الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تذكرنا بالمسكوت عنه : بديعة أمين في «الليل والزمان»

تم نشره في الجمعة 23 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 مـساءً
تذكرنا بالمسكوت عنه : بديعة أمين في «الليل والزمان»

 

حميد سعيد -



الذين يعرفون بديعة أمين ، كاتبةً ومثقـَّفَةً ، وأنا واحدّ منهم ، يتذكرون ، أن اهتماماتها الفكرية ، سبقت كتاباتها في القصة القصيرة والرواية ، فمنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي وهي تواصل إثراء المكتبة العربية ، بإصدارات تتسم بالعمق والنضج ، عبر وعي نقدي ومتابعات جادة ، وقد أولت اهتماماً واضحاً ، بمقولات الحركة الصهيونية وتاريخها وسياساتها ، وعلى هذا الصعيد يمكن أن نشير الى عدد من مؤلفاتها مثل "المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية "1974 و"الصهيونية ليست حركة قومية "1978 و"الجذور التوراتية للعنصرية الصهيونية "2002 وغيرها من المؤلفات المهمة التي كرستها باحثة متميزةً ، ومرجعية مؤتمنة. ومن مؤلفاتها الجديرة بالإهتمام والتقدير "الأسس الأديولوجية للأدب الصهيوني" في جزءين ، الصادر ببغداد في العام 1989 ، وكانت مؤلفاتها باللغة الإنكليزية ، تأليفاً وترجمةً ، سبقت مانشرته باللغة العربية.

لقد أصدرت بديعة أمين ، مجموعة قصصية ، في العام 1995 ببغداد ، بعنوان "العربة والمطر" وأصدرت بدمشق في العام 2001 ، مجموعة قصصية ثانية بعنوان "سميتك زهرة السوسن" ، أما روايتها الأولى "طائر الجنة" التي صدرت ببغداد في العام 2001 ، فقد كنت الخبير الذي أحيلت إليه الرواية ، لقراءتها والتوصية بنشرها. اما روايتها "الليل والزمان"ا الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب في سورية 2006 ، فلم أكن قد سمعت بصدورها ، حتى اطلعت عليها معروضة ضمن إصدارات الإتحاد ، في مقره بدمشق ، فأسرعت الى اقتنائها وقراءتها ، ولفتت نظري الملاحظة التي أثبتتها الكاتبة في آخر الكتاب ، حيث أشارت الى أنها أفادت من كتاب "اليورانيوم المنضَّب ..الحرب الخفية" لمؤلفيه "مارتن ميسونيه و فردريك لور وروجيه ترلبخ" في ما يتعلق بالمادة العلمية والحالات المرضية ، وكان الكتاب المذكور ، قد صدر مترجماً الى العربية ، عن بيت الحكمة ببغداد ، في العام 2002 ، وترجمته عن الفرنسية السيدة أركان يوسف بيثون ، ولأهمية الكتاب وما ضم من معلومات خطيرة ، أقدمت وقتذاك متطوعاً على تحرير الترجمة العربية.

إن مثقفة جادة مثل بديعة أمين ، اشتغلت طويلاً في البحث الفكري ، من الطبيعي أن تركز في نصها السردي ، على الأفكار والمواقف التي تريد إيصالها إلى الآخر ، وتقدم شهادة للتاريخ ، وليس من قبيل الصدفة أن تكتب روايتين ، خلال ما يقرب من أربعة أعوام ، تتناول فيهما ، العدوان على بلادها ، وفي الروايتين ، ترصد السلوك الإجرامي للعدوانيين وما ترك من آثار تخريبية على كل مفردات الحياة في أرض الرافدين ، الإنسان والطبيعة والمنجز الحضاري ، الماضي والمستقبل.

في "الليل والزمان" ترصد بديعة أمين ، جرائم العدوانيين في العراق ، وترويها على لسان "سميرة" الباحثة المثقفة ، التي فقدت زوجها ، ومن ثم ستفقد شقيقتها "أحلام" وأبناءها "سلام وداليا ومية وسنار ورشا" في ملجأ العامرية ، الذي احترق في آتونه الف وخمسمائة إنسان ، جراء قصفه بقنابل صنعت بمواصفات مهيأة لإقتراف هذه الجريمة "كانت حكايات وترانيم صمت تفيض بها الدموع ، حزينة كانت عصافير فجر لم يأت له صباح ، ملتاعة بلابل العامرية ، وفراشات تبكي زهوراً تسربلت برمادْ يشع بدل العطر موتاً وفناءً". حيث كان الهدف ، معاقبة الشعب العراقي ، كل الشعب العراقي ، إذ قال الجنرال شوارزكوف قائد قوات العدوانيين: "إن التدمير لم يلحق بأبرياء ، فالشعب العراقي كله ، ليس بريئاً" بل ومعاقبة الأمة العربية ، حيث قال: "جئنا ، كي نصحح خطأً ، ونعطي الثروة لمن يستحقونها".

بعد ذلك ، تفقد "سميرة" طفلها "سعد" ، حيث أصيب بإشعاعات اليورانيوم المنضب ، نتيجة استعمال القوات الأمريكية ، أسلحة وأعتدة تدخل في مكوناتها ، هذه المادة القاتلة التي ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون طفل عراقي ، واقترن هذا الموت الجماعي بفواجع وباء خطير ، حيث يولد في كل يوم أطفال مشوهون "بعيون لا ترى وألسنة لا تنطق ، أو أنهم استحالوا في أرحام أمهاتهم ، مسوخاً مخيفة تزرع الرهبة والهلع في القلوب" وإن جريمة اليورانيوم المنضب ، التي ذهب ضحيتها مجندون أمريكيون ، وباحثون حاولوا معرفة آثار هذه الجريمة على الحياة في العراق ، سيستمر أثرها في المناطق التي استعمل فيها اليورانيوم المنضب الى خمسين مليون عام،

وكان من اهداف العدوان ، تدمير بغداد ، التي قال عنها المخرج الفرنسي "مارتن ميسونيه" إنها تستحق توقيع "لوكوربوزيه" ، وتربط الكاتبة بين الحلم التوراتي بتدمير بابل وتدمير بغداد "أسوار بابل العريضة تدمر تدميراً وأبوابها الشامخة تحرق بالنار" و "لن أولول عليها لأنها سقطت".

ويتكرر الحلم التوراتي ، على لسان المجندة الأمريكية "كارولين" وهي ترى الدمار في أرض الرافدين ، "شكراً لك أبانا الذي في السماوات ، فحلمنا الإمبراطوري آت..المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام".

إن الجرائم التي اقترفها العدوانيون في العراق ، وهي من قبيل جرائمهم في كل مكان ، تدرك بديعة أمين ، بوعيها وخبرتها ، إنها ستدخل جغرافية التواطؤ ، وحيًّز المسكوت عنه ، ومن هنا ، كانت روايتها "الليل والزمان" كما هي روايتها الأولى "طائر الجنة" ، لتذكر بالمسكوت عنه ، في مشغل حًكائي تكون في مخيلة الساردة ، طاقة تنتظم في محيطها ، مفردات الواقع ، من المشاهدة الى الوثيقة الى المعرفة التاريخية.

- شاعر وكاتب عراقي





التاريخ : 23-01-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش