الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في حضرة السيد المحافظ، : صبحي فحماوي ہ

تم نشره في الجمعة 13 شباط / فبراير 2009. 02:00 مـساءً
في حضرة السيد المحافظ، : صبحي فحماوي ہ

 

 
قبل انتهاء (المعرض الدولي للأزهار) الذي أقامته العاصمة العربية الثانية عشرة ، والتي كان عليها الدور في تبوؤ واستضافة المعرض ، وجهت الينا نحن اصحاب مزارع الازهار العرب ، المشاركين في تصميم الأجنحة الدعوة لزيارة السيد محافظ العاصمة العربية المضيفة للمعرض ، والذي كنت اقوم فيه بدور العارض والمنسق لأزهار مزرعتي المتواضعة. وقالوا يومها: ان المحافظ هو المسؤول الاول في المنطقة ، وهو اكبر مركز وظيفي فيها ، واليه يرجع الحل والربط في كل الامور التي تخص المنطقة ، ومثل باقي دول العالم الحر ، فاذا زار المدينة أي مسؤول محلي او اجنبي ، فان من يستقبله في مركز المسؤولية هو السيد المحافظ. ومعنى هذا ان زيارتنا الى مكتب السيد المحافظ كانت هامة للغاية ، او على الأصح ، تجعل منا نحن العبيد لله شخصيات هامة للغاية.

لا داعي للهمهمة.. فلقد سرني انني نجحت في تصميم معالم جناحي المزهر ، وجعلت منه لوحة فنية لا ينقصها سوى فنان يرسم هذه الجنة الصغيرة من مجموعات الازهار الملونة ، بما يكتنفها من خضرة نباتات داخلية ، وما يحيطها من نباتات خارجية ، وما يتوسطها من بحيرة مائية ، تتوسطها قنطرة او جسر صغير ، يمر من فوقه الاطفال ، ويفرحون بأسماك الزينة الحية الصغيرة الملونة التي تسبح في مياه البحيرة السطحية. ويومها دهنا قاع البحيرة السطحية باللون الازرق ، كي نوهم الزوار الذين يستمتعون بمشاهدتها - وهم كثر - بأن الغدير عميق. كان المنظر جميلا لدرجة شدت معها فراشات جاءت لتتفرج على جنتنا الصغيرة ، وطارت فوقها وكأنها طائرات مروحية منمنمة تتفحص المكان.

ليس هذا هو موضوع قصتي ، فبعد ان تشرفنا بالدخول الى بهو القاعة التي لم يشيد مثلها في البلاد ، وجلسنا كل في المقعد الذي يناسبه ، والى جوار الشخص الذي يريد. كان الحضور متنوعاً بين (رجال ونساء) وطبعاً ما دام العصر فيه تحيز للمرأة ، فلنقل: (نساء ثم رجال).

جلسنا بانتظار السيد المحافظ.. طبعا لم يكن السيد المحافظ «متوفراً» في مكتبه في تلك اللحظة.. اشغال واجتماعات.. وأنت تعرف انشغالات أولي الأمر، ليس هذا هو الموضوع.. نحن ننتظر ، فالانتظار هو وضع طبيعي عندنا. والزمن ليس له قيمة، ونحن اصلا في كل الاحوال ننتظر رحمة ربنا، وحقيقة ، لم يخطر ببالي ذلك الرجل الذي كان (في انتظار جودو) الذي يأتي ولا يأتي، ذلك لأن السيد المحافظ سيأتي. طبعا سيأتي، لأنه رجل جماهيري حسب ما تتناقله الألسن ، وديمقراطي وشعبي وحبوب ايضا،

وفي انتظار السيد المحافظ ، راح كل منا يحدق في المكان.. اتساع المكان. الالوان البنية الغالبة على الجدران والمفروشات الخشبية. الستائر الارجوانية المخملية ذات السبع طبقات ، والتي تجلل الجدران هنا وهناك بفخامة وأبهة، رائحة المعطر الذي تبثه نفاثات ذاتية ، اخترعها لنا التجار الذين لا يهمهم سوى الربح ، ليعطر جو المكان برائحة جعلت بعض الحضور يعطسون ، وبعضهم يسعلون ، وبعضهم يستمتع بها ، دون ان يعلم انها مواد ملوثة للبيئة.. السجاد العجمي الفاخر ، والمرسوم عليه عمر الخيام وعشيقاته.. المناضد المزخرفة الموضوعة بين المقاعد الخشبية الفخمة. منافض السجائر الزجاجية المتثنية على نفسها. الثريا الضخمة التي تملأ سماء القاعة ، وكأنها قد جمعت في سمائنا جميع نجوم السماء ، وشبكتها بهذه الهالة الكهربائية الهاجمة باتجاهنا ، لتضيء علينا بنور الله. اللوحات الجميلة المعلقة على الجدران. الأبواب الخشبية السبعة ذات الأقواس الاسلامية التي تنغلق من جميع الجهات على القاعة. الأقواس والبحيرات الجصية المعتقة تزخرف السقف الواسع بطابع عربي اسلامي. وأنا كرجل فني أحب الفنون الجميلة ، لا اعرف لماذا قفز الى ذهني في هذه اللحظة بالذات كون معظم ميزانيات الدول العربية تعاني من عجز لا يحتمل،

وخلال فترة الانتظار تحدث كل شخص بما يريد ، وبحرية وديمقراطية بحتة ، وأنت تعرف أننا نحن الفنانين ، نتحدث بحرية ، ودون اكتراث للرسميات ، لأننا رجال فن ونساء فن ، ولا شيء غير الفن ، ولذلك فنحن نشعر بحرية لا حدود لها، ولا شك ان الحرية شعارنا ، والا فكيف نعمل ، اذا لم يكن هناك حرية في التخيل والتفكير والتعبير والتخطيط والتنفيذ؟ كل ذلك يتطلب حرية.

ولكن ما الذي أتى بموضوع الحرية على قصتي هذه؟ ومن الذي منع الحرية ، كي أتفلسف وأخوض في ضرورة هذه الحرية العبثية - وكلمة «عبثية» هذه جاءت الى بالي ، لأنني قرأتها بالأمس في احد أعمدة صحيفة غراء «الزراعة عبثية» ، و«الصناعة عبثية» و«التجارة عبثية» ، و«السياحة شفافة». وقرأت ايضا ان صواريخ المقاومة العبثية صارت تواجه المفاوضات العبثية - ولهذا ايضا صرت أقول: ان «الحرية» تعبير عبثي ، لا داعي لبحثه ، ذلك لأن لا احد يضع القيود على حريتك ، منذ ان كان ادم وحواء «حفايا عرايا» ، ويشعران بحريتهما التامة في التصرف. من يومها كان هناك حرية. كل هذه الثرثرة هي فلسفة زائدة ، أتسلى بها في انتظار السيد المحافظ،

وجاء النادل ، وبمنتهى الاحترام والتقدير والصوت المنخفض ليسأل كلا منا: ماذا تريد ان تشرب يا سيدي؟ فيقول له الاول: هل عندكم تمر هندي. ثم ينتقل الى الثاني برشاقة وخفة ، وبصوت مؤدب: ماذا تريد ان تشرب سيدي؟ فيقول له: قهوة دون سكر ، لأنه عندي سكري ، وأنا أخاف السكر. ثم بخفة الفراشة ، ينتقل الى الثالث: ماذا تشرب يا سيدي؟ بابونج.. وكالرجل الالي ينتقل الى الرابع: ماذا تشرب يا سيدي؟ ينسون ، لأن أعصابي متوترة ، وأريد شيئا مهدئاً.. ماذا تشرب سيدي؟ إينر ، اذا ما كان هناك مانع. ماذا تشرب سيدي؟ حلبة ، سكر زيادة ، لأنني أتعب طول النهار ، وأريد ان أعوض بعض السعرات.. ماذا تشرب سيدي؟ قهوة على الريحة ، لأن زيادة السكر تفقد المشروب طعمه.. ماذا تشرب سيدي؟ أنا اريد نسكافيه مع الحليب لو سمحت.. ماذا تشرب سيدي؟ اريد كولا باردة.. ماذا تشرب سيدي؟ هات لي سفن أب.. ماذا تشرب سيدي؟ صودا. اريد زجاجة صودا ، لأنه عندي بعض الغازات.. وهكذا يستمر المحترم في جولته الاستعلامية ، حتى نهاية آخر جليس للأنيس.. ويخرج من القاعة باتجاه ما.. تسألني عن جهته؟ معروف انه ذهب اما الى مقهى المحافظة ، او الى مقهى مجاور ، يقدم هذه الخدمات كمقاولة دائمة بالاتفاق مع المحافظة.. ولطفاً ، لا داعي لمثل هذه الاسئلة ، لأنه ليس هذا هو موضوع قصتي..

وأخيراً وبلا طول سيرة ، دخل رجل طويل ممشوق ببدلة سوداء ، وكأنه سيف مسلول ، وصاح في الجمع الساكن بأعلى صوته ، وكأنه يصرخ في واد: (السيد المحافظ،) فلم نتمالك أنفسنا الا وقد هببنا هبة رجل واحد. صدقني حتى النساء هببن هبة رجل واحد، فقمنا وكأننا عساكر تجنيد اجباري ، نلبي أمراً صدر عن قائد سريتنا العسكرية: الجميع قيام، طبعا السيف المسلول لم يقل لنا: «قيام»، ولكننا قمنا بحرية من تلقاء أنفسنا قومة رجل واحد، وأنت تعرف ، «القوم أحمد»، نحن يا عمي نعرف واجباتنا. والقيام واجب ، ولا خلاف عليه ، ولا يتنافى مع الحرية والديمقراطية وحتى العشائرية والجهوية والفئوية والحزبية والعروبية والقطرية وكل شيء آخره «أي يا»،.

اعتلى الرجل «صهوة» مكتبه الخشبي الخمري اللون ، والمحفور بزخرفة فخمة ، والذي يتجاوز طوله سبعة أمتار مفروشة بالزهور المنسقة بما يليق بواجبه ، ثم استوى عليه بيمن الله ورعايته ، وكلنا عيون ترقب السيد المحافظ ، عيون كل العرب باتجاه السيد المحافظ.. (من الشام لبغداد. ومن نجد الى يمن.. الى مصر ، فتطوان). وبعد ان حيانا وقال كلاما جميلا في محبتنا ، تحدث السيد المحافظ بشاعرية عن الأزهار ، وعن مدى عشقه للحدائق ، وعن تحويل المعرض لعاصمتهم العربية الى فصل ربيع جميل.. كلام رومانسي في منتهى الحرية والديمقراطية ، لدرجة انني لم اصدق نفسي ، هل أنا في حلم ، ام في علم؟ كنت أسأل نفسي:

- اذا كان السيد المحافظ ذات نفسه يتحدث أمامنا بهذه الأخلاق والبساطة والحرية ، فلماذا يتسلح الموظف الحكومي العربي ، من أعلى وحتى أسفل الدرجات بسلوكيات الامر والنهي والشخط والتكشير؟، استطيع ان اقول لك بصراحة اننا شعرنا بمنتهى الحرية التي كنا نستغيبها قبل مجيء السيد المحافظ.

ولم يغب النادل ، بل عاد بسرعة لم أتخيلها ، ذلك لأننا كنا منشغلين بما نسمعه من حلو الكلام الذي أكرمنا به السيد المحافظ.. كلام مثل العسل في الفم..، عاد وبين يديه صينية معدنية فضية واسعة ، باتساع ميدان من ميادين العاصمة ، وتقدم من الضيوف ونحن كثر ، ما شاء الله، واذ بالكؤوس كلها متساوية كأسنان المشط ، ومليئة بالشاي.. تفضل سيدي. فيأخذ منه الاول بحرج وهو يقول له: لقد طلبت منك تمر هندي، ويأخذ الثاني منه بتمنع ، وهو يقول له: «لقد طلبت منك قهوة سادة،» ويرفض الثالث ان يأخذ منه وهو يقول له: «أنا طلبت منك بابونج،» ويتقبل الرابع الكأس مشمئزاً وهو يقول له: «لقد طلبت منك ينسونا ، وهو مهدىء ، فكيف تحضر لي شاياً وهو منبه؟،».

واستمر النادل يوزع كؤوس الشاي بصمت مطبق الى رافض وقابل على مضض ، دون ان يجيب احداً ، او يعتذر عما فعل ، الى ان وصل الى السيد المحافظ ، فقدم له كأس الشاي ، فتقبلها السيد المحافظ بكل رضى.. وعندها وضع النادل كوعه على مكتب السيد المحافظ - نسيت ان اذكر لك ان مكتب السيد المحافظ كان مرتفعا بثلاث درجات عن الارض - أين وصلنا؟ آه ، وصلنا عند كوع السيد النادل ، الذي بعد ان ضرب كوعاً على زاوية مكتب السيد المحافظ ، نظر الى الحضور وقال لنا بصوت استخباري عال:

وما له الشاي؟، اذا كان السيد المحافظ يشرب شاي ، فما له الشاي؟ وجحظنا بعينيه اللتين لم يعرف أين يوزعهما ، ولكنهما ما شاء الله ، كانتا من الاتساع والشدة ، لدرجة انه بتلك النظرة فرك بصلة في عيون كل الحضور.. فأنزلنا عيوننا في كؤوسنا ، وشربنا الشاي ، دون ان ننبس بكلمة واحدة ، ثم قمنا بنظام ، وودعنا السيد المحافظ بنظام ، وخرجنا بنظام ، ليعود كل منا بنظام الى سيرته الذاتية ، وكأن شيئاً لم يكن.



ہ روائي وقاص اردني

Date : 13-02-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش