الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هشام شرابي .. تمرُّد على واقع ظالم ومجتمع تقليدي

تم نشره في الجمعة 17 تموز / يوليو 2009. 03:00 مـساءً
هشام شرابي .. تمرُّد على واقع ظالم ومجتمع تقليدي * يوسف عبدالله محمود

 

 
هشام شرابي واحد من الاكاديميين العرب الكبار الذين لم يحصروا اهتماماتهم في العمل الاكاديمي فحسب ، بل امتد هذا الاهتمام الى الالتصاق بكرا بالعمل السياسي ، حيث رأيناه ينتمي مبكرا الى الحزب القومي السوري ، ويرتبط بصداقة قوية مع زعيمه انطون سعادة. فقد شدته رؤيته القومية آنذاك التي اعتبرت وطنه فلسطين جزءا حيويا من وطن كامل لأمة واحدة هي الامة السورية ، ولكنه فيما بعد وبعد انفتاحه اكثر على الفكر الانساني ترك هذا الحزب وراح ينشد «المعرفة» في قراءاته المعمقة لماركس وفرويد وغيرهما من المفكرين والعلماء في العالم.

في الجامعة الامريكية التي كانت دراسته الجامعية الاولى فيها قرأ «كيركجارد» فوجد انه وان كان يركز على «التجربة الحياتية» ويرفض التجريدات التي اقامها هيجل اساسا لفلسفته ، فانه اهتم فقط «بالفرد والحياة الفردية اطارا نهائيا لتفكيره» وهذا ما لم يرق لهشام شرابي الذي كان يبحث عن رؤية اخرى اكثر تقدمية وانسجاما مع الواقع الانساني ، رآها اخيرا من خلال قراءته للفكر الماركسي فقد رأى ان ماركس قد «عالج الوجود الفردي داخل سياق حياة المجتمع ككل ، ملخصا موقفه في اطروحته الشهيرة «حتى الآن قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة لكن المهم الآن تغيير العالم».

شده «الاسلوب النقدي» لماركس الى جانب قراءاته في تراث «فرويد» فوجد نفسه - كما يقول - يجمع بين الاتجاهين الماركسي والفرويدي ، وهو يقرأ واقع مجتمعه العربي والخطاب الابوي المهيمن عليه.... هشام شرابي «صور الماضي»..ص32 ، 33».

كان هشام شرابي ناقدا اجتماعيا لا يشق له غبار يقرأ بعمق ويحلل بعمق ، لا تخدعه الظواهر الخارجية التي تطفو على السطح ، بل ينفذ بثقوب نظرته الى اعماق الظاهرة الاجتماعية فيحللها الى عناصرها المختلفة. كل ذلك برؤية نقدية واضحة تنأى بنفسها عن الرؤية التقليدية التي تعتبر الحداثة بدعة او ضلالا كحال الكثيرين من التقليديين العرب الذين يكرسون واقعا مهزوما غاب عنه «النظام العقلاني» الي هو الطريق الى تحقيق العدالة الاجتماعية في مجتمعات غابت عنها هذه العدالة ، مجتمعات تتجسد فيها - كما يقول شرابي - «القيم والعلاقات الابوية» التي تنفي القيم الديمقراطية ، وتتعارض مع «الحداثة» بمفهومها الانساني.

حمل شرابي هم قضيته الفلسطينية مبكرا بعد ان غادر موطنه وهو في ريًّق العمر ، وقد ظل وفيا لهذه القضية حتى اللحظة الاخيرة من حياته.

من هنا رأينا اهتمامه الشديد «بتثبيت العلاقة بين الفكر والواقع» فبغير هذا التثبيت لا يمكن للمفكر ان يكون جادا في طروحاته وآرائه ، جعلته هذه الرؤية التقدمية يرفض المظاهر الزائفة التي تعيشها المجتمعات التقليدية ، رفض الوعي الضيق لكثير من المثقفين العرب.. رآه وعيا عاجزا عن احداث اي تغيير حقيقي في مجتمعاتهم «الابوية التي تنفي الديمقراطية» تاركة الحبل على غاربه للسلطة المهيمنة تفعل وتقرر ما تشاء دون استنارة برأي الاخرين.

بداية ، قرأ شرابي واقع العلاقات الاسرية في المجتمعات العربية قبل ان ينتقل الى الواقع السياسي الذي يفرض على الجميع سلطة لا يجوز مناقشتها او انتقادها ، انتقد بشدة هذا النمط من العلاقات الاسرية انتقد ما اسماه «البطريركية» التي يفرضها الاب على باقي الاسرة ، ليقفز فيما بعد الى نظم الحكم العربية التي يتفرد فيها الحاكم في حكم البلاد وكأنه «الحاكم بأمره».

انتقد - شرابي - ايضا وهو الاكاديمي البارز في جامعة جورجتاون الامريكية واستاذ التاريخ فيها نظم التعليم في بلاده العربية فهي نظم - كما لاحظ د. فيصل دراج في محاضرة له عن الفقيد الراحل «تحول دون تركيز الطاقة الفكرية والعلمية في انتاج المعرفة الموضوعية المفيدة» من ناحية اخرى ادان شرابي شريحة المثقفين العرب المتخاذلة عن هموم اوطانها ، انتقد شرابي «عبودية» المثقف العربي للايديولوجيا السائدة التي تقيده الى حد بعيد ، فتعميه عن رؤية الواقع على حقيقته وهو واقع متخلف بامتياز.. انتقد العبودية الاخرى للمثقف وهي عبودية «الارتزاق».. انتقد هشام شرابي تخاذل المثقفين العرب - ولا اقول كلهم - وتخليهم السريع عن مواقف سابقة لهم انسجاما مع تغيرات عالمية فرضت وقائع جديدة على الارض يقول شرابي في هذا النوع من المثقفين العرب «لقد هللنا للماركسية والاشتراكية عندما كانت هذه هي «الموضة» الرائجة في الستينات ، والان نهلل لنظام الديمقراطية والتعددية والسوق الحرة وحقوق الانسان... هشام شرابي «المرجع السابق ص 34».

ثم يتساءل محذرا: «ترى ماذا سيكون موقفنا عندما نكتشف ان هذا النظام الجديد ليس سوى النظام الرأسمالي القديم باستغلاله الطبقي وديمقراطيته الكاذبة وجشعه الاستعماري».

لقد تمرد شرابي على طقوس مجتمعات العربية التي حاربت «الحداثة» بمفهومها الانساني الواسع وظل المنافح الصلب عن قضية شعبه الفلسطيني وكما وصفه الصديق فيصل دراج.

دخل شبابه مفجوعا وطرق باب كهولته محبطا ، جاءت كتاباته «بحثا معرفيا غاضبا وسيرة ذاتية معا. لم تكن تعجبه «العادات الذهبية» اذا لم تخرج الى حيز التطبيق .. لم تعجبه هشاشة الوعي القومي «في مجتمعاته العربية» لم يعجبه ان تعيش الجماهير العربية في رعب من الحاكم ، يحرمها من ابسط حقوقها الانسانية حقها في «الحرية» والنضال من اجل كرامتها الانسانية ، رحم الله هشام شرابي فقد كان علوا في حياته ومماته.



ہ كاتب اردني

= شرفة

كتابة النبوءة

خليل قنديل ہ

Date : 17-07-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش