الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يدور في أجواء الحرب العالمية الثانية : فيلم «استراليا» ملحمة الحب والحرب والتاريخ

تم نشره في الجمعة 13 شباط / فبراير 2009. 02:00 مـساءً
يدور في أجواء الحرب العالمية الثانية : فيلم «استراليا» ملحمة الحب والحرب والتاريخ

 

 
رسمي محاسنة ہ

في فيلم استراليا يقوم المخرج باز لوهرمان صاحب فيلم الطاحونة الحمراء باستعادة ذكريات مرحلة هامة في تاريخ استراليا حيث يستحضر الفترة مابين 1939( - )1943 عندما قامت القوات اليابانية بضرب جزيرة داروين ، حيث يمزج الحب بالحرب ، والكراهية والجشع والتمييز ضد السكان الاصليين ، وقسوة الانسان الابيض من اجل مصالحه. فيلم مليء بالصراعات اللاهثة ، في اطار قصة حب ، صنعتها الظروف ، والحاجة ، والبيئة ، والصراعات الشرسة.

اشلي (نيكول كيدمان) ، السيدة الارستقراطية البريطانية ، تقرر السفر بالطائرة الى استراليا لتلحق بزوجها الذي ترد اخبار مغامرات وخيانات له غير موثوقة ، فأرادت ان تضع حدا للشائعات ، وأن تقف على الحقيقة. وبمجرد وصولها ، تكتشف أن زوجها توفي في ظروف غامضة ، وترك مزرعة كبيرة ومزرعة عجول تتجاوز (1500) رأس ، وتشعر بالمحنة ، حيث أن زوجها قد مات ، وهي غريبة عن الارض والناس ، وليس لديها ادنى فكرة عن ادارة المزرعة والعجول ، ونمط الحياة القاسية وصراعات المنطقة لم تألفها سيدة ارستقراطية لم تتجاوز حياتها حدود البروتوكولات والمجاملات ، وفوق ذلك لم تجد الترحيب حتى من السائق دروفر (هيو جاكمان) الذي اوصلها الى المزرعة التي كان يعمل عند زوجها بين وقت واخر.

ويمثل وصول اشلي للمنطقة ، لحظة استثنائيه ، فهناك البارون الجشع كنغ كارني (بريان براون) ، الذي يجد في وصولها فرصة لاتمام صفقة طالما حلم بها لاخذ المزرعة ، وتابعه فليتشر (ديفيد وينهام) الذي يمثل العين والعون له ، وأداته القذرة لتحقيق اهدافه ، واغتصاب حقوق الاخرين. ووجد السكان الاصليين في وصول اشلي نموذجا أبيض مختلفا عما عرفوه ، حيث استطاعت منذ وصولها ان تبني جسورا من الثقة بينها وبين اهل المنطقة الذين يعانون من اضطهاد السلطة وملاحقتها لهم ، ومن تواطؤ التجار المستغلين. وتتوثق العلاقة بشكل اساسي مع الطفل الخلاسي نولا (براندون والترز) ، ابن (13) عاما ، وهو ملاحق من السلطة ، ويريدون القبض عليه بحجة انه وامثاله من ابناء المنطقة بحاجة الى اعادة التأهيل. لكن اشلي التي يلقبها السكان الاصليون باسم السيدة الرئيسة ، تقرر حماية الطفل نولا الذي يفتح عيونها على حقيقة المؤامرة التي ذهب زوجها ضحية لها ، وعلى المؤامرات التي ستواجهها ، حتى تفقد الامل وتبيع المزرعة والمواشي الى كارني حيث تصل في النهاية الى الحقيقة وتدرك انها كانت تسمع ولكن لم تكن ترى حقيقة الحياة والجمال والناس في استراليا.

اشلي لم تجد أمامها من ينقذها الا السائق دروفر الذي كان قد اوصلها بالسيارة عبر طريق وعرة ، وهو شخصية متمردة ، من الصعب ترويضها ، يعمل لحساب نفسه ولو بالقليل ، لان روحه تضيق بقبول رئاسة الاخرين له ، والعمل لديهم ، فهو لا يقبل بأن يكون تحت امرة أحد ، وهو شخص مشاكس وفوضوي ، ولم يكن ينظر الى اشلي سوى نظرة فيها شيء من الاستهزاء بقدرتها على البقاء ، وأنها بالنسبة له مجرد امرأة جميلة ، قد يقضي ليلة معها لا اكثر. ولذلك تردد كثيرا عندما عرضت عليه اشلي بأن يتولى مهمة ايصال القطيع الى الميناء ، فهو يعرف أن المهمه تحتاج الى عدد من الرجال ، كما أنه يدرك التواطؤ ما بين السلطة و كارني وقدرته على اثارة المشاكل ، ويعرف بانه لن يقبل باقل من الحصول على كل ما اورثه زوج اشلي لها.

لكن شخصية اشلي تؤثر فيه ، ويلمح في عيونها الاصرار على اكمال المهمة ، الامر الذي يستفز بداخلة روح التحدي ، كما أنه بدأ ينجذب الى انوثتها ، الى جانب ما لمسه من انحيازها الى اهل الارض الاصليين ، وأنها مختلفة تماما عن معظم اولئك القادمين على سرج الطمع ، لنهب خيرات البلاد ، واذلال أهلها ، فقد لاحظ كيف أنها تخاطر من أجل حماية الطفل نولا ، وتعاملها الانساني مع النساء العاملات الفقيرات. ويعتبر دروفر ان القضية تخصه رغم صعوبتها ، سواء من حيث قلة الرجا ل الذين يستطيعون ضبط سير القطيع وحمايته وايصاله الى الميناء. فالوقت ضيق ، وهم في سباق مع الزمن للوصول الى الميناء قبل أن يوقع كارني عقد بيع مع السلطات البريطانية لشراء قطيعه الذي فرض فيه سعرا عاليا لأنه يدرك حاجة الجيش البريطاني الى اللحوم في الحروب التي يخوضها على جبهات الحرب العالمية الثانية ، او من حيث صعوبة الطريق ومخاطرها.

في هذه الاجواء المتوترة المشوبة بالخوف والقلق ، والإصرار والتحدي ، تنمو ما بين السيدة اشلي و الراعي والسائق دروفر قصة حب جارفة ، وعميقة ، وحالة من الكشف والاكتشاف والتوحد ، والانتماء ، فيها براءة الارض التي يسكنونها ، وصلابة مواجهة ظروف التحدي.

على التوازي ، تتزامن قصة الحب ما بين اشلي و دروفر ، وتعمق العلاقة الإنسانية ما بين السيدة والسكان الاصليين ، خاصة بعد وفاة ام الطفل نولا ، وفي نفس الوقت يجمع دروفر ما يتاح له من الرجال لترحيل القطيع ، من الطباخ الصيني ، والسائق العجوز المخمور دائما ، ونولا ، لتبدأ رحلة التحدي والسباق مع الزمن للوصول الى الميناء لبيع قطيع البقر للجيش ، والصراع مع كارني الذي يسعى للفوز بالصفقة ، والذي يضع العيون لمراقبة خط سير قطيع السيدة اشلي ، ويرسل اعوانه من اجل دفع القطيع نحو منحدر يؤدي الى النهر ، حتى يتزاحم القطيع ويسقط في النهر. لكن يقظة نولا واستخدامه للغناء الذي تعلمة من جده ، وتوظيفه للموروث الشعبي والاساطير ، الى جانب تكاتف جميع الفريق ، ينقذ القطيع من السقوط من المرتفع في النهر. وتتواصل رحلة التحدي ، بالرغم من فقدان بعض اعضاء الفريق ، حيث الصحراء الواسعة ، والظروف الجوية والطبيعية الصعبة ، وقلة المياة ، رحلة كانت بمثابة صراع مع الحياة ، وكسب الوقت الذي ينفذ بسرعة ، ويتزامن وصولهم مع وصول قطيع كارني ، الذي استبق الامور لتوقيع العقد مع مسوؤل الجيش.

ويجن جنون كارني بعد ان شاهد قطيع اشلي يقترب من الميناء ، ويستعجل الامور بالطلب من مسوؤل الجيش بتنفيذ العقد ليأخذ المبلغ المتفق عليه ، لكن المسوؤل يفاجئه بقوله ان العقد ينص على ضرورة ان تكون الابقار على ظهر السفينة ، يحدث هذا في الوقت الذي يبادر فيه دروفر بحركة التفافية تقطع الطريق على كارني ويفتح بوابة الدخول للسفينة ، ليتدافع القطيع الى الداخل وتفوز اشلي بالصفقة ، وهزيمة كارني في اللحظات الاخيرة.

في هذه الاثناء تكون الحرب العالمية في ذروتها ، حيث الهجوم الياباني على بيرل هاربر وتكون استراليا هدف الغارات اليابانية ، ويقوم المسوؤلون باخذ الطفل الخلاسي نولا بهدف اعادة تأهيله ، ضمن تقليد ابتدعه البيض ضد السكان الاصليين ، بأن ياخذوا الاطفال ويعزلوهم ، حتى يتم تأهيلهم نفسيا من جديد ليقطعوا صلتهم بجنسهم الاصلي ، وتفشل كل محاولات اشلي لحماية الطفل ، رغم رغبتها الجارفة بتبنيه ، وضمه لها ، ويأخذونه مع مجموعة من الاطفال ، يرسلونهم الى جزيرة ، حيث تتعرض الجزيرة بعد وصولهم الى هجوم جوي يدمرها ، ويختلط الحابل بالنابل ، فالخسائر كثيرة ، ولا احد يمتلك المعلومات الدقيقة عن نتائج الهجوم ، وينقطع الناس عن بعضهم البعض ، فيعتقد دروفر واشلي ان كلا منهما قد قتل في الهجوم ، لكنهما يخرجان من وسط الدمار ويلتقيان ، لتجدد اشلي بحثها عن الطفل نولا الذي يكون قد اختبأ مع مجموعة من الاطفال في احد الكهوف وينجون من القصف.د

فيلم استراليا ينتمي للافلام الملحمية ، حيث الحب والحرب ، وان كان تقليديا في طرحه ، من الاصطفافات الى جانب الخير والشر في صراع ازلي لا ينتهي ، وهو هنا يعلي من قيمة اهل الارض الاصليين ودورهم في بناء استراليا الحديثة ، والقيم التي يتمتع بها هؤلاء الناس ، من بساطة وشهامة وطيبة وايثار وتضحية ، وموروثهم الشعبي الذي استفاد منه المخرج ووظفه ايجابيا لصالح الفيلم وبشكل خاص ذلك الغناء الذي تعلمه نولا من جده ، هذا الغناء الآسر الذي يهز الوجدان ، ويؤثر في نفوس سامعيه ، والذي يستخدمونه للتعبير عن ذاتهم ، والدفاع عن انفسهم.

انه فيلم يمكن تصنيفه الى جانب الافلام العظيمة المفعمة بالحب والمشاعر والصراع الداخلي والخارجي ، والحب في زمن الحرب ، كقيمة انسانية عالية ، مثل فيلم "ذهب مع الريح" عندما كانت الحرب بين الشمال والجنوب الامريكي. وقد حرص المخرج الاسترالي الجنسية على ابراز الجوانب الجمالية التي تختزنها الطبيعة ، حيث اللقطات الواسعة الجميلة ، والمناظر الساحرة ، والبيئة التي احتضنت قصة الحب ، وادوات الصراع ، وارادة التحدي ، والجرأة عند رجل الكاوبوي الاسترالي ، وحالة الحب ، والتواصل الانساني في نظرات اشلي الناعمة ، واهل الارض الاصليين ، بعفويتهم التي لم تستطع قسوة الحياة ان تزيح ذلك الحنان والجمال من ملامحهم وعيونهم. كل ذلك نراه من خلال عين الكاميرا بلقطاتها المختلفة ، والمنسابة بسلاسة ، والمونتاج الواعي والذكي الذي يأسر قلب وعقل المشاهد.

في الاداء ، وإن كانت نيكول كيدمان لم تقدم افضل ادوارها ، الا انها تعاملت مع الشخصية بفهم ، ووعي ، حيث هي السيدة القادمة من مجتمع ارستقراطي ومتعال وتقاليد صارمة ، لتنتقل الى حياة فيها البساطة والعفوية ، وتتجاوب مع طبيعة الموقع الجديد الذي انتقلت اليه ، تتفاعل معه ، وتستجيب لمتطلباتة وشروطه ، في حياة مغايرة تماما لما عاشت وتربت عليه. اما الممثل هيو جاكمان فقد وضع نفسه في مصاف كبار النجوم ، بدور يعتبر فرصة العمر ، قام بادائه في حضور لافت. ويبقى الطفل نولا بحضوره المؤثر ، وقدرتة العالية على اداء شخصية الطفل الخلاسي الملاحق من قبل السلطات ، والذي يختزن بعقله ووجدانه موروث البيئة التي ينتمي اليها ، وكذلك بقية الممثلين الذين ادوا ادوارهم كل واحد بافضل ما يمتلك من ادواته في فنون الاداء ، تحت ادارة مخرج متمكن ، يمسك بمختلف عناصر الفيلم ويوظفها لصالح مقولة الفيلم جماليا ومعرفيا. مخرج يريد ان يقدم بلده بجمال طبيعتها وناسها ، وتجاوزها للجراح ، واللجوء الى حضن الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.



ہ ناقد سينمائي أردني

[email protected]

Date : 13-02-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش