السري الذي وعد ذاته به أو وعده به الآخرون.

يسبق الإيمان قراءة الكتاب وتخلق القراءة الإيمانية معنى الكتاب قبل قراءته ، مساوية بين المعرفة والإيمان ، وبين المعرفة الإيمانية والحقيقة الخالصة: "تبيّن له أن كل كتاب يقرأه كان كشفاً جديداً ، ... ، وأدهشه أن كل كتاب جديد يعيد إليه المقولات الماركسية أكثر صفاء ووضوحاً...". تعود المقولات الماركسية أكثر وضوحاً بفضل إيمانية متحزّبة ، تفيض على الكتب والقراءة ، ذلك أن القراءة الإيمانية تقبض على الحقيقة مطمئنة إلى صوت جماعي لا يقبل بالأفراد والقراءة المفردة. ولعل استبدال الجماعي بالفردي هو الذي ينتج "نظرية كلية الحقيقة" ، ويعيّن الحقيقة الكليّة شأناً جماعياً ، يستحق من يخرج عليه لقب المرتد أو "التحريفي". تقول الحقيقة الخالصة بأمرين: أن المؤمنين بها جزء منها ، وأن خصومها جزء من الباطل. يقرأ المناضل الحقيقة في كتاب "الدولة والثورة" ، ويمر على الباطل في كتاب "مشاهداتي في الولايات المتحدة". تكون الطبقة العاملة ، في الحالين ، تجسيداً للنظرية الحقة ومبشراً بها ومدافعاً عنها.

تتضمن الإيمانية الماركسية ضماناً مزدوجاً: ضماناً تصرّح به علميّة النظرية ، أو نظرية علمية استخرجت قولها من معرفة التاريخ ، وضماناً ثانياً تعلن عنه أهدافها ، التي تنقل الإنسانية من "ما قبل التاريخ" إلى التاريخ ، متطلعة إلى تحرير الإنسان من الاستغلال والاضطهاد والعماء ، وتنصيبه سيداً على ذاته والعالم.... يفضي هذا الانتقال إلى الإنسان الشامل ، الذي تجاوز اغترابه واستعاد جوهره المفقود ، وإلى الإنسان الكلي الذي يجعل من العمل لعباً ومن اللعب عملاً ، منتهياً إلى عالم غنائي لا تناقض فيه.

تعيّنت "سلطانة" مجازاً جمالياً دينامياً يخترق الأزمنة ، ملبّياً رغبات أنا فردية ، تختلط بالأنا الجماعية وتكتب روايتها. لن تكون الثورة ، بالمعنى الماركسي ، إلا "سلطانة" أخرى ، تشتعل وتخبو وتقترب وتبتعد وتظل ماثلة بالأفق ، في انتظار وصولها الأكيد. وعلى الرغم من الفرق الظاهري بين "شخص" محدد الإسم ، أو الأسماء ، ونظرية ثورية لا تقبل بالشخصنة ، فإن الإيمانية ضمان وجود العلاقتين ، فلا جمال من دون وعي يؤمن بديمومة الجمال ، ولا ثورة من دون وعي جماعي يؤمن بالثورة ، قبل أن يسأل عن سبلها. تتكشّف الإيمانية الماركسية ، بهذا المعنى ، مقولة جمالية رومانسية ، تحتفي بالصوت الجماعي والأهداف المشتركة ، وتقول بقوة المعرفة والإنسان الخالق وغنائية الإنسان الممتد في الطبيعة وجمالية الطبيعة الممتدة في الإنسان. لذا تتحول سلطانة "سلطانة" ولا تغيب ، ويبقى للكتب حضورها الواسع ، وتظل أطياف الثورة هناك ، تصاحب المثقفين المؤمنين: "بالنظريات الثورية".

يقول شليجل: "إن كل إنسان مثقف ، أو يثقف نفسه ، يحمل في أعماق كيانه رواية. أما أن يتوصل إلى التعبير عنها أم لا أو أن يكتبها أو لا يكتبها فليس بأمر ذي بال". تتعيّن رواية المثقف الرومانسي ، مهما كان شكلها ، سيرة ذاتية صريحة أو مضمرة ، تحتفل بخلقه وتبرهن أنه مركز جميل لعالم موعود. لذا يتحدث "جريس" عن "سلطانة" وهو يتحدث عن ذاته ، ويرى السارد ما يرى ويعلّم شخصياته الرؤية والرؤيا ، ويتأمل المؤلف الخالق ومخلوقاته ويشعر بالمسرّة. إنه مركز ذاته ومركز غيره ومركز القرية التي كانت والمدينة الفاضلة التي ستكون. والسؤال هو: إن كان المثقف الرومانسي ينشئ ما شاء من المخلوقات الجميلة ، في رواية تلتبس بالسيرة الذاتية ، فكيف تكتب "جماهير الثورة" ، المشبعة بالرومانسية ، روايتها الجماعية؟ يتوزع الجواب على اتجاهين: تحدث الماركسي الإيطالي غرامشي عن "المثقف الجمعي" ، أي الحزب الشيوعي ، الذي يستطيع ، نظرياً ، أن يكتب روايته ، وتحدث الماركسيون عن المسافة الموضوعية القائمة بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، التي تدع الكتابة للمثقفين وتترك "العمال" مع جهدهم العضلي. والنتيجة ، رغم "وحدة الأحلام" ، لا تنقصها المفارقة: يبني المثقف الخالق ، مدينته الفاضلة ، ويترك ما خارجه ينتظر مدينة موعودة. يفسر الفرق المستمر بين الطرفين ديمومة حلم المدينة الفاضلة وتنوّع أشكالها ، الممتدة من أفلاطون إلى "فردوس المؤمنين".



4.الماركسية والمدينة الفاضلة

مرّ غالب هلسا ، وهو يسرد طوراً من حياته ، على شيوعيين أردنيين يقسمون العالم ، كغيرهم ، إلى طبقة رأسمالية متفسّخة وطبقة عمالية صاعدة ، يقودها تحالفها مع التاريخ إلى الانتصار. جاء يقين الانتصار من تحالف الطبقة العاملة مع المادية التاريخية ، الذي يزوّد المناضلين بمنظور علمي يصير العلم الماركسي قوة فاعلة ، توقظ حلماً جماعياً سائراً إلى التحقق.

انطوت الماركسية ، كوجه متميّز من فلسفة التقدّم ، على وعدها بمجتمع جديد أقامته على تعارض صريح بين اليوتوبيا ـ العلم ، أو بين الاشتراكية العلمية ـ الاشتراكية الطوباوية. عبّرت الاشتراكية ، التي سبقت الماركسية ، عن أحلام الجماهير المضطهدة ، عبّرت ، دون أن تقدم لهذه الأحلام وسائل تحقيقها ، لعجزها عن قراءة الواقع الموضوعي بمفاهيم علمية ، في انتظار الماركسية التي "أعطت الأحلام صياغة دقيقة مبرّأة من الخطأ" ، كما قال دعاتها. نقلت الماركسية ، بهذا المعنى ، اليوتوبيا من وضع الرؤية "الصادقة" ، التي تنجح أو تخفق ، إلى رؤية أخرى "صحيحة" مضمونة الانتصار. كانت الرؤية الأولى صادقة وهي تدعو إلى مدينة عادلة ، وكانت عاجزة وهي تشير إلى المدينة وتجهل الطرق المؤدية إليها. جمعت الماركسية بين وضوح الهدف والطريق ، إذ الهدف مجتمع شيوعي مؤسس على العلم والعدالة ، فلا تناقض فيه ولا تناقض بينه وبين الطبيعة ، وإذ الطريق مجسّد بتحالف الطبقة العاملة مع المادية التاريخية.

جعلت الماركسية من "المدن الفاضلة" التي سبقتها أفكاراً قديمة ، واستولدت يوتوبيا خاصة بها ، تستأنف ما سبقها وتعيد بناءه وتصحيحه وتضعه فوق طريق لا خطأ فيه. تتعيّن علاقة "الاشتراكية العلمية" ، المؤسسة على علم الثورة ، بغيرها من "الاشتراكيات الطوباوية" كاستئناف وانقطاع: تستأنف قيمها ومتخيلها الجماعي المستقبلي ، وتقطع معها كما يقطع الواحد مع المتعدد: وجدت الاشتراكيات الطوباوية بصيغة الجمع ، على خلاف الاشتراكية العلمية التي توحد بصيغة المفرد ، الذي يستأنف ما جاء قبله ويمحوه. ولعل هذا الفرق ، الذي أراد أن يميّز بين العلم والأيدولوجيات ، أو بين الصحيح والزائف ، هو الذي جعل ماركس يتحدّث عن المجتمع الشيوعي ولا يدخل في تفاصيله ، وإن كان في كلمة "العلم" ما يجزم بمجيئه. مع ذلك ، فإن اختزال الماركسية ، في حالات كثيرة ، إلى أيديولوجيات إيمانية للطبقة العاملة ، كما الأحلام التي أذاعها المجتمع السوفييتي بعد انتصار ثورة أكتوبر ، وسّع "المتخيّل الشيوعي" توسيعاً هائلاً ، مساوياً بين مثالية "المجتمع الشيوعي المتحقق" ومثالية الاشتراكيات الطوباوية.

في كتابه "الوهم والحقيقة" ، الذي عاش طويلاً ، ساوى الماركسي الإنجليزي كريستوفر كودويل ، الذي لم يعش طويلاً ـ مات في التاسعة والعشرين من عمره ـ بين الشعر والحرية ، وبين الماركسية والشعر ، وبين الشعر والماركسية والمستقبل ، إذ ما يتطلع إليه الشعر يحققه المجتمع الشيوعي المستقبلي ، كما لو كانت الماركسية شعر الأزمنة الحديثة ، وكان المجتمع الشيوعي هو المستقبل الذي يحوّل الشعر إلى حقيقة. ولعل تبادلية الدلالة بين الشعر والماركسية هو ما أقنع كودويل بأن يلغي الحدود بين "الوهم" والواقع ، بلغة معينة ، أو بين الحقيقة والخيال ، بلغة أخرى. فإذا كان الشعر قادراً على صوغ ما يرى ولا يرى ، فإن الماركسية ـ الشعر قادرةّ بدورها على تجسير المسافة بين المجرّد والفعلي ، وبين الوهم والحقيقة. إنها فكرة الخلق مرة أخرى ، التي توقظ الروائي الذي يوقظ معه "قرية كاملة" ، مع فرق جوهري بين القرية المتخيّلة والمجتمع الشيوعي: تحقق الخلق الأول بالكلمات ، بينما لا يتحقق الخلق الثاني إلا بعلاقة ، لا يراهن عليها ، بين الطبقة العاملة والمادية التاريخية ، ذلك أن الأولى تُقرأ.



ہ ناقد ومفكر فلسطيني



Date : 31-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش