الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيلم «ألوان السما السبعة» : الحب .. شفاء الروح

تم نشره في الجمعة 18 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 مـساءً
فيلم «ألوان السما السبعة» : الحب .. شفاء الروح

 

 
* احمد طمليه



وإذا كان الإنسان ضعيفاً لاهثا نحو شهواته ونزواته ، لا يرى أبعد من مقدمة أنفه ، غارقاً بالخطأ والخطايا ، فكيف له أن يطمئن وتطمئن نفسه؟ كيف له أن يهدأ ، وهو القاتل والمقتول ، الشاهد والشهيد ، المذنب والضحية في آن؟ كيف له أن يحظى بالرحمة وسكينة الروح؟

يعد فيلم "ألوان السما السبعة" للمخرج الشاب سعد هنداوي ، تأليف زينب عزيز ، من أبرز وأهم الأفلام المصرية الحديثة التي تناولت هذا الجوهر الوجودي ، وقد حاز على جائزة أفضل تصوير وأفضل ديكور وأفضل ممثلة (ليلى علوي) في مهرجان إسكندرية السينمائي الأخير ، كما حصل على جائزة من مهرجان القاهرة السينمائي ، وحظي بإشادة عدد كبير من الصحافيين والنقاد حيث اعتبر "لغة سينمائية جديدة على السينما المصرية".

تدور أحداث الفيلم حول رجل في الأربعين يدعى بكر ( فاروق الفيشاوي) يعمل "راقص تنورة" وينتمي إلى الطريقة الصوفية المولوية التي أسسها مولانا جلال الدين الرومي. يمعن المخرج في رصد رقص التنورة التي يبرع بها بكر مع مشاهد للسماء ، فتبدو السماء وكأنها تدور وتدور ، ويبدو بكر وكأنه يحلق في السماء ، خاصة عندما كان يقترب المخرج بكاميرته من وجه بكر فنجده هائما وتشعر كأن جسده يوشك أن يقع أرضا فيما تمعن روحه في التحليق.

نتعرف في بداية الفيلم على حنان ( ليلى علوي) ونعرف لاحقا أنها تعمل في التجارة ولكنها التجارة المغموسة بالرذيلة : "اعطني نقودا أعطيك حباً ". تواصل حنان كل مساء متابعة وصلات راقص التنورة ، وفي كل مرة تزداد عجابا به ، وتراقبه وهم يهمّ بالارتقاء كأن قدميه توشكان أن تحلقا بعيدا.

يحكي لنا الفيلم أن هذه الأجواء تقام خلال شهر رمضان وأن العيد على الأبواب ، وأن بكر مطلق ، ونعرف أن طلاقه تم بناء على شكوكه بأخلاق زوجته (سوسن بدر) له منها ابن اصبح شابا الآن (شريف رمزي) ولكنه شاب تائـه يـرى أن الكل لديـه ما يفعله إلا هــو"فليس لديه شيء" كما جاء على لسانـه ، ويتمنى هـذا الشـاب أن يتعلــم"رقص التنورة" وأن يحلق مثل أبيه.

ومثلما يذكرنا المخرج على الدوام بالوان السماء السبعة ، أو بالأحرى بالطبقات السبع ، فأن الفيلم أيضا ينطوي على طبقات. فمن جهة ، يمكن أن تقرأ الفيلم في سياق ابنة ليل تتابع راقص تنورة و تقع في حبه بعد أن تتوب عن أعمال الرذيلة وترفض أن تكون مشاعة ومجانية بمشاعرها. ونتابع على المسار الآخر من الأحداث أن الأم أو الطليقة تزوجت من أحد الجيران ، وأن الأبن اكتشف زيف العلاقة التي تربطه بحبيبته (منى هلا) فتركها ، وينتهي الفيلم بود ووئام. هذه هي الطبقة الضحلة للفيلم أو بالأحرى القشرة الخارجية ، ولكن الأهم هو الطبقات الأخرى للفيلم التي تجعل منه فيلماً جديرا بالمشاهدة لاحتوائه على هم وجودي يمكن أن ألخصه بكلمتين : المصالحة مع الذات .

تدور أحداث الفيلم في أحد أحياء القاهرة المزدحمة ، واغلب المشاهد هي أجواء صوفية فيها ما فيها من لهاث الفرد وأمله بالتقرب من الله عز وجل. وما يعطي هذه الصوفية طعماً خاصاً أنها تقدم خلال شهر رمضان ، وأن العيد على الأبواب ، غير أن ما يستوقف المشاهد أن الصوفية والتقرب من الله يجسدان فقط بالطقوس ، ورقص التنورة ، والأمسيات الرمضانية ، أما الشخصيات نفسها فأنها مثقلة بالخطايا. فحنان تتاجر بالعاطفة وتغدق الحب على من يعطيها اكثر ، ولا يتحسس الفيلم من إظهارها وهي تتعاطى الكحول ، غير أننا نراها في مشهد آخر وهي تبسمل قبل أن تتناول إفطارها .

حنان طيبة القلب ، وهي لا تتوانى عن مساعدة شقيقها وأسرته ، وتحنو على أمها ، والاهم من ذلك كيف أظهرها المخرج امرأة طاهرة فلو لم تقل هي"بعظمة لسانها"أنها تبيع الحب لساد الاعتقاد أنها فتاة أرستقراطية تستهويها الأمسيات الرمضانية ، وهذا ما تجلى في تعابير وجهها وانفعالاتها أثناء متابعتها رقصة التنورة .

طليقة بكر (سوسن بدر) امرأة أربعينية فرّ ابنها الشاب من حضنها وباتت فرص التواصل مع طليقها معدومة ، فتلمس دفئا لدى الجار (احمد راتب) الذي يبادلها مشاعر طيبة ، غير أن الأبن لا يعجبه هذا التواصل ، ويطلب من أمه أن تتوقف عن هذا الهراء ، وحين تعترض باعتبار أنها لا تعمل شيئا خاطئا يصرخ بها قائلا : "من حقك شيء واحد فقط وهو أن تتزوجي" ، ولكن حتى زواجها لا يخرج من إطار النظرة الضيقة التي تستكثر على الأم أن تكون امرأة ، فنرى في هذا السياق مشهدا مؤثراً حين يدخل الابن فيجد نساء الحي منشغلات بإعداد الأم لليلة زفافها ، تجفل الأم عندما ترى ابنها وتحاول أن تغطي بانكسار ما أنكشف من ساقيها ، فيما الابن يكظم غيظه ويمضي. وهنا تتجلى إشكالية يفجرها الفيلم : ما العيب في أن تكون الأم امرأة تسعى لفرصة حب أخرى بعد أن أعياها صقيع التجربة الأولى؟

ونبقى مع الابن وعلاقته مع حبيبته بالحي : يراها ذات مساء في الحي المزدحم ، فيسألها بحدة عن سبب خروجها وحدها ، فتداعبه بالقول : هل تأتي معي ؟ يرتبك الشاب ويرد : إلى أين ؟ فتجيب : إذاً أنا آتى معك. ونراهما في مشهد لاحق متعانقين في بيته. ويتضح لنا أن هذه البنت تستسهل الحب ، ترى أنه رخيص طالما أنه يوفر لها قدرا من الحرية ، وتكميم أفواه من يمكن أن يسألها ماذا تفعل. غير أن هذا الاستسهال ما يلبث أن يتشظى ، حين يضبطها الشاب في خلوة مع شاب آخر ، لنتلمس من وحي هذا المشهد التشظي الذي يصله المرء الباحث عن الحب بأقل الأسعار ، هروبا من صقيع الروح الجاثمة مكانها لا تحلق.

"رقصة التنورة" و"ألوان السما السبعة"هما الغاية التي يسعى إليها الفيلم ، وإذا كان الفيلم قد طرح بوضوح فكرة التحليق ورغبة الجميع بأن يطوف بين ألوان السما السبعة ، إلا أنه لم يطرحها من زاوية الدعوة أو الغفران والتوبة والتقرب إلى الله عز وجل ، بقدر ما أراد أن يقول أن بني أدم ضعيف بطبعه ، وهو أسير نزواته وشهوانيته ، إذا افتقد ما يمكن أن يرتقي به عنهما. في مشهد يجمع بكر وحنان تمد له تفاحة وتذكره قبل أن يقضمها أنها هي التي أنزلت سيدنا آدم إلى الأرض.

الإنسان ضعيف ، هذا ما يريد أن يقوله الفيلم ، والظرف يمكن أن يكون قاهرا ، وما اسهل قهر الإنسان ودفعه لأن يفعل ما قد لا يريد أن يفعله في قراره نفسه. ولكنه منجرف ولا يمكن أن يتوقف إلا إذا وجد ما يمكن أن يستوقفه. والحب الطاهر هو ضمادة الجرح الأولى ، وهو فقط ما يمكن أن يوقف نزيف الدم. والسماء رحبة واسعة ألوانها سبعة ، أي ان ثمة اكثر من طريقة وطريقة للتقرب من السماء والتقرب من الرب.

يختتم الفيلم بمشهد دافئ يضم الأب ( بكر) وابنه الشاب ، وقد قرر الأب أن يعلم ابنه "رقصة التنور" ، وفجأة تظهر "حنان" فتلمع عينا الأب ، ويسألها مرحبا : كيف وصلت إلى هنا ؟ فترد أن من يريد أن يصل يستطيع الوصول.





كاتب وناقد سينمائي اردني





Date : 18-09-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش