الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خليـل الكوفحي .. عاشق في محراب الفن

تم نشره في الجمعة 12 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
خليـل الكوفحي .. عاشق في محراب الفن

 

 
* غـازي انـعـيـم



يعد خليل الكوفحي الذي ولد في مدينة اربد العام م1963 وعضو لجنة الشمال للفن التشكيلي فنانا مميزا ومرهف الحس. ويعد واحدا من التشكيليين الأردنيين الذين زاوجوا ما بين الحرف والزخرفة والخط واللون. كما يعد من المتميزين في الخط العربي فهو دائم الاجتهاد والعمل مسحوراً دائماً بجماليات الخط العربي. وخليل الكوفحي من الذين كافحوا وجاهدوا طوال حياتهم من اجل فنهم ، ويعتبر الآن ، ومن خلال مشاركاته المحلية والخارجية مع رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين واحدا من المع الشخصيات الفنية في ساحة الفنون التشكيلية في عروس الشمال ، إربد ، التي أفتتح في جامعتها العام 1980 دائرة للفنون الجميلة وبعد ذلك تحولت إلى كلية فنون ، تخرج من ثنايا معطفها مئات الطلاب.

عشق الكوفحي الرسم والخط العربي منذ صغره. واحتفظ لنفسه بمساحة كبيرة من السكون والتأمل إلى أن ظهرت موهبته المبكرة التي لفتت الأنظار ، وراح يسعى إلى صقلها بالممارسة والتعلم فالتحق بكلية الفنون الجميلة في جامعة اليرموك التي تعلم فيها مبادئ الرسم والتقنيات وسير وتجارب الفنانين الكبار.

بعد تخرجه العام 1986 بدأ الفنان الكوفحي يشق لنفسه طريقاً آخر وهو البحث عن ذاته الفردية وكان يمتاز في هذه المرحلة ـ رغم وداعته ـ بالانضباط إلى جانب انه كان لا يسمح بأن يضيع دقيقة واحدة من وقته فهو إما أن يرسم أو يكتب أو يشرف على طلاب قسم النشاط الفني في جامعة اليرموك.. أو يخط ، وهنا امتازت خطوطه بالمرونة والطواعية فهو يستدير ويرتفع وينخفض في مساحة تتميز بالجمال الآسر.

في هذه المرحلة جاب بيئات الشمال والأماكن التي ارتبطت بالماضي ـ الأثرية ـ وعاش هناك بين اللوحة والطبيعة والبيئة المحلية. والأخيرة بمجمل علاقاتها كانت المصدر الرئيس الذي يستمد الكوفحي من خلاله لغته اللونية التي تظهر على مسطحات لوحاته بتقنيات مختلفة (زيت ، أكريليك ، مائي وأحبار).

تلك التقنيات تمثل الجسر الذي من خلاله تعبر لغته البصرية لتجسًّد الحالة التعبيرية المبتغاة والبوح والإفصاح عن موقفه وعما يريد تجاه نفسه من ناحية وتجاه العالم المحيط به من ناحية أخرى وذلك من خلال المساحة والخط واللون والحرف ، حيث قدم من خلال تلك العناصر معرضه الأول (1988) الذي تضمن مشاهد من قرى الشمال وما يحيط بها من تضاريس نقلها لنا على مسطحات لوحاته ببساطة تريح العين بعيداً عن تعقيدات الحياة التي نعيشها.

كما أتيح للفنان زيارة بعض المواقع الأثرية ، والاطلاع على إبداعات وانجازات من سبقونا ، لأنها تعكس بصمات إنسانية وتحمل تراكم الذكريات والوعي الجماعي التلقائي. وكانت البتراء وبعض المواقع الأثرية الأخرى موضوعاً خصباً لأعماله حيث قام برسم تلك المواقع من أجل إيقاظها وبعث الروح فيها من ناحية ، والاستفادة من تقشف جدرانها وعريها لتوظيف الحرف النبطي برؤية بصرية عفوية من ناحية أخرى. وكان لزياراته تلك دور كبير في تعميق حسه الفني ، وتجذير انتمائه إلى التراث العربي والإنساني العريق. كما أنتج مجموعة من الأعمال ـ زيتية ومائية ـ تناول على مسطحاتها عنصر الفراشة والعصفور وهنا يمكن النظر إلى براعته في محاولة إقامة التوازن ما بين التزيين الزخرفي والتشكيل. وتقترب هذه الأعمال التي تصور انفعالاته وهواجسه وما تحتشد به ذاكرته من صيغ التجريد التي تحمل في طياتها صيغاً مستمدة من عناصر الزخرفة الإسلامية بتشكيلاتها الحديثة. وبهذا الخصوص أفاد الكوفحي من الحرف العربي واستخدمه مع الوحدة الزخرفية الهندسية لانجاز وظيفة رمزية متحررة من الدلالة المباشرة والمحدودة للحرف. وقد حاول من خلال هذه الأعمال أن يُصيغ عالما تصغي فيه اللغة التصويرية إلى تجليات الروح وإيحاءات المخيلة.

المتأمل في أعمال تلك المجموعة سيجد هناك ثيمات تتكرر في كثير من لوحاته ، وتأخذ طابعاً رمزياً دلالياً محملا بقيم المجتمع الثقافية والفكرية ، فالمجتمع هو الذي يحدد قيمة الرمز وهو الذي يضفي على الأشياء المادية معنى معيناً فتصبح رموزاً ، مثل: الفراشة التي ترتبط في الذاكرة الجمعية بالرزق والخير ، والعصفور الذي يرتبط بالوداعة والرقة والجمال والصوت الرنان ويعني التحليق والحرية.

تلك الترميزات تقوم في لوحات فناننا بوظيفة جمالية ودلالية إيحائية. وتُكسب العمل الفني طابعا رمزياً خاصا له مكنونه العميق ، وهذا ما يؤكده الفنان العالمي فرنشيسكو كرنفالي عندما قال: "أعتقد أن الرمز له مكنونه العميق ، فالعلاقة بين الشكل والمضمون توحي بحقيقة روح الفنان وارتباطه بأرضه وفهمه لمعنى الحياة".

ذلك الفهم جعل فناننا ينظر للطبيعة من خلال تكويناتها الصخرية. نظرة جديدة باعتبارها كائناً حياً حيث أضفى عليها من خياله الخصب رموزا ترتبط بالحياة ، فتراه يتخذ من عنصر الطائر موضوعا أساسيا في لوحاته عندما استحوذ على وجدانه الفني وحساباته الجمالية وعبّر من خلاله عن رؤية جديدة بما توحي من استمرار وحياة.

وهنا لا يفوتنا الإشارة بأن الفنان تناول في مائياتاته موضوعات مثل الحصاد وأسواق اربد وصالون الحلاقة إلى جانب موضوعات تمثل الطبيعة الصامتة مثل المزهريات التي تحتوي على زهور ذابلة وزهور متفتحة مثل قرص عباد الشمس. وقد نفذت المزهريات بألوان ساخنة ومضيئة بأسلوب واقعي مبسّط مشوب بروح انطباعية تنم عن خبرة الفنان وتمكنه من تقنية الألوان المائية الشفافة غير السهلة.

لقد أوجد الفنان على مسطحات لوحاته من خلال ما ذكرناه من عناصر حالة عالية من الهدوء والراحة والانسجام ، حيث جعل من كل عنصر من عناصرها تتآلف رغم ما فيها من تنوع وحركية في الإيقاع الشكلي. كما جمع الفنان في معمار لوحته بين رشاقة التشكيلات الحروفية والمساحات اللونية المطرزة بوحدات زخرفية هندسية تتوافق وتنسجم مع روح الحرف العربي وجمالياته وكأنها إشارات موسيقية موزعة بإحكام.

لقد قدّم الكوفحي ـ برؤية معاصرة ـ من خلال الرسم والخط العربي تجارب ارتبطت بماضيه وحاضره متجاوزاً منطق الفوضى المتسربة من الغرب إلى أن وصل إلى هذه المرتبة من الإجادة بعد أن عقد العزم بأن يقدم فنا ذا هوية إنسانية من جانب وبرسائل حضارية من جانب آخر.

قبل أن نختم نشير بأن أبرز ما يميز تجربة الكوفحي الذي أقام أكثر من ( 10 ) معارض شخصية وله بعض المؤلفات إلى جانب عشرات المشاركات المحلية والخارجية.. صدقه مع نفسه ومع أدوات تعبيره ولغته الناضجة بالإضافة إلى تمثله لبيئته المحلية وقيمه الفكرية والتراثية. تلك المميزات جعلت ريشته لا تنتج سوى ما هو مبهر ومميز.



ناقـد وتشكيـلي أردنـي



[email protected]

Date : 12-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش