الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

على هامش رحيل محمود امين العالم وعبدالعظيم أنيس : البطل الإيجابي في النظرية والأدب

تم نشره في الجمعة 3 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
على هامش رحيل محمود امين العالم وعبدالعظيم أنيس : البطل الإيجابي في النظرية والأدب د. فيصل درّاج

 

 
في مقابل ثنائيات القديم والجديد ، القطري والقومي ، والزراعي والصناعي ، التي قال بها طه حسين وساطع الحصري وسلامة موسى ، جاء محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ، في كتابهما "في الثقافة المصرية" ، بثنائية جديدة: الواقعية ونقائض الواقعية. لم يخفً الكتاب ، الصادر عام 1955 ، طموحه ، متوسلاً أحكاماً ونعوتاً مختلفة ، تتضمن الجدة والمعركة والنقد الجذري وضمان إرساء النظر ، في الكتابة وخارجها ، على أسس رشيدة. دعا الطموح صاحبيه إلى منازلة أعلام الثقافية المصرية ، في المجالات جميعها ، كان ذلك المنهج الأدبي لدى طه حسين وعباس العقاد ، أم مسرحية توفيق الحكيم وفلسفة الوجودي عبد الرحمن بدوي ، وصولاً إلى الشعر ورواية نجيب محفوظ وإعادة تعريف الثقافة.

بدأ الفصل الأول في الكتاب ، وعنوانه: "في الأدب الواقعي" ، بالسطور التالية: "ثارت معركة بين شباب الأدب وشيوخه ، أو بمعنى أدق بين أنصار الواقعية وأعدائها. فالمدرسة الحديثة تريد أن تربط الأدب بالمجتمع ربطاً حياً ، وأن تجعل منه صورة صادقة ومرآة مبدعة لحياة المجتمع ، ... ص: 31". أخذ الكتاب بصفة المعركة ، التي تسفر ، منطقياً ، عن انتصار الشباب على الشيوخ ، أو عن هزيمة المدرسة القديمة أمام "المدرسة الحديثة" ، وأفصح الكتاب عن تفاؤل مطمئن تحدّث ، بجمل قصيرة عن "الجنين الذي أوشك على استقبال الحياة والبشر" ، ومعلناً ، أي الكتاب ، أنه قابلة حكيمة ، تخرج الجنين من غير أذى ، فأنصار الواقعية يضعون أفكارهم في "إطار علمي".

أعاد الكتاب صوغ مقاصده في الفصل اللاحق: "من أجل أدب واقعي" ، قائلاً بسؤال مرتاح يبحث عن إجابة ، أو بإجابة قائمة في سؤال سعيد: "وفي الأدب يتساءل الناس كذلك: لماذا لم يحقق الأدب المصري الحديث كل ما يرجوه الناس من تعبير عن وجدانياتهم وعواطفهم؟ وأجاب ثوّار الأدب: لأن كتّابنا لم يعرفوا الواقعية في الكتابة الأدبية ، ولأن الذين عرفوها وقبسوا منها يوماً من الأيام ، تخلوا عن هذا القبس فيما ألفوّه حديثاً. ص: 35". يصدر معنى السؤال ـ الجواب عن ثلاثة مفاهيم مترادفة: الحداثة ، الواقعية ، الثورة ، إذ الواقعية منهج الحداثة الأدبية ، وإذ الواقعية الأدبية منهج ثوار الأدب ، الذين هم ثوار وخارجه ، كما يؤكد الكتاب.

تتكشّف مقاصد الواقعية في بعدين: تأمين الضمان المنهجي الذي يقود الأدباء إلى جادة الصواب ، كي يعبّروا عما ينتظر منهم الشعب أن يعبّروا عنه ، وإعادة تأسيس الإنتاج الأدبي ، الذي لم يعطهً "شيوخ الأدب" القواعد الموائمة التي يحتاجها: "إذا كان كثير من شيوخ الأدب قد قصّروا في أداء هذه الأمانة ، فالأمل معقود على شبابنا أن يعوّضوا النقص ، وأن ينتجوا لنا من الأدب ما نفاخر به بين الآداب العالمية الواقعية. ص: ,34 "تساوي ثنائية الشباب ـ الشيوخ ثنائية الواقعي ـ غير الواقعي ، بما يؤكد وحدة الواقعية والمستقبل ، كما لو كان للماضي أدب رحل معه وللمستقبل أدب مغاير ، ينقله نجاحه إلى فضاء "الآداب العالمية الواقعية".

تتعيّن الواقعية ، في كتاب "في الثقافة المصرية" ، مقولة ثورية عامة ، تقبل التخصيص ، توائم الأدب وغيره ، ويمثّل الأدب فيها ممارسة ثورية بين ممارسات ثورية أخرى. نقرأ: "واقعية في الأدب.... وواقعية في الفن ، وواقعية في السياسة ، وواقعية في التعليم..... هذه هي الصيحات التي فرضت نفسها في المرحلة الأخيرة على الفكر المصري الحديث.... ص: 35". تتوزع الواقعية على مجالات اجتماعية متعددة ، وتعثر في الحياة المصرية الحديثة ، أو في "مشاكل العصر الحديث" ، على ما يكشف عن الحاجة إليها ، فهي طريق إلى إعادة بناء الأدب والفن والسياسة والتعليم جميعاً. ولعل الحاجة الوطنية إلى الواقعية ، التي يهجس بها "ثوار الأدب" ، هي التي تملي عليهم أن يضعوا مبادئ الواقعية في صيغة واضحة ، تمدّ الأدباء الشباب بمنظور واضح ، في الأدب وخارجه.

يقول الكتاب بالحاجة الوطنية ، التي تحيل على ما يتطلع إليه البشر ويرغبون بتحقّقه ، وبالحاجة الوطنية المتطورة ، التي تؤمّن رغبات المجتمع وتقدمه ، لأن حاجات المجتمع المنفتح على زمن جديد ، تغاير تلك المرتبطة بزمن منتهْ. يتحدد دور الممارسة الواقعية ، والحال هذه ، بإلقاء الضوء على الحاجات الجديدة ، وباقتراح سبل امتلاكها. يصدر عن الدعوة إلى هذين العنصرين ، اللذين يوحدان بين المصلحة الوطنية والحاجة المتطورة ، الأدب الواقعي ، الذي هو "أدب رسالة" ، والأديب الواقعي ، الذي هو "رسول مسؤول". تفتح الواقعية ، إذن ، الأدب على المجتمع ، محتفية بالحاجة الوطنية ، وتمدّ الأدب بمنظور متطور ، قائلة بهزيمة القديم أمام الجديد. وهي تؤمن ، في الحالين ، بأن للأدب دوراً في التحويل الاجتماعي ، وبأن للأديب وظيفة عليه أن ينجزها ، وأن الأدب ممارسة تحويلية بين ممارسات تحويلية أخرى.

تأمر الواقعية ، اتكاء على هذا المنظور ، بأمرين: معاينة معنى الثقافة الاجتماعية ، فلا تحويل من دون معرفة مقدماته ، وباختبار الوعي الكاتب ، لأن المكتوب ، في وضوحه أو اضطرابه ، صورة للوعي الذي أنتجه. لا غرابة أن يستهل محمود أمين العالم الكتاب بدراسة عنوانها: "من أجل ثقافة مصرية" ترفض أفكار الإنجليزي ت. س. إليوت ، من ناحية ، وتحاور ، بشكل ومضي ، طه حسين ، من ناحية ثانية. تقوم الثقافة المنشودة ، في التصور الواقعي ، على جملة عوامل متنوعة متفاعلة بعيدة عن الثبات ، تعيد صوغها وتؤثر في التطور الاجتماعي في آن. فلا يمكن اختصار الثقافة إلى عامل وحيد ثابت ، كالدين مثلاً ، ولا إلى عوامل متعددة متراصفة ، فهي محصلة لصراع اجتماعي يخترقها جميعاً ، وهي عامل فاعل في الصراع الاجتماعي كله.

لا ينفصل هذا التعريف عن عنوان الكتاب ، فهو مقدمة له وحاكم لدراساته ، يرصد القديم الذي يتراجع ، ويرى إلى "الجنين" الذي يدخل الحياة بثقة وتستقبله الحياة بثقة أكبر... ولهذا يقول العالم: "إذا كان هذا هو مدلول الثقافة ، فما هي حدود ثقافتنا المصرية ، وما مشخصاتها ومعالمها؟ على الرغم من الأهمية البالغة لهذا الموضوع ، فإن الدراسة الجادة لم تمسه بعد. حقاً لقد أفرد له الدكتور طه حسين سطورا في نهاية كتابه عن مستقبل الثقافة ، ولكنها سطور غامضة غائمة. واكتفى الدكتور طه بأن يقرّر أن "لمصر مذهبها الخاص في التعبير ومذهبها الخاص في التفكير.... ص: 27".

قرّر الأستاذ العالم بأن دراسة حسين ، في "مستقبل الثقافة في مصر" ، ليست جادة ، فهي مجزوءة يعوزها الوضوح ، ولا هي كافية ، مست وجهاً وأغفلت وجوهاً ، وأخذ على عاتقه ، في صفحات قليلة ، أن ينجز الجاد والواضح والمتماسك. والواضح أن الشاب محمود أمين العالم كان يرى إلى طموحه قبل أن يقرأ ما كتبه الشيخ طه حسين ، وكان يطمئن إلى تعاليم الواقعية قبل أن يستقرئ أحوال الثقافة المصرية. وعلى الرغم من طموح شدت أزره "القوانين الموضوعية" ، افتقد كتاب "دراسات في الثقافة المصرية" الرؤية التي ميّزت "في الأدب الجاهلي" ، والجدّة التي وسمت "مستقبل الثقافة في مصر". فقد أراد طه حسين تقويض أسس "القدماء" وهدم المرتكزات التي تعيد إنتاج قديمهم ، وتطلع إلى استراتيجيا ثقافية تكسر احتكار السياسة والمعرفة. أما العالم وأنيس فانطلقا ، في عملهما الوطني ـ التحريضي ، من "مقطع من الزمن" ، على خلاف حسين الذي انطلق من التاريخ ، الذي يجعل ثقله من الحاضر صورة عن الماضي. وبعد أن تداعى "المقطع الزمني" العابر واستأنف التاريخ مساره ، الذي لم يغادره ، عاد العالم معتذراً ، بعد خمسة وثلاثين عاماً ، وقاسم طه حسين أحلامه الضائعة.

من أين جاء يقين الشباب الواقعيين بهزيمة الشيوخ غير الواقعيين؟ ومن الذي أقنع "ثوار الأدب" بخوض معركة ضد خصوم "الأدب الثائر"؟ صدر اليقين عن التفاؤل الثوري ، الذي بعثت عليه إيمانية نبيلة والسياق المحلي والعالمي الذي بشّر بتقدم يقيني ، وعن مفاهيم الواقعية التي التبست بالعلم الدقيق. ترافدت العناصر مجتمعة وبشّرت بزمن تحرّري وطالبت بفلسفة تلبيه وتستعجله. نقرأ: "ففي أيامنا هذه تتجمّع شعوب الأرض التي طال أمد استغلالها واستعبادها ، تتجمع لتضرب الاستعمار العالمي الضربة الأخيرة القاتلة ، لتحقق حريتها الوطنية والاجتماعية.. ص 75". نشر المؤلفان أحلام سياق مشروعة ، وأضافا إليها نهاية الحكايات السعيدة ، التي تمحو استعباداً طال عمره بضربة أخيرة قاتلة. إنها "نهاية التاريخ" ، في زمن حلم التحرر الوطني والاجتماعي ، قبل أن نقع على صورة "نهاية التاريخ" مرة أخرى ، بعد تداعي التحرر المنشود في شكليه. نشر العالم وأنيس تفاؤلاً مشروعاً لأن نشيد الثورة في الأزمنة جميعاً يستند ، لزوماً ، على إيمانية ترى في الشرور حدثاً آفلاً. ونقرأ في الصفحة ذاتها: "وعندما نبحث ، نحن أبناء الشرق العربي ، عن فلسفة جديدة لنا ، ينبغي أن نضع في حسابنا أن الفلسفة التي نريدها ليست تلك التي تلقننا أن الوجود عدم ، ... ، لأننا نؤمن أن الفرد ليس كائناً منعزلاً ، ... ، وأن حقيقته في مساهمته الجادة في بناء الواقع ، في بناء الحياة ، .... ".

ترى الفلسفة الجديدة الفرد الفاعل في الجماعة ، والجماعة الفاعلة في تفاعلها الإبداعي ، وترى حقيقة الفرد والجماعة في "الإدراك الواقعي لقوانين الضرورة" ، الذي يعبّر عن وعي منظّم ، يعرف الهدف والطريق الذي يفضي إليه. اختبر الوعي الواقعي الثقافة المسيطرة وعاين أمراضها وحاصرها ، شيئاً فشيئاً ، بـ "جنين واقعي" يدفعها إلى اللواذ. والوعي الصاعد استمد ثقته من عنصرين: العلم الذي يكشف قوانين المجتمع الموضوعية ويضبط حركتها ، وإرادة المعرفة التي تلازم إنساناً جديداً ، طرد غيره من مركزه واستقر في مركز العالم. وواقع الأمر أن الماركسيين ، قبل الأستاذين الراحلين ، وحدّوا بين الماركسية والعلم الدقيق ، وبين العلم الدقيق ووعي الطبقة العاملة ، بما يجعل من الوعي الطبقي البروليتاري علماً ، ومن الطبقة العاملة المتحزّبة نظيراً للوعي الصحيح.

تفرض تبادلية العلاقة بين الأديب الواقعي والوعي الصحيح على "الأديب ـ الرسول" أن يتمتع بصفتين: "أن يكون ذا نظرة متكاملة إلى العالم الذي يحيا في داخله ، ترى الظواهر في علاقاتها المتبادلة وأطوارها المتتابعة ، و "أن يكون فهم الأديب فهماً متطوراً" ، يشتق من حاضر الإنسان مستقبلاً يتجاوزه ، ويقنع قارئه أن المستقبل المنشود قابل للتحقق. يتعين الوعي ، في الحالين ، عنصراً ضابطاً ، يحسن اختيار الموضوع ، ويضمن وحدة المضمون والصياغة ، ويبني علاقة ناجعة بين مرسل النص ومستقبله. أراد مؤلفا الكتاب ، الثوريان الحالمان المتمتعان بثقافة واسعة ، أن يضعا قواعد لعملية إبداعية جديدة وغريبة ، تصالح بين الإبداع والانضباط وبين المتخيّل الطليق وقواعد المنهج. والسؤال الذي يبدأ من الرغبة ويعود إليها هو التالي: ما هو هذا الوعي الذي يضبط العلاقات جميعاً ولا يحتاج إلى ما يقرر صوابه أو ضلاله؟

إذا كان الوعي الذي يفصل بين النص والسياق قادراً على إخضاع كتاب "دراسات في الثقافة المصرية" إلى النقد الذي يشاء فإن توحيد النص والسياق يأمر بشيء مختلف يقود إلى "النظرية التحريضية في الأدب" ، طالما أن تحرير الأدب من قيود "شيوخه" جزء من تحرر وطني واجتماعي شامل. ولعل الفصل بين الشباب والشيوخ ، أو بين الجديد الكلي والاستمرارية الهادئة ، هو الذي عيّن "البطل الإيجابي" ، وهو من مقولات الواقعية ، مقولة عامة ، تنطبق على ما خارج الأدب وداخله معاً. فعلاقة الطبقة العاملة بالبرجوازية هي علاقة البطل الإيجابي بالبطل السلبي ، والفرق بين عبد العظيم أنيس وعباس العقاد هو الفرق بين البطل السلبي والبطل الإيجابي ، والمسافة الفاصلة بين الماركسية المحتفية بالمجموع المقاتل ووجودية عبد الرحمن بدوي مرآة أخرى للسلب الذي ينكره الإيجاب.

اعتماداً على فرق شامل متعدد الوجوه ، يتضمن الحزب والطبقة والنظرية والممارسة الأدبية ، شجب عبد العظيم أنيس منظور نجيب محفوظ ، المأخوذ بالكوارث ومآسي البشر ، والبعيد عن التفاؤل وتحريض الأرواح. يقول أنيس:"نجيب محفوظ إذن هو المعبّر عن مأساة البرجوازية الصغيرة ، .... إنه يسجل مأساة طبقته ، ولكنه لا يرى أبعد منها ، .. ص 118". انتقل أنيس من نقد الرواية ، وهي جنس أدبي ، إلى نقد الطبقة ، وهي مقولة اقتصادية ـ اجتماعية ، وجعل من المرجع الطبقي معياراً أدبياً. وواقع الأمر أن أنيس ، عالم الرياضيات الرفيع الثقافة ، كان يرى العلاقات جميعاً ، الطبقة والرواية والنقد الأدبي ، من وجهة نظر تحرّر المجتمع المصري. ولهذا ترك نجيب محفوظ مع أحزانه ، وذهب إلى عبد الرحمن الشرقاوي ، في رواية "الأرض" ، حيث الأبطال الإيجابيون امتداد لما يرغب به المثقف الثوري ، الذي هو بطل إيجابي في الكتابة والحياة ، والأبطال السلبيون مرآة لمخلوقات كثيرة ليس آخرها نجيب محفوظ.

عيّن طه حسين "في الشعر الجاهلي" نفسه ممثلاً لـ "الجديد" الذي يصرع القدماء ، وجاء بعده محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ببطولة جديدة ، أرادت أن تصرع "القدماء" و "الجديد" الذي أراد هزيمتهم. غير أن "دولة التحرر الوطني" ألقت بالشابين الثائرين في السجن ونصرت ، دون أن تدري ، سلطة الأموات ، التي هزمت طه حسين و "البطلين الإيجابيين" ودولة التحرر المفتضة. سردت الأطراف جميعاً حكايات البطل الليبرالي والبطل الاشتراكي والعروبي الذي يقول بالجديد وينصر القديم. وعلى هذا فإن كتاب "دراسات في الثقافة المصرية" حكاية حالمة نبيلة من حكايات كانت تبحث عن التحرر ولا تزال.

ناقد ومفكر فلسطيني



Date : 03-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش