الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأميرة بديعة حفيدة الشريف الحسين بن علي تروي جزءا من سيرتها وسيرة الهاشميين

تم نشره في السبت 6 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
الأميرة بديعة حفيدة الشريف الحسين بن علي تروي جزءا من سيرتها وسيرة الهاشميين

 

 
هذه مذكرات الأميرة بديعة ابنة الملك علي وحفيدة الشريف حسين بن علي ملك العرب ، تروي لنا فيها سيرة أهلها من ملوك وملكات الشام والعراق والأردن والحجاز ، وقد استغرق تسجيل هذه المذكرات حوالي أربع سنوات متقطعة من صيف عام 1997 إلى صيف م2001 ، كما قال كاتبها المحامي والكاتب الصحفي العراقي فائق الشيخ علي ، وقد عُنونت بـ"مذكرات وريثة العروش"وصدرت عن دار الحكمة ـ لندن ، الطبعة الثالثة عام 2008 . وتميزت المذكرات بأنها انفردت عن كل ما كتب وقيل إلى اليوم عن العهد السابق ، غير أن الجرأة والصدق والعفوية كانت من السمات المهمة التي حظيت بها الأميرة بديعة وهي تسرد ذكرياتها للكاتب ، فلا تكاد صفحة من صفحاتها تخلو من نقد أو تقييم سياسي لاذع. ، ورغم ما حشد بالكتاب من الاجتماعيات إلا أن المذكرات كانت في الأصل سياسية ، وتلقي الضوء على كثير من الأحداث التاريخية الحديثة.

إلا أن الأهمية الحقيقية لهذه المذكرات تأتينا من مكانة الأميرة ، حيث أنها الحفيدة الأخيرة لملك العرب الشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى عام 1916 ، وهي الابنة الوحيدة لملك الحجاز علي بن الحسين ( 1924 ـ 1926 ) بعد رحيل أخيها الأمير عبد الإله ، وأخوتها الأميرة عبدية والأميرة جليلة والملكة عالية ، وأمها الملكة نفيسة ، كما أنها خالة الملك فيصل الثاني وابنة عم الملك غازي والملك طلال ، وأعمامها ملك سورية والعراق فيصل الأول ، وملك الأردن عبد الله ، والأمير زيد بن الحسين .

وفي الصفحات التالية نصغي للقصة من آخر أشخاصها بقاءً على قيد الحياة بعد أن سمعنا الكثير والكثير عنها من كل الناس ، فتقول الأميرة بديعة :"حينما أقلعت بنا الطائرة : أنا وزوجي وأولادي الثلاثة ، من بغداد في الثاني من آب عام م1958 ، حسبت بأن الطيار سيحلق فوق"قصر الرحاب"ـ مثل كل مرة ـ ليمكنني من إلقاء نظرة عليه ، وهي ستكون نظرة الوداع في هذه المرة ، لأشاهد ما عبث الانقلابيون فيه ، لعلي ألمح أحداً من أهلي ، ربما نسوا أن يقضوا عليه فانزوى مختبئاً هنا أو هناك ، . غير أن الطيار خيب ظني للأسف ، كأنه رأف بحالي ، وهو يعلم بأن الراكبة معه ، هي الأميرة الوحيدة الناجية من مذبحة العائلة العراقية المالكة في قصر الرحاب ، فلم يشأ أن يفزعني ، أو يحرق قلبي ، حتى لمجرد مشاهدة أطلال قصر ، أو بقايا عائلة حكمت العراق لسبعة وثلاثين عاماً ، أو كأنه أراد"مأموراً"أن يجعل من تلك الأمنية غصة في صدري ، وجرحاً غائراً لن يندمل ، يبقى يؤرقني ما حييت ، لهذا استدار مائلاً على الجهة الأخرى ، وطار ، ليتركني أسيرة دموعي وأشجاني ، أتأمل بغداد الجميلة وأهلها الطيبين ، وأرق لحالهما من قسوة حكامها الجدد".

وتقول الأميرة بديعة وهي تصف لنا جانباً من شخصيتها : أنا سيدة وأميرة عربية هاشمية علوية ولدت وتربيت ، نشأت وترعرعت في بيوت ، أو سموها"قصور"محافظة لأشراف العرب. لم يكن من شأنها أن تسأل عن كل شيء ، و من هواياتها حب الاطلاع والفضول ، ولعل الأمر الذي بقيت نادمة عليه منذ عام م1958 وإلى الآن ، هو أنها لم تسأل أهلها عن أشياء ، ودَّت اليوم أن تعرفها ، .

وتبدأ الأميرة سرد القصة منذ البداية حيث قام جدها الشريف حسين ثورته عام 1916 من مكة المكرمة ضد الدولة العثمانية ، يعاونه أنجاله الأمراء (الملوك) علي ، وعبد الله ، وفيصل الأول ، والأمير زيد ، لتحقيق تطلعات العرب وطموحاتهم ، وحكموا أربع دول ، من دولهم الناشئة في الشرق يومذاك : سورية والحجاز والأردن والعراق . وفي عام 1924 حاصر ولدا الشريف علي باشا بن عبد الله ، مدينة الطائف ، وثم وقعت فيها مذبحة مروعة ، لذا خاف الناس في مكة المكرمة ، فغادروها إلى"جدة"على ظهور الجمال والبغال والحمير ، ثم تنازل جدها ( ملك العرب ) الشريف الحسين بن علي عن عرش الحجاز لنجله الأكبر ( والد الأميرة بديعة ) الملك علي بن الشريف الحسين بن علي ، دفعاً للضرر الذي لحق بمملكته ، جراء مواقفه المتصلبة من الإنجليز ونكثهم لوعودهم معه ، إلا أنهم أيضاً منعوا عن الملك علي السلاح والتموين ، وحاصروا جدة حصاراً مقيتاً فاضطر الملك علي إلى تنازل آخر عام 1925 خشية أن يموت أهل جدة جوعاً.

ثم تسترسل الأميرة في قصة خروج الأشراف من الحجاز فتقول : خرجوا على دفعتين ، الأولى : مع جدي ، على ظهر يخته "بالرقمتين" إلى ميناء العقبة ومنه إلى قبرص. الثانية : تلك التي كنا نحن فيها ، حيث أخرجنا والدي إلى جدة ومنها ركبنا البحر إلى العقبة . لم تحمل أمي معها إلا صندوقين فيهما من الصور التي ملأت عليّ حياتي ، وعرفتني بآبائي وأجدادي ، وبعض الوثائق التي تؤرخ لنا حياتنا وتراثنا ، وشيئاً من"تحويشة العمر ". لا أتذكر شيئاً من جدة سوى بحرها الأحمر ، حيث مكة لا ماء ولا شجر ، وكانت مربيتي تأخذني إلى الشاطئ للنزهة ، ونبحث عن الأصداف وأنظر إلى البحر بتأمل طفلة ذات أربع سنوات ، لا هم لها سوى أن تعبث بذرات رمله الذهبية .

سمعت فجأة بأننا سنغادر الميناء في باخرة بدت لي كبيرة ، ولعلها لم تكن كذلك ، ركبنا زورقاً صغيراً أقلنا إليها ، حيث تلوح لنا في عرض البحر ، لأنه ما من رصيف ترسوا عليه الباخرة"رضوى". غادرت النساء والأطفال جدة بينهن عماتي وعمات والدي وكبيرات الأشراف ، وبقى الرجال في مكة المكرمة ، بينما التحق بنا أخي الأمير عبد الإله ، لأنه كان صغيراً لا يقوى على القتال . وفي يناير عام 1926 غادر أبي مملكته الحجاز من جدة ليحل ضيفاً على عمي الملك فيصل الأول في بغداد .

وتصف الأميرة منزل والدها في بغداد ، وأيام طفولتها هناك ، فتقول : اقتصر منزل أبي على صالة كبيرة للجلوس واستقبال الضيوف والزوار ، يجلس فيها كل يوم ، ضم غرفة مخصصة لطبيب أبي المصري الدكتور محمد الحسيني ، حيث رافق أبي من الحجاز ، وبقى معه في العراق حتى وفاته ، إلى أن غادر إلى عمان وعاش هناك ، مع غرفة أخرى لأخي عبد الإله يستقبل فيها أصدقاءه وزواره ، وقد آثر خادمنا"وارد"أن ينام في غرفة مستقلة له ، وليس في منزل العبيد والخدم المجاور . ذهبنا في البداية إلى مدرسة للأطفال في"باب الشرقي"ثم انتقلنا إلى مدرسة الست"أمت السعيد"ولكننا لم نكن تعودنا على الدوام الرسمي والمواظبة على الدراسة ، من نهوض في الصباح الباكر ، وذهاب إلى المدرسة ثم العودة إلى البيت ظهراً ، هذا الروتين المجهد تسبب في أمراضنا نحن البنات ، وتعرضنا لوعكات صحية ، أرقدتنا في البيت بالتناوب ، لذا قررت والدتي عدم إرسالنا إلى المدرسة ، واقترحت علينا الدراسة في البيت ، ولم يكن ذلك تدليلاً بقدر ما هو مراعاة من أم تنظر إلى أطفالها بدأوا يمرضون ويذبلون .

أما أخي عبد الإله فذهب في البداية إلى القدس الشريف للدراسة ، لكنه لم يأتلف فيها ، فغادر إلى مصر ليلتحق بـ"فيكتوريا كولدج"في الإسكندرية .

الكثير من الأخبار والإشاعات كانت تصل إلى بيوتنا ، ربما قبل أن تصل إلى بيوت الآخرين أحياناً ، وتواصل الأميرة بديعة سرد مذكراتها عن بغداد قائلة : ربما كان أحد أجمل مناظر بغداد النهرية ، التي لا تفارق مخيلتي ، هو حينما نجلس في الشرفة الخلفية لبيتنا المطل على النهر ، عصر أيام الخميس من كل أسبوع في أشهر الصيف ، ننظر إلى الزوارق النقالة للعوائل والشباب ، تجوب دجلة طولاً وعرضاً ، رواحاً ومجيئاً ، يغنون ويرقصون ويصفقون ويضربون الدفوف والطبول ، يزغردون ويرددون أغاني سليمة باشا ، لقبت بـ"الباشا"لقوة شخصيتها ونفاذها ، وهي"سليمة مراد"مطربة عراقية مشهورة ، زوجة المطرب العراقي المشهور ناظم الغزالي . كان الخميس يوم المتعة والمرح في بغداد ، لكن والدي يمنعنا من الخروج فيه ، على أن يسمح لنا في المقابل بالتنزه أيام منتصف الأسبوع .

وتذكر صديقاتها من مختلف الجنسيات فتقول : صديقات الطفولة حجازيات وشاميات وعراقيات ، معظمهن صديقات الصبا والشباب والكهولة ، وحتى الشيخوخة ، كنت ألعب مع سعاد ابنة ارشد العمري ، وبوران ابنة صفوت أفندي العوا ، وماجدة ولمعان ابنتي داوود الحيدري ، بيد أن علاقتنا مع هذه الأسرة الأخيرة ، ظلت متذبذبة بين مد وجزر . أحببت عقيلة صادق الحصري ، تلك السيدة التركية الوقور التي لا تجيد العربية ، بينما كريمته سلوى صديقتي وفي سني ، ومثلها سلوى كريمة علي جودت الأيوبي ( عقيلة عدنان مزاحم الباججي ) وابنتي جميل المدفعي ، سعاد حرم الدكتور نجيب اليعقوبي ، وسلمى زوجة أركان عبادي .

كما تأسست عندنا علاقات طيبة ، مع مسيحيي العراق وغيرهم من الأقليات ، أما الجواري فبعد حديث طويل عنهن تقول : عند خروجنا من الحجاز اصطحبنا معنا معظم جوارينا وعبداتنا ، وكن كلهن معتوقات ، وباستطاعتهن أن يتركننا ، لكنهن أبين إلا مرافقتنا وربط مصيرهن بمصيرنا ، لذا بقين معنا يسهرن على راحتنا ويتفانين في خدمتنا فيتقاضين أجورهن ورواتبهن .

ثم تنتقل بنا الأميرة لتحكي لنا عن زواجها فتقول : في طريقنا إلى مصر عام 1943 ، مررنا بفلسطين واشترينا من القدس بعض الملابس والأحذية ومنها سافرنا إلى مصر ، وفي القاهرة دعانا الشريف عبد الله باشا"زوج عمتي صالحة"إلى حفل عشاء أقامه على شرفنا ، ودعا الشريف حسين وأخاه الشريف حسن ابني عمه ، وكانت العادة السائدة في مصر أن تغني في الحفل مغنيات وترقص الراقصات ، وهناك رأيته لأول مرة ، حضر الحفل أيضاً بعض أقاربنا الأشراف ، منهم الشريف علي حفيد الشريف عون ، الذي سبق له أن تقدم على أخي الأمير عبد الإله طالباً يدي منه ، ولكني لم أوافق عليه ، لأنه كان يكبرني بعدة سنوات.

وفي عام 1948 وقعت الحرب بيننا وبين إسرائيل ، فتطوع الشريف حسين للقتال في الجبهة ، حاول عمي منعه ، لكنه أصر على رغبته وقاد سرية بدو استطاع بها أن يفك الطوق عن إحدى القلاع المحاصرة ، أما أنا فقد تطوعت في الهلال الأحمر كممرضة ، أعالج الجرحى العراقيين الذين يصابون خلال المعارك ، وطوعت معي عراقيات أخريات ، بالإضافة إلى الدكتور نجيب اليعقوبي . وفي الأردن تعطلت بنا السيارة بين إربد وعمان ، ومر الشريف حسين في سيارة فارهة"لنكولن"نقلنا بها إلى عمان. وبعد هذه الرحلة عاود الشريف حسين طلب يدي من أخي الذي اشترط عليه أن يقيم ستة أشهر بالعراق وستة مثلها بمصر"مناصفة" ، لأن إقامته الدائمة كانت بمصر ، وفي شهر فبراير عام 1950 احتفلنا بزواجنا في بغداد . وتختم الأميرة هذا الجزء من مذكراتها بأنها لن تنسى أخلاق الثوار الذين يطالبون بالحرية والحق والعدل وهم يخرجون النساء من قصورهن بقمصان النوم ، ولم يتركوهن حتى يرتدين ملابسهن.



الكتاب : مذكرات وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة علي

حفيدة ملك العرب

المؤلف : فائق الشيخ علي

الناشر: دار الحكمة للنشر لندن

تاريخ النشر : الطبعة الثالثة 2008



Date : 06-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش