الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مسرحية «القضبان» : الحلم لا ينتظر إنسانا عاجزا عن تحقيقه

تم نشره في الخميس 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 مـساءً
مسرحية «القضبان» : الحلم لا ينتظر إنسانا عاجزا عن تحقيقه

 

 
عمان ـ الدستور ـ إلياس محمد سعيد

تواصلت مساء أول أمس فعاليات مهرجان المسرح الأردنيّ السادس عشر بثلاثة عروض: الأول عرض مسرحية "القضبان" لمؤلفها الكاتب جمال أبو حمدان ومخرجها وصفي الطويل ، وذلك في مسرح أسامة المشيني ، والثاني عرض مسرحية "حلم اسمه ليلة حب" لمخرجها خالد الطريفي (العمل مأخوذ عن مسرحية "حلم ليلة صيف" لويليام شيكسبير) ، وذلك في مسرح محمود أبو غريب (المسرح الدائريّ) بالمركز الثقافيّ الملكيّ ، أمّا العرض الثالث فكان لمسرحية "أثاث قديم" لمؤلفها الكاتب المسرحيّ مظفر الطيب ، ومخرجها خليل نصيرات ، وعُرضت في المسرح الرئيسيّ بالمركز الثقافيّ الملكيّ نفسه.

ربما يكون السًّجن من بين أول الإحالات التي يرجعنا إليها تعبير "القضبان" على نحو مباشر. وهذا ما سيحدث بالفعل: إذْ إنّ المشهد الاستهلاليّ ينفتح على رجُلينً يختفيان خلف أكوام من ورق الجرائد (الصحف) التي يتبين أنهما قرآها ، ثمّ راحا "يُجَعْلًكانً" أوراقها ويقذفانها حتى اندفنا بأكوام تل الأوراق. وسيكون من اللافت هنا أنّ الرجُلينً يؤديان الحركة ذاتها وهما يفعلان ذلك: فكل منهما يرفع ذراعيه ممسكاً بكلتا يديه صفحة من جريدة ، ثم ما يلبث أنْ يلقي بها إلى الكَوم ، وسيكون ذلك بالإيقاع نفسه ، وعلى المنوال ذاته. وهذه أول إشارة إلى أهم ثيمة يقوم عليها العمل. ستبدأ هذه الثيمة بالتبلور مع تطور الحوار الذي يبدأ بعد مرور بضع دقائق على بداية العرض ، حيث يصبح المشاهد في مواجهة رجلينً يرتديان زياً متشابهاً: فكلاهما يرتدي قميصاً وبنطالاً أبيضينً لكنهما مقَلّّمان بخطوط سوداء وعريضة تشبه تماماً قضبان السجن. لذلك سيكون هذا الزيّ ترميزاً للثيمة الأساسية الثانية التي يدور حولها العمل. لنعد إلى الثيمة الأولى: نكتشف من الحوار أنّ واحداً من الرجلينً هو سجين ، والثاني هو سجانه. غير أنهما متشابهان في كل شيء: الزيّ ، في ندبة على الكتف عند أعلى الظهر ، في جرح عند أعلى الساق أصيب به أثناء معركة. وهذا كله نعرفه بعدما يصر السجين على وجوب أنْ توجد علامة فارقة بينه وبين سجانه ، ولعدم وجود تلك العلامة ، فإنّ العمل يقول لنا ـ صراحةً وبصوتْ عالْ ـ ما ثمة فرق بين أنْ يكون المرء سجيناً أو سجاناً ، وبتعبير آخر: السجين هو نفسه السجان ، والسجان هو نفسه السجين، حتى إنّ السجان عندما يريد أنْ يذهب إلى بيته في يوم إجازته ، سيقول له السجين إنه لن يجد زوجته في البيت ، ويتطور الحوار بينهما إلى أنْ يجد السجان نفسه مجبراً على البقاء مع السجين في السجن ، فيظل السجين والسجان في السجن نفسه ، لا يستطيع أيّّ منهما إلى مفارقته سبيلاً. أزعم أنّ ذلك ضربة قوية يوجهها العمل إلى مؤسسة السجن الفيزيائيّ: السجن بوصفه مؤسسة للإقصاء والإبعاد: مؤسسة تؤدي وظيفة المعاقبة (أقول ذلك وأنا أستحضر المفكر الفرنسيّ الراحل ميشيل فوكو). لكنّ هذه الضربة ما هي إلاّ مسألة جانبية ، بل هامشية في العمل. لتوضيح ذلك ، علينا أنْ نعود إلى الثيمة الثانية التي تبدأ الإحالات إليها من الزيّ الذي يرتديه الرجلان: فإذا خلا الديكور من أية قضبان حقيقية ، ولم تظهر أية قضبان إلاّ على شكل شرائط توشي زيّ الرجلين ، فإنّ ذلك سيحيل إلى أنّ الإنسان هو الذي يجعل من نفسه سجيناً (وبذلك سيكون ، بالطبع ، سجاناً) ، وهو الذي يسجنُ ذاته بإرادته: وبتعبير آخر: الإنسان بارتدائه القضبانَ ، هو الذي يضع نفسه في السجن. إذنْ ، سيضعنا جمال أبو حمدان ، وبلمسة فائقة البراعة من وصفي الطويل ، وأداء داهش واستثنائيّ لمجدي أبو نجم ، ونائل أبو عياش ، وروان العساف ، أمام حقيقة أننا سجينو عقولنا ، وسجينو أجسادنا. ثمة ثيمة ثالثة يتناولها العمل ولا تقل أهمية عن الثيمتين الأوليَيْنً: السجين ينتظر زيارة من زوجته ، الحوار سيكشف لنا أنها هي نفسها زوجة السجان. المرأة ستأتي إلى السجن ، سيتكون في زيّ عروس ، غير أنها عندما ترفع طرف فستانها الأبيض يتبينّ لنا أنّ الشرائط السوداء الدالة على القضبان موجود على بنطال ترتيه تحت الثوب. إذنْ هي أيضاً واحدة من السجناء. الحوار الذي يدور بوجود المرأة ينطوي على عدد لانهائيّ من الترميزات: فكل من الرجلين يريدان منها أنْ تطفئ نار الشهوة المستعرة فيهما. وعلاوة على ذلك ، سنعرف أنّ هذين الشخصين ما هما سوى الشخص نفسه لكنه منقسم على ذاته (ما يؤكد الثيمة الثانية) ، وأنّ السجن وهميّ: فهو مترامي الأطراف ، ولا جدران له ، وما ثمة قضبان أيضاً (ما يؤكد الثيمة الأولى). يتفق الرجلان على قتل المرأة ، وإذْ يرفع كل منهما ذراعاً ليفعلا ذلك معاً ، ستمسك هي بالذراعين ، وتطعن نفسها بهما (لذلك دلالة خطيرة). بعد ذلك سيتحسر السجين على المرأة التي كان يحلم بزيارتها لأنها أفق من آفاق الحرية بالنسبة له ، لكنّ السجان السجان سيسميها كابوساً من وجهة نظره. أمّا الدلالة الخطيرة التي لإقدام المرأة ـ الحلم ـ الكابوس على أنْ تخلص نفسها منهما بأيديهما فيمكن أنْ تكون هي أنهما ما داما عاجزين عن تحقيق رغباتهما فيها ، فلن تنتظرهما أكثر من ذلك ، وستجعلهما يقتلانها. وبتعبير آخر أيضاً ، الحلم لا ينتظر إنساناً عاجزاً عن تحقيقه. "قضبان" عمل يستحق الدراسة.





Date : 19-11-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش