الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محترف صحراء 93 المسرحي : الحضور المسرحي العربي في الغرب

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
محترف صحراء 93 المسرحي : الحضور المسرحي العربي في الغرب

 

 
* عواد علي ہ



أصبح الحضور المسرحي العربي ، وخاصةً العراقي ، ملفتاً للنظر ، في المشهد الثقافي الغربي منذ نحو عقد ونصف من الزمن. ولم يقتصر هذا الحضور على أوروبا فحسب ، بل امتد إلى أستراليا وأميركا الشمالية. ومن الواضح أن السبب الأساسي لذلك هو هجرة أو لجوء عدد غير قليل من المسرحيين العراقيين إلى العالم الغربي في أعقاب الكوارث التي شهدها بلدهم. وكنت قد كتبت سلسلة من المقالات عن بعض المخرجين الذين قدموا عروضاً مسرحية ناضجة ، في فرنسا وأستراليا وكندا والسويد ، أشاد بها النقاد الذين شاهدوها. وأجلت الكتابة عن واحد من أبرز هؤلاء المخرجين ، وأقدمهم حضوراً وتجربةً في المسرح الغربي ، هو حازم كمال الدين ، مؤسس (محترف صحراء 93 المسرحي) ، و(جماعة زهرة الصبار للمسرح) في بلجيكا ، لحين الاطلاع على تجربته.

حازم كمال الدين من جيل السبعينات في الإبداع العراقي ، ممثل وناقد وشاعر ومخرج وكاتب ودراماتورج وسينوغراف ، وضعت رحلته الأولى حوافرها في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1970 ، ثم حفرت خطواته طريقها إلى أكاديمية الفنون الجميلة بعد أربع سنين ، وبعد ذلك بعام واحد انتمى إلى فرقة المسرح الفني الحديث العريقة ، ومثّل في عرضين من عروضها هما (القربان) و(شفاه حزينة). لكنه ما أن أكمل دراسته حتى كان المنفى يتلقفه ويقرر مصيره. وأذكر أنني شاهدت له قبل سفره في أواخر السبعينيات عرض "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس ، فلمست فيه هاجس التجديد.

زرعه المنفى ، أولاً ، في بيروت ، فكان فسيلةً مع فسائل تشرب من ماء البحر المالح ، شرطها الأول كي تعيش هو أن تنزع جلودها.. بضعة مسرحيين يبحثون عن هواء ، يريدون أن يقدموا مسرحاً بوصفه عقد حياة: في غرف ، في ملاجئ ، في صالة من صالات الخطابات السياسية ، تحت القصف ، أو تحت السماء الصافية.. لا يهم ، فهؤلاء يبحثون عن هواء ، والمسرح هو عقد حياتهم ، والممثل بالنسبة لهم يحقق حضوره أينما وقف. هناك كان اسمه ماهر نصّار ، وهناك كان اسمه صادق سالم.

بيروت كانت الحاسمة. هناك ابتدأت المواجهة ، جابه نفسه على أكثر من صعيد ، حتى أجبرها أن يبحث عنها ، ليس كما أرادت لها "الثقافة والأعراف والتربية" أن تكون ، بل كما هي حقيقته. وهناك جابه أيضاً تقليديّة مفاهيمه المسرحية بجملة من التحديات: هل المسرح محاكاة فعل أم إنه فعل بحد ذاته؟ هل ثمة حاجة حقيقية إلى النص المسرحي المكتوب على الورق؟ ما علاقة الإخراج بالنص؟ أهو تفسيرّ له ، أم تأويل ، أم تأليف جديد ، أم علاقة أخرى؟ وفي علاقته بالتقنيات المسرحية ، هل هو تجسيد لما يحدث في النص؟ بناء معارض له؟ مواز لما يحدث فيه؟ أم في علاقة هارمونية؟ ما هو الأساسي في العرض المسرحي: الحوارية أم الصورية؟ وما هي علاقة هذه العناصربعضها ببعض ، وكيف تجتمع؟ من خلال توليفها ـ تنسيقها؟ تفاعل بعضها مع بعض؟ أم لصق بعضها (في كولاج) إلى جوار بعض؟ ما هو التمثيل؟ اندماج ، تشخيص ، مسافة من الشخصية ، أم شيء آخر؟ هل المسرح هدف بحد ذاته؟ هل هو وسيط؟ ما هي علاقته بالتراث؟ هل هي عملية إسقاط على الواقع ، أم تحليل ونقد للبنية التي أنتجت الواقع؟ هل العلاقات التي تربط هذه العناصر فيما بينها خارجية ـ شكلانية ، أم داخلية ـ بنيوية؟... إلخ.

بـاختصار وضع حازم ، إبان تلك السنوات ، كل معرفته المسرحية في أسئلة. و قد أجبره البحث عن إجابات على تلك الأسئلة على التوقف عن العمل المسرحي من عام 1985 إلى عام 1990 ، وكان ذلك التوقف رحلةً قاسيةً في غابة نفسه: تأمل ، مراجعة ، نقد ، وتخريب للذات. لقد أجبر نفسه على النظرفي المرآة كل يوم ، لا ليستمتع بجمال وجهه ، بلا للتدقيق في الدمامل.

يعتمد حازم كمال الدين" المعاناة"أسلوبا للعرض المسرحي ، لذا فهو يركز مع أعضاء المحترف على البحث الداخلي - العودة إلى الذات - وصولا إلى مركز الطاقة في الممثل ، حيث يقضي فترة طويلة في تمارين متنوعة تحثّ الممثل على ملامسة ذلك المركز ، وعندما يعثر عليه أو يشعر به ، يبدأ بالتعامل مع أدوات أخرى ، أهمها: الممثل الآخر ، النص ، والفضاء المسرحي ، لتقويته ودفعه إلى الحضور المجسَّد من خلال تطويره الداخلي وربطه بعلاقة مع ما هو خارج الممثل ، وهي علاقة شرطها الأساسي العري - كشف الذات - وملامحها الامتداد ، والتواصل ، والمجابهة. ومن أجل الوصول إلى نتائج مرضية في هذا الصدد ، يحاول ممثلوه أن يتعلموا بجديّة كيف ينسون ما تعلموه لكي يسمحوا للتجربة الجديدة أن تتغلغل في كيانهم . وحول هذه النقطة يقول كمال الدين: "أنا لا أدعي المعرفة قبل التجربة. أنا أؤمن وبشكل قاطع أن التجربة هي التي تقودني إلى المعرفة". وفي هذا السياق يتنكّرعمل المحترف للكليشيهات التي يرتديها الجسد اليومي ، أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف ، كما يرفض استخدام الحواس على أنها متنصتاً أوناقلا للمعلومات عن العالم الخارجي ، بل بوصفها عناصر تواصل ـ توازن بين الذات والعالم الخارجي.

فيما يتعلق بالشخصية المسرحية يتعامل كمال الدين معها ، في أغلب الأحيان ، بكونها حاملة ملامح موجودة في الذات لكنها غائبة عنها بسبب القمع الواعي أو اللا واعي الذي يُمارس عليها ، أو بسبب إهمالها ، أو لأسباب أخرى. وفي أحيان أخرى ولأغراض محددة يتعامل معها بوصفها مشرطا يقود الممثلين إلى ذواتهم ، و يكشف لهم من هم بالضبط ، وما الذي تخفيه أرواحهم ، وأين تكمن العوائق التي لا تسمح لهم بالإجابة عن سؤال: من هم؟ ولذلك فإنهم لا يمثلون الشخصية المسرحية ، بل يبحثون عن ملامح الشخصية في دواخلهم بمستويات عديدة من التأويل تشمل الأبعاد المرئية وغير المرئية.

أنتج المحترف أكثر من عشر مسرحيات معظمها من تأليف وإخراج حازم كمال الدين ، وأعد بعضها عن نصوص لكتاب آخرين ، ومن أهم تلك المسرحيات: ساعات الصفر ، عين البلح ، ظلال في الرمال ، دماغ في عجيزة ، عاصفة من اللوحات ، رأس المملوك جابر ، وشجرة الصنوبر. كما أخرج كمال الدين مسرحية (القتلة) لكاظم الخالدي. تدور أحداث (ظلال في الرمال) حول شخصية عريف في جهاز المخابرات يُهدّد بالإحالة على التقاعد ، لكنه يتشبث بوظيفته بأي ثمن ، مما يدفعه إلى قبول استجواب زوجته كآخر معتقل ، أو آخر أمل في بقائه على قيد الحياة . يستجوبها في احدى الزنزانات لأنها فجّرت النادي الليلي الذي كانت تشتغل فيه ابنتهما (فريال) كعاهرة لترفيه الضباط العائدين من الحرب. العريف يتّهم زوجته بأنها هي المسؤولة عن موت ابنته في ذلك الانفجار لأنها كانت تغار من العلاقة الجنسية (المحرمة) بينهما. رحلةّ زادها التعذيب بأنواعه وخاتمتها مصرع الزوجة على يد زوجها ، ثم جنونه لإدراكه أنه إنما قد أطلق النار على نفسه حين أحال زوجته إلى جثة . حكاية الضئيل حتى اللعنة. بحث في خراب الفرد واستعداده لارتكاب أي فعل حتى أشنع المحرمات للوصول إلى أهدافه.

تسلط (عاصفة من اللوحات) ، التي كتبها كمال الدين بالاشتراك مع الكاتبة البلجيكية إلزه هيب ، الضوء على التطورات المرعبة لعالمنا اليوم . وتقوم أحداثها على تجربة شخصية مأخوذة عن الحرب المنسية في العراق ، وحصار بيروت ,1982 وتقدم بشكل جارح الآثار المدمرة للعولمة والأصولية. إنها تجميع للوحات جرى اختيارها بعناية هدفها الوقوف اجلالا لأؤلئك الضحايا الذين لم نتعرف عليهم قط . وقد أثار عرض هذه المسرحية اهتمام العديد من النقاد البلجيكيين ، فكتب خيرت سالس ، الناقد المسرحي لجريدة (ستاندارد) ، تحت عنوان (أمنية جندي في خطوط المجابهة) قائلا: "إن عمل صحراء 93 في تقدم مستمر. ممثلون جيدون ، ومعالجات مسرحية جديدة ذات تنويع أكبر مما مضى. حتى في النص تجد عناصر من الكتاب المقدس (رحلة موسى عبر البحر) ومن الميثولوجيا الأغريقية (أوروفيوس) إلى جانب الثقافة العراقية (دموزي) إله الربيع في الديانات البابلية القديمة الذي يعود في هيئة جندي عادي". وتحت عنوان ( أنشودة الجندي المجهول) كتب بيتر آنتونيسه ، الناقد المسرحي لجريدة (الصباح): "أكثر من كل الأعمال السابقة يثبت حازم كمال الدين في عرضه عاصفة من اللوحات أنه يحفر طريقا مسرحيا خاصا ، تماما مثل إيريك دو فولدر ويان لا وارتس(...) عاصفة من اللوحات عمل يمتلك منهجية متكاملة ، ويقوم على أربعة ممثلين ممتازين (...) العرض المسرحي عبارة عن أنفاس موسيقية ، ينشد فيها كمال الدين برقة أخاذة أنشودة الجندي المجهول". وفي راديو (كلارا) علّق دراماتورغ المسرح الملكي والناقد المسرحي بول فيردويكت على المسرحية قائلا :"أنت تستقبل نوعا من المسرح الحسي الذي لا يسلك مسالك العقلانية الغربية (...) عاصفة من اللوحات عبارة عن هلوسة كافكوية (...) تحت تأثير المختبر المسرحي الذي قادته رينا ميريسكا ، الممثلة الرئيسية لجروتوفسكي ، يحصل المشاهد على نوع من المسرح الجسدي الذي يتجاوز خطاب اللغة (...) إن ما رأيته كان عملا حسيا ممتازا ، ومثيرا للدهشة".

في (رأس المملوك) ينسحب الراوي الذي كتبه سعد الله ونوس لصالح امرأة تسرد الحكايات هي "العدادة" التي تبعث الحياة في شخصياتها بطريقة طقوس الروي النسوية المعارضة لشهرزاد ألف ليلة وليلة ، ذلك أن شخصية شهرزاد رسمها الإرث الرجولي.. إن العدادة هنا تعدد وتغني وتلطم منادية أهالي بغداد للقدوم إلى الموقعة على المسرح. وهي إذ تفعل ذلك تبني خطابا من التعازي تستحيل فيه النساء رجالا والرجال نساء. إنها تتغلغل في كل طبقة من طبقات الشعب لتجابهها مع أردية الملك ـ السلطة. الكل يستسلم لمصيره في هذه المسرحية إلا المملوك الأشقرذو الأصل الأوروبي ، الذي يعيش في قصر خليفة بغداد شعبان المقتدر ، فهو يظل يبحث عن طريق يتنافى مع ما رسمته له السلطة. وخلال توهمه أنه وجد الطريق إلى حريته يصبح أولا خيطا من خيوط السلطة العنكبوتية ، ومن ثم ضحيتها المؤكدة. وتعتمد (شجرة الصنوبر) على أسلوب يمزج مختلف التيارات المسرحية ، وفنون العرض الغربية والشرقية (مزيج من الراوية النسوية الشرقية ـ العدادة ـ وفن الكوميديا دي لارتى ). ممثلة وموسيقي يطرقان أبواب البيوت ، المقاهي ، المسارح ، المسابح ، المتاحف ، الجوامع ، و الكنائس بحثا عن فضاءات لا مسرحية تحدد قراءة جديدة للعرض ، وعن مضيّف يبادلانه مسرحا لقاء الضيافة التي يقدمها لهما. شهرزاد المتربعة على منبر الراوي ، الذي هو إرث رجولي علني للعرض العربي ، تحكي قصصاً تنتمي إلى إرث القص النسوي السري ذي المضامين الدينية ، التي تصل إلى حدود التجلي والممارسات الطقسية لتنتهي إلى حالة من التطهير المتبوع بحكايات هي مزيج من الإرث الديني والدنيوي. إنها تنطلق في هذه المسرحية بحثا عن قلب الكبش المقدس الذي ذبحته بنفسها إنقاذا لحبيبها المتنبي.

لقد سن المحترف في أغلب تجاربه هذه تقليداً يقوم على دعوة مرشد مسرحي كبير ، كتحضير ضروري للعمل المسرحي الذي يقدم لاحقا ، ففي مسرحية (ساعات الصفر) دعى توني دو ماير ( جماعة مايرخولد: البيوميكانيك) ، وفي مسرحية (عين البلح) استقدم لودو فان باسل (جماعة أتيان دوكرو: المسرح الجسدي ) ، أما في مسرحية (رأس المملوك جابر) فقد استضاف ميناكو سيكي (جماعة هيجيكاتا ، مسرح البوتو) ، وأخيرا في مسرحية (عاصفة من اللوحات) دعى رينا ميريسكا (جماعة جروتوفسكي ، مسرح الينابيع).

ہ ناقد مسرحي عراقي

Date : 05-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش