الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

انهيار روسيا وعادات الشرق العربي : ليلى والثلج ولودميلا في ضيافة كفى الزعبي

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
انهيار روسيا وعادات الشرق العربي : ليلى والثلج ولودميلا في ضيافة كفى الزعبي

 

 
* عبد الستار ناصر ہ



أظنها أطول رواية عربية كتبتها امرأة ، بعد رواية سلوى بكر ( البشموري) ورواية سميحة خريس ( شجرة الفهود). أما(ليلى والثلج ولودميلا) فقد جاءت في 549 صفحة وفي الصفحة الواحدة 24 سطراً ، وذلك يعني أكثر من 13 ألف سطر ، تحكي عن عالم آخر ومكان بعيد عن عادات الشرق العربي وشعائره وتقاليده ، هناك في بطرسبورغ وموسكو وسوتشي إبان التسعينات من القرن العشرين ، قبل وبعد زلزال (البيروسترويكا) التي تشظى بعدها نظام القبضة الفولاذية الضاربة.

رواية كهذه تحتاج الى ذاكرة ثاقبة والى تجربة عميقة ، ثم الى وعي تلك التجربة. ليس من شك في أن (كفى الزعبي) عاشت بين أبطالها طوال زمن الرواية ، رأتهم في بيوتهم البائسة المشتركة ، جلست معهم واختارت منهم رشيد وغالينا وأندري ولارسا وليلى ونتاليا ولودميلا وايفان وسيرجي ومكسيم نيكولايفيتش حتى تكتب عنهم ، دون أن تنحاز الى فلسفة أي واحد منهم في الحياة التي يعيشها ويحكي عنها ، ذلك أن معنى الإبداع كما يقول البير كامي هو: أننا نعيش مرتين ، الأولى في الحياة والثانية في الكتابة.

مهمة ليست يسيرة ، أن تكون في ذاك العالم العجائبي طوال عشرة أعوام وتأتي لتكتب عن أدق التفاصيل دون أن تغفل عن أي سر من أسراره ودون أن تنسى مسار الشخصيات وهي تساهم في نقلها الى دنيا الرواية ، لتبقى ثمة بين أوراقها بعد أن عاشت فعلاً بين شعاب روسيا التي كانت تسمى ذات يوم بلاد السوفييت وتحمل العلم الشهير(المنجل والمطرقة) على رقعة حمراء غامقة اللون ، قبل حلول غورباتشوف على رأس السلطة ويبدأ الخراب الجميل أو الفوضى المبدعة كما يحلو للساسة أن يكتبوا عن جحيم الفقر والجوع والقمع والخوف ، منذ ستالين حتى لحظة اختفاء التماثيل المحنطة التي كانت مزاراً عالمياً ذات يوم.

رواية بهذا الطول وبهذا التشعب ، تحتاج الى مهارة كما هي حاجتها الى ذاكرة قوية ، وتحتاج أيضاً الى العيش في زمانها ومكانها ، لئلا تنزلق الى زمان آخر أو مكان غير الذي مضينا الى غاباته وشوارعه وأسراره وشخصياته ، وقد تمكنت الكاتبة كفى الزعبي من رسم الخارطة الصحيحة التي مشت عليها عشرات الشخصيات طوال فترة ليست قصيرة من السنوات (زمن الرواية منذ السفر الى موسكو حتى آخر حوار بين ليلى ولودميلا في آخر صفحة) وأعترف أن الرواية على جانب من التشويق والإثارة والمعلومات.

موجز الرواية ، ليلى تذهب لدراسة الطب في بطرسبورغ ، عالم آخر من العادات والتقاليد والأخلاق لا يشبه عالم الصحراء العربية التي جاءت منها ، هناك حيث الثلج والفودكا والمطر ثم لودميلا التي تنشأ معها علاقة صداقة حميمة تمتد حتى نهاية الرواية.

وبرغم أن ليلى لا تشبه لودميلا في طقوسها وانفلاتها ، لكنهما تشتركان في شقة طلابية واحدة تطل على نهر النيفا ، وترى كل واحدة في الثانية ما ينقصها ، الحياء الشرقي موازاة التمرد ، الخوف من المجهول موازاة اختراق مسالك الحياة وأشواكها ، وفي أول بوابات الرعب الشرقي مهمة الحفاظ على البكارة وسلامة الشرف الرفيع من الأذى ، بينما نجد لودميلا وعلى النقيض من الخفر العربي ، تحيا بانفلات عارم وجنوح نحو الملذات لا تفهمه ليلى في أول دهشتها وانغمارها في الحياة الروسية المختلفة تماماً عن حياتها.

يظهر في الرواية (رشيد) الذي يعتنق الشيوعية ، وهو من البلاد نفسها التي جاءت ليلى منها ، لهذا يحاول وبقسوة أن يفرض سطوته وسلطته عليها ويخشى أن يمسها مكروه أو أن يقترب منها أي شاب سواه ما دامت هي من بنات الوطن الذي ينتمي إليه ، مع أن المذهب الشيوعي لا يجيز له فرض سطوته على الآخر بتبعية الجنسية.

وعند هذا الحد ترفضه ليلى وترفض سلطته عليها ، فيمضي الى (غالينا مكسيمفنا) الشيوعية الماكرة التي راحت تطارده للزواج منها ، بينما تنجرف ليلى في حب (أندري) دون أن تعترف له بذلك ، فيزداد حباً بها حد الجنون.

ھھ

يتزوج رشيد من غالينا ، تسقط ليلى على ثلج متجمد مدبب وتفقد بكارتها ، وينهار النظام السوفييتي فجأة دون أن يصدق العالم ذلك الزلزال الرهيب الذي غيّر الحياة برمتها في روسيا ، صار اسم مدينة لينينغراد بطرسبورغ ، كما هو الحال مع أسماء المدن الكبرى مثل ستالينغراد وانتهت مسيرة سبعين سنة من النضال ضد الرأسمالية.

كيف حدث كل هذا بين ليلة وضحاها؟ صارت روسيا على شفا حفرة من الجحيم ، عصابات المافيا تجوب الشوارع وتحطم كل ما هو مألوف في البلاد ، رشيد العربي أصابه الذهول وكف عن إيمانه السابق بالشيوعية ، غالينا زوجته صارت تخونه مع حزمة من الرجال ، لودميلا يأخذها رجل عصابات ويغدق عليها المال والهدايا ويسافر معها الى أجمل مدن العالم بعد أن تركت زوجها (ميخائيل سيرجيفتش) غارقاً في أحزانه وحيداً محطماً لا يصدق ما جرى ، ليلى صارت تفكر في الحرية برغم تأنيب الضمير الذي لا يفارقها ، تعطي جسدها الى ( إيجور) ومن بعده ( جينيا) حتى تشعر بمتعة الجنس التي حرموها منها طوال ما فات من عمرها ، لا شيء في روسيا غير الخراب والفوضى والانفلات بعد أن كفت القبضة الفولاذية عن ضرب الأعداء ، وصارت الدنيا غير الدنيا ، وانهمرت البضائع من كل حدب وصوب ، وراحت الناس تضحك على الزمن الغابر الذي كان البنطلون الجينز ممنوعاً فيه ، وكذلك الهواء الذي يتنفسونه بالتقسيط وبحسب أوامر الحزب الحاكم آنذاك.

الانهيار مس كل شيء في روسيا ، دخلت بنطلونات الجينز والماكدونالد والسجائر الممنوعة ، صارت النفوس الحبيسة تلهو وتمرح وترقص على أنغام الجاز وموسيقى الروك وامتلأت الأسواق بالبضائع المهربة التي لم يرها أحد من قبل ، اشتغل رشيد في التجارة وتخلى عن مبادئه الاشتراكية ، ثم يكتشف خيانة زوجته غالينا بعد أن سقطت من الطابق العاشر من أحد الفنادق وكانت حينها مع حفنة من الرجال ، العالم كله ينهار دفعة واحدة وباتت الأمور خارج السيطرة.

كفى الزعبي تحكي عن ذلك كله كأنها تركض خلف أبطالها في الأزقة والحارات وبين البيوت ، لئلا يفوتها مشهد غريب أو حدث طارئ ، وأظنها تمكنت بصبر وإصرار من رسم اللوحات الغامضة والغريبة والمعتمة وأيضاً اللوحات الجامحة والمدفونة في سراديب روسيا منذ أن تشظت وصارت مثل زجاج مكسور يخاف المرء من السير حافياً على طول مساحاتها المزدحمة باللصوص والمجانين والمسعورين ، والمكتظة بالعيوب والجرائم والموبقات بعد ثورة البيروسترويكا التي قلبت النمور الى فئران والتي ألبست الصراصير بدلات سهرة ، بعد أن سرقوا النساء والأسواق والهواء.

عالم (ليلى والثلج ولودميلا) هو الحوار بين شرق متزمت طاعن في التقاليد والممنوعات ، وشرق مفتوح على الدنيا يحتاج بدوره الى مزيد من الحرية والانعتاق ، الروس وبخاصة الشباب منهم ، يحلمون برؤية الغرب والعيش هناك دونما أسف على ترك الديار ، بينما الشرقي العربي كثير الحنين الى أول منزل ، الى مسقط رأسه مهما كان شكل حياته ومعاناته بين مشابك تلك الديار.

تستيقظ روسيا من سباتها العميق لتسأل ما إذا كان ستالين دكتاتوراً أم بطلاً قومياً ؟ كيف انتهت البلاد الى هذا البركان الحارق؟ هل كان ما جرى ثورة على فكر البلاشفة السوفييت أم انقلاباً على أمراض الحقبة الشيوعية؟ ومئات الأسئلة التي ما زالت تطوف بين الكنائس والبيوت والحانات وخلف الأبواب المغلقة ، ولا أحد يدري كيف سيأتي(الغد) وماذا ستكون النتائج؟

ہہہ

الصراع بين الشرق المغلق والشرق المقموع ، هو نفسه الصراع بين رشيد العربي وأندري الروسي ، كل واحد منهما يريد الحصول على ليلى ، وكل واحد منهما يرى فيها النموذج للعفة والبراءة والطهر والنقاء ، لا أحد منهما يصدق أن ليلى مثل بقية البشر لها حريتها وقناعاتها ولها أسلوبها في الحياة ، وعندما يصل الصراع الى ذروته ، يكتشف رشيد أن الدنيا كلها قد انهارت من حوله ، روسيا وزوجته وصديقه ، وقبل ذلك ابنه من غالينا والمشكوك بأمره أيضاً ، نعثر عليه في غرفته بعد أن قتل نفسه.

وعن هذا الحب الشائك العنيف نتذكر الشاعر مايكوفسكي على الصفحة 235 وهو يقول: قولوا لأمي إن ابنها عليل بمرض رائع.

وأنا أقرأ هذه الرواية ، الممتعة حقاً كنت أسأل نفسي وأقول: إذا كانت ( ليلى والثلج ولودميلا) هي رواية كفى الزعبي الأولى ، فماذا تراها ستكتب بعد ذلك؟



ہقاص وروائي عراقي

ہہ ليلى والثلج ولودميلا. رواية. كفى الزعبي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 2007



Date : 05-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش