الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أحزان كثيرة وثلاثة غزلان.. غرائبية تثير فضول القارئ

تم نشره في الجمعة 13 شباط / فبراير 2009. 02:00 مـساءً
أحزان كثيرة وثلاثة غزلان.. غرائبية تثير فضول القارئ

 

 
د. إبراهيم خليل ہ



ما من قارئ يقرأ المجموعة القصصية "أحزان كثيرة وثلاثة غزلان" لمؤلفها جمال أبو حمدان إلا ويلحظ ما فيها من نهج خاص في بناء القصة القصيرة ، ومن أسلوب في نسج حوادثها ، أو الحكاية التي تتضمنها ، ومن لغة خاصة يستعملها الكاتب سواء في الحوار الذي يدور بين الشخوص ، أو في الوصف ، أو التحليل الذي يلقي بالضوء على عالم الشخصية الداخلي ، وهو الذي يحتل موقع البؤرة أو المركز في دائرة العمل القصصي.

والسبب الذي يدعونا للاهتمام بهذه المجموعة أنها كانت قد صدرت في طبعتها الأولى ببيروت عام 1970 وأثارت فور صدورها أصداءً كبيرة ، ونُظر إليها باعتبارها منطلق التجريب في القصة الأردنية القصيرة ، بعد الذي ران عليها من التقليد والترديد. ثم أعيدت طباعتها ثانية (1995) دون أنْ تتوقف الأسئلة الكثيرة التي تطرح حولها ، وحول لغتها الشعرية ، وأسلوب الكاتب في بناء القصة ، وما فيها من أجواء غرائبيّة تستثير فضول القارئ.

وها هي ذي تطبع وتنشر للمرة الثالثة في إطار "القراءة للجميع" ، وهذا يدعونا لقراءتها مجدداً ، والتركيز على ما فيها من طابع خاص تنمازُ به على غيرها من القصص.

ففي القصة الأولى"أحزان كثيرة" يقف القارئ على ملمح بنائي خاص ، وهو الحديث عن بطل القصة "الرجل "دون تعريف به ، أو تقديم له ، مثلما هي الحال في قصص تقليدية كثيرة ، ودون أن يُحدّد له اسم من الأسماء التي يعرف بها أبطال القصص. يمتد ظله بعيدا ، ويتساءل عن الشمس المائلة نحو الأفق. وفيما نحن نقرأ القصة يتذكر الرجل أنه نسي ساعة يده تحت الوسادة. وإذا به يتحول في مدار التخييل السردي إلى"فتىً"وتتجه بصيرة الراوي في المتخيل السردي نحو السرير ، ومحاولات الفتى المتكررة ليغفو. تارة يركز الانتباه على نقطة ما في الحائط ، وتارة يتذكر ما فعله طوال النهار ، وهو قراءة فصل من كتاب ، أو قصيدة في مجلة قديمة ، في الأثناء يستعيد الفتى صوت دقات الساعة الوانية وهي تخترق حشية الوسادة ، وتتجمع في الأذنين ، أرقاً ، وقلقاً ، وتقلباً يفضي به إلى قذف بصره من النافذة.

عند هذا الطور من أطوار القصة يتقاطع النص السردي مع آخر ، فإذا بزليخة تبْرُز فجأة ، وإذا باسم الفتى يتضح فجأة هو الآخر ، وإذا هو يوسف ، وإذا بالحكاية تتكئ على أخرى هي حكاية امرأة العزيز. ويبدأ الحوار بين الاثنين ، لينتهي بهوَّةْ يوشك أن يسقط فيها الفتى يوسُف ، وهو يحسُّ إحساساً عارما بمحاصرة الأنثى. في الأثناء ينكسر تسلسل الزمن السردي مرة أخرى ، وإذا نحن بإزاء رجل يحاورُ يوسف بعد أن راقبه طويلا من الرصيف المقابل ، وعندما يخبره الفتى بأنه هو يوسف ، يعجبُ الرجلُ ، قائلا: "يوسف؟يا للاسم،". ثم ينفرج قوسان عن جزء آخر من القصة ، وهو استئجار الغرفة للفتى الوديع ، الذي هو الرجل ، وهو الفتى.وعندما تتأمله المرأة صاحبة الغرفة المأجورة يلاحظ ما تفيض به عيناها من اشتهاء لكنّ ضوضاء القاهرة ترشح من الشقوق.

يحدث هذا كله وزليخة ما تزال مضطجعة على الأريكة بانتظار يوسف ، وعندما يتداخلان من جديد تنفتح بينهما هوَّة ويعي أنه يسقط :"لم تستطع هي الإمساك به ، تركته يسقط ، أخرجت قدمها من السرير ، فيما استدار يوسف إلى الناحية الأخرى." (ص18)

في أوج الإحساس بالخذلان ، الذي عبَّر عنه الراوي ، تارة بالجزْر ، وتارة "بأنه متروك ، وفي مكان شديد الجفاف ، فيما زليخة تبتعد عنه مدمدمة بأغنية ، يناديها فلا تستجيب لندائه ، بل تمّحي وراء الباب"عندئذ لا يجد يوسُفُ ما يفعله سوى"الضغط بوجهه على الوسادة ، والانتحاب".

يعاود الراوي تقطيع الزمن بالرجوع إلى "الرجل" الذي يتأمل ظله الممتد في الصحراء مسافة كبيرة ، بعيدة ، شاعراً - في هذه المرة - بثقل البندقية ، وثقل السؤال المتكرّر: لماذا حملت البندقية ما دمت لا أحسن التصويب؟"ينفتح قوسان جديدان ليستوعبا جزءا آخر من الحكاية"وصية الأب" الذي رحل ، والإطار المُذهّب ، والعينين اللتين تشبهان عينيْ الصقر. وعلى نحو مباغت يفترّ الأفق الكالح في الصحراء المغبرّة عن غزاليْن يتمنى الرجل لو يستطيع أن يعود بهما للمدينة. وهذا تحول جديدّ في الحكاية - القصة ، لأن اهتمام السارد ينصبُّ على الظبييْن ، في علاقة تنافر تشبه المفارقة اللفظية بين الفضاء المفتوح ، والجدران التي تخفي وراءها أناسا بوغتوا بالحزن مثلما بوغت قوم نوح بالطوفان: "فتح الرجل عينيه عند الفجر ، لم يقو على رفع رأسه فوق اللجّة ، أحسّ باختناق ، وفكـّر: لو تنفتح مسامات جلدي من جديد. لو استطيع أنْ أنسكبَ فوق الرمال،".

لم يستطع اقتناص الظبييْن ، فاطمأنّ إلى أنه لا يستطيع استخدام سلاحه ليحقق هذا الهدف ، وهو العودة بالغزالين ، مؤكداً أنه محاربّ كفء. فيداهمه الشعور بالوحدة طوال الأيام الخمسة التي ظل يعاني فيها فلا يسمع إلا صرير النفس.

مرة أخرى يتوقف السارد عن متابعة الاتجاه مندفعا إلى آخر معاكس.

وإذا بفتاة حسناء تنبثق فجأة من الرمال ، كأنها رقعة رقش عربي ، وتترامى بينهما كلمات الآخرين ، ليعود بنا السارد إلى وضع الرجل الذي يتأمل ظله الممتد في الصحراء إلى ما لا نهاية ، وبندقيته التي لا يستحسن استعمالها على الإطلاق. فيستمر في السير على الرغم من أنه يتمنى العودة. وعلى نحو مباغت تهتف الفتاة" إنها الشام".ذلك هو أول تقاطع في المكان. فبعد التقطيع الزمني الذي ألفناه فيما سبق جاء دور المكان لتتحول به القصة إلى فسيفساء ، أو رقعة رقش. بلا فراغات وبلا نهايات. ويظهرُ في الأفق تنافرّ آخرُ يُضافُ إلى ما ذكرنا قبلا ، وهو الصمت الذي يطبق على الصحراء الشاسعة ، والضجيجُ الذي يصخب داخله:"فجأة تشوَّش الصمت" ولاحَ غزال جديدّ ثالث لتوه ، ليدخل المكان في جو حزين ، وكأنما الأشياء فيه جلها تدمع. ويبرز تضاد من نوع آخر: النهار يرحل والليل يتأخر عن المجيء ، لحظة نحن فيها لا هي بالليل ولا هي بالنهار ، فلا يستطيع الفتى أن يحدّد في أي مكان هو لكنه يستطيع أن يشعر بوجود الآخرين الغائبين أبداً. فقدانُ الساعة ، فقدان الإحساس بالوقت ، فقدان الإحساس بالمكان ، فقدان الشعور بالوزن ، فقد الأثر الذي تتركه قدماه على الرمال ، فقدان الغزالين الأولين ، ثم الغزال الثالث ، فقدانُ الإحساس بالظل لأن الشمس أصبحت في السمت ، فقدان الإحساس بجدوى البندقية ما دامت رصاصته لا ترْتطمُ بشيء بل تسقط في فراغ ، ذلك كله ينتهي إلى فقدان الإحساس بالذات: "فقد الارتباط تماما عندما رفّ عليه خيال زليخة شفيفاً لهنيهة.. ثم أخذت السكينة تغيبه."



ہہہ

لست على يقين من أنَّ الكاتب جمال أبو حمدان اطلع على قصيدة بايرون Byron المشهورة "عروس أبيدوس" التي استوحى فيها شخصية نسائية شرقية سماها "زليخة" وفيها يبدو تأثره بالحكاية المعروفة مثلما تكررت في الأدب الفارسي. وحتى لو كان الكاتب أبو حمدان قد اطلع على تلك القصيدة ، أو على ترجمات من الأدب الفارسي الذي تعاور شعراؤه هذه الحكاية في غير قصيدة ، فإنَّ الأمر لا يقدم ولا يؤخر ، فهو بلا ريب يجعل منها خلفية للقصة لا أكثر ، كأنما هي موسيقى تصويرية ترافق مشاهد الفيلم ، أو السيناريو الذي يعرض على شاشة صغيرة. ولكن هذه الموسيقى التصويرية تضفي على القصة - من حيث نشعر أو لا نشعر - طابع القصيدة. فهي توحي أكثر مما تقول ، وتعبّر أكثر مما تقرّرأو تروي ، وتحطـّم أكثر مما تبْني.

فالسرد فيها يقوم على مبدأ التشظي ، التشظي في الزمان ، والتشظي في المكان ، والتداخل بين ما مرّ به الفتى من حوادث في السابق ، وما يعاني من إحساس به الآن: الضياع ، انعدام الوزن ، الخذلان ، التماهي في الفراغ.. وحتى الأشخاص لا تبدو لهم ملامح إلا لتذوب في ملامح أخرى: الرجل ، الفتى ، الفتاة ، زليخة ، المرأة ، الأب ، الغزلان.. وفيما تبدو شظايا السرد وقد شرعت تعود لتأخذ أمكنتها المناسبة في رقعة الرقش النصي ، يتمخَّض العمل عن دلالة أدبية واحدة تتسق مع الإشارات: القاهرة ، الشام ، الصحراء ، البندقية ، الهاوية ، النافذة ، والعيار الذي يسقط في الفراغ.. فإذا ما تذكـَّرْنا أن هذه القصة كتبت بعيْدَ وقتْ قصير من نكسة الخامس من حزيران 1967 اكتشفنا ما فيها من مقاربةْ رمزيّةْ ، وإذ بالفتى رمزُ الجندي المهزوم الذي يخفق في استعمال سلاحه ، والعودة بالهدف إلى المدينة "القاهرة". وقد بدأت الأشياء تتداعى في رأس هذا الجندي حتى أوشك من شدة الضيق على الذوبان في فراغ اللحظة التاريخية ، والمكان الذي لا حدود له ، ولا نهاية.

والقصة القصيرة تعبّر عن محتواها - في العادة - بأسلوب صريح ، إلا أن التلميح يقربها بالضرورة من فن الشعر.

وقد ذكرتُ في موضع آخر اختلاف لغة القصة القصيرة عن لغة الرواية ، فمتطلب المحاكاة ، والإيهام بالواقع ، في الرواية ، يوجبان على الكاتب أن يستعمل لغة الحياة اليومية ، أو ما يسمى بالإنجليزية common speech أما القصة القصيرة ، فقدْ تقوم على هذا الأساس ، أعنى المحاكاة والإيهام بالواقع ، وقد لا تقوم علبهما أبداً. وقد تنبني على نبض ذاتي يوحي ويومئ أكثر مما يقلد أو يحاكي(1). وفي ذلك يكمن تفسيرنا لطبيعة اللغة التي تتجلى في هذه القصة ، وسائر قصص جمال أبو حمدان التي تحتويها هذه المجموعة"أحزان كثيرة وثلاثة غزلان" فهي لغة أقرب إلى الشعر منها إلى لغة النثر السردي.

فعلاوة على ما تقدم مما أشرنا له ، ونبهنا عليه ، من تركيب معقد يعتمد التنافر ، والتضاد ، نجد لغة الحوار في هذه القصة ، كلغة الوصف ، تجنح في وضوح نحو التصوير ، تارة باستخدام المجاز ، وتارة بالتشبيه والاستعارة. تقول زليخة ليوسف مشيرة إلى صورة أبيه المرتكزة على سطح المنضدة: "له عينا صقر" و:"كما لو أن صقرين صحراويين يطلان من العينين" فيعلق: وكانت عيناه تحتضناني ، ثم يقول عنهما يوسف: تعبتا من التحليق في الآفاق ، أحرقهما الهجير. إنهما مستكينتان في المحجرين الآن."وفي موقع آخر يخاطب الرجل يوسف قائلاً: كنت أراقبك من الرصيف المقابل ، وأنت تسقط ظلك. وتحدق بالرصيف كما لو كنت تحلم."و" الذين يحلمون أكثر الناس وداعة".

وتفيضُ لغة الوصف هي الأخرى بمثل ما تفيض به لغة الحوار من تصوير. فعندما انتهى يوسفُ من الهوة التي سقط فيها استدار إلى الصورة المستندة إلى سطح المنضدة ، فرأى معطف نومه مستقرا فوق الصورة: "شعر بأنَّ أجنحة الصقرين يخفقان خفقانا مضطرباً. وعندما استكانتْ (الأجنحة)أحس بالكآبة تمتد فوقه ، ثم تتجمَّع في نصل حادّْ راح يخترقه. تقلب على الفراش وضغط رأسه على الوسادة وراح ينتحب.ثم يصف مشاعر أهل القاهرة على لسان الراوي: قبل أن يفيق اجتاحتْ المدينة لجة الأحزان. أخذت تنبع من شقوق الجدران.. الحزن يتوالد في نفوسهم ويتجمع تحت الجلد ، ثم ينز من مسامّاتهم دون أن يُحسّوا." و" انطفأت ضحكاتهم ، والحزن يطفح..وينز"إلخ..

وهذا الوصف يتضمن - مثلما هو واضح - صوراً ، وهي تتواتر في نسق يخرج بالألفاظ عن المعنى المألوف في استعمال الكتاب لها في النثر القصصي وغير القصصي." دموع الأشياء تسحّ دونما كثافة أو لون. تترك مُلوحتها وتغيض."

وقد يطول بنا البحث لو نحن استقصينا ما في القصة من علامات تؤكد اعتماد المؤلف للأسلوب الشعري في هذه القصص. غير أنّ الباحث لا يفوته أن يشير لبعض القصص التي يتجلى فيها مثل هذا الأسلوب ، ومنها قصة: من هنا طريق قيس ، وقصة سبرتاكوس ، وأبي ذرّ الغفاري ، وغيرها من روائع القصص.



1.انظر= إبراهيم خليل: من لغة الرواية إلى رواية اللغة ، مجلة عمان ، ع 163 كانون الثاني ص2009 69 وللمزيد انظر = شعرية اللغة السردية في قصص هند أبو الشعر ، الدستور الثقافي ، ع 42س14736 الجمعة 25 ـ 7 ـ ,2008

ہ ناقد وكاتب وأكاديمي أردني

Date : 13-02-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش