الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عريفة لا تعترف، : صبحي فحماوي ہ

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
عريفة لا تعترف، : صبحي فحماوي ہ

 

 
سحبناها من تحته في آخر روح، كانت المسكينة مخنوقة الصوت ، تنازع الرمق الأخير.. البنت مدقوقة على رأسها المنكوش الشعر كما يُدق رأس أفعى.. لا بل كان كل منبت شعرة من جسمها الأسمر مدقوقاً.. كانت المضروبة عريفة هي أخته وهي أمه وابنته وخالته وعمته وكل من بقي له من دار (أبو السعيد).

وفي الوقت الذي كان فيه أبو حمامة مناضلاً في اليمن ، وبعضهم قال إنه كان لاجئاً سياسياً في الجزائر ، ولا أعرف إذا كان قد أُخرج من لبنان.. صدقني أنا لا أعرف أين كان بالتحديد ، ولا أشاهد أخبار "القنوات الفضائحية" ، ولا أهتم بالسياسة ، ذلك لأن السياسة ليس لها دين ، وأنا رجل متدين كما تعرفني ، أعتكف على صومي وصلاتي.. ولا أعرف غير ذلك.. طبعاً ستسألني إن كنت أعرف (أبو حمامة)؟ فسوف أجيبك بصراحة أنني صرت أعرفه من جديد ، لم أكن أعرفه من قبل. كنت أعرف أباه ، جارنا القريب في مخيم طولكرم ، المدعو "أبو السعيد" والذي شاهدته آخر مرة في الحارة ، وهو يتكوم على حماره ، ذي الخُرج المليء بثمار الزيتون ، وهو يئن أنيناً خافتاً ، تتبعه أم السعيد التي كانت تتبعّر معه زيتون أهل القرى المحيطة.

وكنا نضحك كثيراً على سقوط عريفة في الصف السادس الابتدائي. طبعاً يا حرام ، لكثرة الأشغال والأعمال ، وشظف العيش تحت الاحتلال ، سقطت المخروبة عريفة في مدرسة طولكرم الإعدادية للوكالة ، فما كان من والدها (أبو السعيد) إلا أن قال لها وهو يستلم شهادتها الساقطة: والله بعد اليوم ما تحكيها يا عريفة،

سمعت قول عمي أبو السعيد لها: "والله بعد اليوم ما تحُكًّيها يا عريفة ،"ولكنني لم أفهم ما معنى كلمة "تحُكًّيها" وما هي التي ستحكُّها؟ وما علاقة الحك بالسقوط في المدرسة؟ وبعد أن سألت أمي عن مسألة الحك هذه ، وهل هي مأخوذة من (حكّ ، يحكُّ ، فهو محكوك)؟ قالت لي وهي تضحك: عمك أبو السعيد يقصد أن ابنته عريفة لن تحك مؤخرتها بعد اليوم على مقعد الصف الدراسي.. الآن فهمت أن عمي أبو السعيد لم يكن يهذي وهو يقول لعريفة هذا الكلام.

توفي عمي أبو السعيد تحت وطأة الاحتلال ، وجاء السعيد ليحضر جنازة والده ، فسكن في البيت ، ولم يعد إلى مواقعه النضالية في السودان ، ذلك لأن الصومال كانت في فوضى حواس عربية مستقرة ومستمرة بدرجة لم يسبق لها مثيل.

لم يكن سعيد متزوجاً ، وعندما سأله حضور الميتم ، المتحلقين حول جثة المرحوم والده ، قال لهم إنه لم يتزوج لسبب واحد فقط ، هو أنه متزوج من القضية الفلسطينية ، وأخبرهم أنه صار موظفاً ، ويأخذ راتباً من الدول المانحة ، وألله منعم ومتفضل ، ولذلك سمى نفسه (أبو حمامة) ، والحمامة التي يقصدها أبو حمامة هي حمامة السلام.

لم يفرح الحضور بهذا الزواج ، ولكنهم ستروا على ما شاهدوا وسمعوا ، وهكذا صار أبو حمامة يخرج من بيتهم ، ويتجول في مخيم طولكرم ، مثل السبع ، وهو ينادي بأعلى صوته: "يا سلام سلًّم ، الحيطة بتتكلم ،"والحيطة التي يفهمها أهل المخيم هي الجدار العازل ، الذي شيدوه مؤخراً ، ليعزل السماء عن الأرض ، ويضغط بكل صلابته ، ليجعل كل ذات حمل تُسقط حملها. ولكن المنزرعات هنا ، رغم غلبهن ، فهن يتشبثن بأحمالهن،

وكثيراً ما كان يدخل مزرعتنا ومعه إبريق ماء ، فيضعه تحت شجرة الزيتون ، ثم يصعد إلى أفرعها ، فيجلس ويسلطن هناك ، وينام ويسترخي إلى أن تسمع أخته عريفة شخيره ، فتصرخ عليه لتوقظه من منامه ، فيجفل أبو حمامة ، وينزل من عليائه مطالباً إياها بما لذ وطاب من الطعام. ولكن عريفة - يا حرام - لم تكن تملك قرشاً تشتري به طعاماً ، مما جعلها تصغر وتتضاءل أمامه. ولكن (أبو حمامة) كان يتشنج ويتوحش أمامها.

وفي ذلك اليوم المشؤوم ، بقّت الملطوشة عريفة الحصوة ، وقالت له: أنت تقول: "إنك وإنك وإنك.." لقد أشبعتنا مراجل ، ولكنك في الحقيقة لست شيئاً، فازداد توحش أبو حمامة ، وقال لها:

- عريفة، أنا الذي لا أعجبك ، أعتبر نفسي دولة، فقالت المضغوطة له: أنت لا دولة ولا (...)،

فتشنج أبو حمامة ، وصرخ في وجهها قائلاً:

- يجب أن تعترفي يا عريفة بأنني دولة، ونط من عليائه من قمة الشجرة ، ونزل ، فسقط إلى جوار إبريق الماء ، وأمسك بتلابيب البنت ، وحاول خنقها ، وهو يصيح في وجهها:

- عريفة ، اعترفي بي دولة؟ بينما المغلوبة على أمرها تنكمش بين يديه ، وهي تقول بصوت مكتوم:

- لا أعترف بك دولة،

- يجب أن تعترفي بي دولة ، وإلا...،

- لا أعترف بك دولة،

- أنت ملزمة بالاعتراف بي دولة،

- لا أعترف بك دولة....

لا نقول نحن الذين اقتربنا من الشجرة إنه خنقها ، ولكننا شاهدناه بأم أعيننا وهو يلبًّبها ويدوسها ، ويكاد يفتتها ، حتى صارت عريفة مثل بقجة وكالة الغوث المبعوجة..،

المصيبة أن (أبو حمامة) يستخدم كل طاقته في التعذيب المفرط ، وعريفة تستجمع كل بقايا قواها في المقاومة ، بينما أبو حمامة يصرخ مثل السبع ، وصوت عريفة يتضاءل ، ويكاد يختفي، قلنا إن البنت تموت، هجمنا عليهما ، فوضعت يدي عند فمها ، فلم أشعر بنفسها ، ولا بحشرجة روحها التي يبدو أنها قد أُزهقت ، وأبو حمامة يضغط ، وعريفة تقاوم.

سحبناها من تحته في آخر روح، كانت المسكينة مخنوقة الصوت ، تنازع الرمق الأخير..البنت مدقوقة على رأسها المنكوش الشعر ، كما يُدق رأس أفعى..لا بل كان كل منبت شعرة من جسمها الأسمر مدقوقاً.. كانت المضروبة عريفة هي أخته وهي أمه وابنته وخالته وعمته وكل من بقي له من دار (أبو السعيد)،



ہ قاص وروائي أردني



اللغة والطلسم

كيف نصنع بالكلمات مدنا عجيبة

علي بدر ہ

Date : 05-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش